PDA

مشاهدة نسخة كاملة : روائع جبرانيّة


صوت الايمان
05-03-2011, 23:35
السّلام عليكم ورحمة الله
نقف في هذا الموضوع
عند روائع جبرانيّة
للملاك الثّائر
" جبران خليل جبران "
أرجو أن تنال استحسان
ذائقتكم الأدبيّة
مع ودّي وتقديري .





(( العاصفة ))

( 1 )


كان يوسف الفخري في الثلاثين من عمره عندما ترك العالم وما فيه وجاء ليعيش وحيداً متزهداً صامتاً في تلك الصومعة المنفردة القائمة على كتف وادي قاديشا في شمال لبنان.

وقد اختلف سكّان القرى المجاورة في أمره، فمنهم من قال : هو ابن أسر شريفة مثرية وقد أحب امرأة فخانت عهده فهجر الديار وطلب الخلوة توصلاً إلى السلوان. ومنهم من قال: هو شاعر خيالي قد انصرف عن ضجة الاجتماع ليدون أفكاره وينظم عواطفه. ومنهم من قال : هو متصوف متعبد قد اقتنع بالدين دون الدنيا. ومنهم من اكتفى بقوله : هو مجنون.

أما أنا فلم أكن من رأي هذا ولا ذاك لعلمي أن في داخل الأرواح أسراراً غامضة لا تكشفها الظنون ولا يبوح بها التخمين، غير أني كنت أتمنى لقاء هذا الرجل الغريب وأشتهي محادثته. وقد حاولت مرتين التقرب إليه لأستطلع حقيقته وأستفسر مقاصده وأمانيه، فلم أظفر منه بسوى نظرات حادة وبعض ألفاظ تدل على الجفاء والبرودة والترفع. ففي المرة الأولى، وقد لقيته سائراً بقرب غابة الأرز، حييته بأحسن ما حضرني من الكلام فلم يرد التحية إلا بهز رأسه ثم تحول عني مسرعاً. وفي المرة الثانية وجدته واقفاً في وسط كرمة صغيرة بقرب صومعة فدنوت منه قائلاً : قد سمعت بالأمس أن هذه الصومعة بناها ناسك سرياني في القرن الرابع عشر، فهل لك علم بذلك يا سيدي؟

فأجاب بلهجة خشنة : لا أعلم من بنى هذه الصومعة ولا أريد أن أعلم . ثم أدار لي ظهره وزاد ساخراً : لماذا لا تسأل جدتك فهي أقدم عهداً وأكثر علماً بتاريخ هذه الأودية. فتركته مكسوفاً نادماً على تطفلي.
وهكذا مر عامان وحياة هذا الرجل المكتنفة بالأسرار تراود خيالي وتتمايل مع أفكاري وأحلامي.



( 2 )


ففي يوم من أيام الخريف وقد كنت متجولاً بين تلك التلول والمنحدرات المجاورة لصومعة يوسف الفخري فاجأتني العاصفة بأهويتها وأمطارها وأخذت تتلاعب بي مثلما يتلاعب البحر الهائج بمركب كسرت الأمواج دفته ومزقت الريح شراعه، فتحولت نحو الصومعة قائلاً في نفسي : هذه فرصة موافقة لزيارة هذا المتنسك وستكون العاصفة عذري وأثوابي المبللة شفيعي.

بلغت الصومعة وأنا في حالة يرثى لها، ولم أطرق الباب حتى ظهر أمامي الرجل الذي طالما تشوقت إلى لقائه حاملاً بيده طائراً مهشم الرأس منبوش الريش وهو يختلج كأنه على آخر رمق من الحياة. فقلت بعد أن حييته : اعذرني يا سيدي على مجيئي إليك في هذه الحالة، ولكن العاصفة شديدة وأنا بعيد عن المنزل.

فتفرس فيّ عابساً وأجاب بصوت يساوره الاستنكاف : الكهوف كثيرة في هذه النواحي وقد كان بإمكانك الالتجاء إليها.

قال هذا وهو يلامس رأس الطائر بانعطاف لم أرَ مثله في حياتي، فعجبت لمرأى الضدين : الرأفة والخشونة في وقت واحد، وتحيرت في أمري. وكأنه قد علم بما يخالج ضميري فنظر إلي نظرة استيضاح واستعلاه ثم قال : إن العاصفة لا تأكل اللحوم الحامضة فلمَ تخافها وتهرب منها؟

فأجبته : العاصفة لا تحب الحوامض ولا الموالح ولكنها تميل إلى الرطب البارد ولا أشك بأنها ستجدني لقمة لذيذة إذا قبضت علي ثانية.

فقال وقد انفرجت ملامحه قليلاً : لو مضغتك العاصفة لقمة لحصلت على شرف لا تستحقه.

فأجبته : نعم يا سيدي، ولقد جئت إليك هارباً من العاصفة لكي لا أنال ذلك الشرف الذي لا أستحقه !

فحول وجهه محاولاً إخفاء ابتسامة ضئيلة، ثم أشار نحو مقعد خشبي بقرب موقد تتأجج فيه النار وقال : أجلس وجفف أثوابك.

فجلست بقرب النار شاكراً وجلس هو قبالتي على مقعد محفور في الصخر وأخذ يغمس أطراف أصابعه بمزيج زيتي في طاسة فخارية ويدهن بها جناح الطائر ورأسه المجروح. ثم التفت نحوي قائلاً : قد دفعت الريح هذا الشحرور فهبط على الصخور بين حي وميت.

فقلت : والريح قد حملتني أيضاً إلى بابك يا سيدي وأنا للآن لا أدري ما إذا كانت قد كسرت جناحي أو هشمت رأسي.

فنظر إلى وجهي بشيء من الاهتمام وقال : حبذا لو كان للإنسان بعض طباع الطيور. حبذا لو كسرت العواصف أجنحة البشر وهشمت رؤوسهم. ولكن الإنسان مطبوع على الخوف والجبانة، فهو لا يرى العاصفة مستيقظة حتى يختبىء في شقوق الأرض ومغاورها.

فقلت وقصدي متابعة الحديث : نعم إن للطير شرفاً ليس للإنسان فالإنسان يعيش في ظلال شرائع وتقاليد ابتدعها لنفسه، أما الطيور فتحيا بحسب الناموس الكلي المطلق الذي يسير بالأرض حول الشمس.

فلمعت عيناه وانبسطت ملامحه كأنه وجد بي تلميذاً سريع الفهم. ثم قال : أحسنت، أحسنت، فإذا كنت تعتقد حقيقة بما تقول فاترك الناس وتقاليدهم الفاسدة وشرائعهم التافهة وعش كالطيور في مكان بعيد خالٍ إلا من ناموس الأرض والسماء.

فقلت : إني أعتقد بما أقول يا سيدي.

فرفع يده وقال بصوت يمازجه التعنت والتصلب : الاعتقاد شيء والعمل به شيء آخر. كثيرون هم الذين يتكلمون كالبحر أما حياتهم فشبيهة بالمستنقعات. كثيرون هم الذين يرفعون رؤوسهم فوق قمم الجبال أما نفوسهم فتبقى هاجعة في ظلمة الكهوف.

قال هذا ولم يدع لي الفرصة للكلام بل قام من مكانه ومدد الشحرور على جبة قديمة بقرب النافذة. ثم تناول رزمة من القضبان اليابسة وألقاها في الموقد قائلاً : اخلع حذاءك وجفف قدميك فالرطوبة أضر بالإنسان من كل شيء آخر. جفف أثوابك جيداً ولا تكن خجولاً.فاقتربت من النار والبخار يتصاعد من أثوابي الرطبة. أما هو فوقف في باب الصومعة محدقاً إلى الفضاء الغضوب.

وبعد هنيهة سألته قائلاً : هل جئت إلى هذه الصومعة منذ زمن بعيد؟

فأجاب دون أن يلتفت نحوي : جئت إلى هذه الصومعة عندما كانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه.

فسكت قائلاً في سري : ما أغرب هذا الرجل وما أصعب السبيل إلى حقيقته. ولكن لا بد من محادثته ومعرفة خفايا روحه، وسوف أصبر حتى يتحول شموخه إلى اللين والدعة.



( 3 )


غمر الليل تلك البطاح بردائه الأسود ونمت العاصفة وغزرت الأمطار حتى خيل لي أن الطوفان قد جاء ثانية ليبيد الحياة ويطهر الأرض من أدرانها. وكأن ثورة العناصر قد ولدت في نفس يوسف الفخري تلك الطمأنينة التي تجيء في بعض الأحايين مظهراً لرد الفعل فتحول نفوره مني إلى الاستنئناس بي، فقام وأشعل شمعتين ثم وضع أمامي جرة طافحة بالخمر وطبقاً عليه الخبز والجبن والزيتون والعسل وبعض الأثمار المجففة، ثم جلس قبالتي وقال بلطف : هذا كل ما عندي من الزاد فتفضل يا أخي وشاركني به.

تناولنا العشاء صامتين صاغيين إلى ولولة الريح وبكاء الأمطار. غير انني كنت أتبصر وجهه بين اللقمة والأخرى، مستفسراً ملامحه عن غوامضه، سائلاً معانيه عن الميول والمقاصد المستحكمة بوجدانه.

وبعد أن رفع المائدة تناول من جانب الموقد إبريقاً نحاسياً وصب منه قهوة صافية زكية الرائحة في فنجانين ثم فتح علبة مفعمة بلفائف التبغ، وقال بهدوء : تفضل يا أخي.

فأخذت لفافة رافعاً بيدي فنجان القهوة وأنا لا أصدق ما تراه عيناي، فنظر إلي وكأنه قد سمعني مفكراً فابتسم هازاً رأسه ثم قال بعد أن أشعل لفافة وشرب قليلاً من القهوة : أنت بالطبع تستغرب وجود الخمر والتبغ والقهوة في هذه الصومعة، وقد تستغرب وجود الطعام والفراش، وأنا لا ألومك فأنت واحد من الكثيرين الذين يتوهمون أن البعد عن البشر يستوجب البعد عن الحياة وما في الحياة من الملذات الطبيعية والمسرات البسيطة.

فأجبته : نعم يا سيدي، فقد تعودنا الاعتقاد بأن من يتنحى عن العالم ليعبد الله وراءه كل ما في العالم من الملذات والمسرات ليعيش وحده متنسكاً متقشفاً بالماء والأعشاب.

فقال : لقد كان بإمكاني عبادة الله وأنا بين خلقه، لأن العبادة لا تستلزم الوحدة والانفراد وأنا لم أترك العالم لأجد الله لأنني كنت أجده في بيت أبي وفي كل مكان آخر، ولكنني هجرت الناس لأن أخلاقي لا تنطبق على أخلاقهم، وأحلامي لا تتفق مع أحلامهم. تركت البشر لأنني وجدت نفسي دولاباً يدور يمنة بين دواليب تدور يساراً. تركت المدينة لأنني وجدتها شجرة مسنة فاسدة قوية هائلة عروقها في ظلمة الأرض وأغصانها تتعالى إلى ما وراء الغيوم، أما أزاهرها فمطامع وشرور وجرائم، وأما أثمارها فويل وشقاء وهموم. ولقد حاول بعض المصلحين تطعيمها وتغيير طبيعتها فلم يفلحوا، بل ماتوا قانطين مضطهدين مغلوبين على أمرهم.

واتكأ إذ ذاك إلى جانب الموقد، وكأنه قد وجد لذة في تأثير كلامه فيّ فرفع صوته أكثر من ذي قبل وزاد قائلاً :
لا،
لم أطلب الوحدة للصلاة والتنسك، لأن الصلاة، وهي أغنية القلب، تبلغ آذان الله وإن تصاعدت ممزوجة بصياح ألوف الألوف، وأما التنسك، وهو قهر الجسد وإماتة رغائبه، فمسألة لا مكان لها في ديني، لأن الله بنى الأجسام هياكل للأرواح وعلينا أن نحافظ على هذه الهياكل لتبقى قوية نظيفة لائقة بالألوهية التي تحل فيها. لا يا أخي لم أطلب الوحدة للصلاة والتقشف بل طلبتها هارباً من الناس وشرائعهم وتعاليمهم وتقاليدهم وأفكارهم وضجتهم وعويلهم.

طلبت الوحدة لكي لا أرى أوجه الرجال الذين يبيعون نفوسهم ليشتروا بأثمانها ما كان دون نفوسهم قدراً وشرفاً. طلبت الإنفراد لكي لا ألتقي النساء اللواتي يسرنَ ممدودات الأعناق غامزات العيون وعلى ثغورهن ألف ابتسامة وفي أعماق قلوبهن غرض واحد. طلبت الإنفراد لكي لا أجالس ذوي نصف المعرفة الذين يبصرون في المنام خيال العلم فيتخيلون أنهم أصبحوا من المدارك بمقام النقطة من الدائرة. ويرون في اليقظة أحد أشباح الحقيقة فيتوهمون أنهم قد امتلكوا جوهرها الكامل المطلق. طلبت الخلوة لأنني مللت مجاملة الخشن الذي يظن اللطف ضرباً من الضعف، والتساهل نوعاً من الجبانة، والترفع شكلاً من الكبرياء. طلبت الخلوة لأن نفسي تعبت من معاشرة المتمولين يظنون أن الشموس والأقمار والكواكب لا تطلع إلا من خزائنهم ولا تغيب إلا من جيوبهم، ومن الساسة الذين يتلاعبون بأماني الأمم وهم يذرون في عيونها الغبار الذهبي ويملأون آذانها برنين الألفاظ، ومن الكهان الذين يعظون الناس بما لا يتعظون به ويطلبون منهم ما لا يطلبونه من نفوسهم. . . طلبت الوحدة والانفراد لأنني لم أحصل على شيء من يد بشري إلا بعد أن دفعت ثمنه من قلبي. طلبت الوحدة والانفراد لأنني سئمت ذلك البناء العظيم الهائل المدعو حضارة، ذلك البناء الدقيق الصنع والهندسة القائم فوق رابية من الجماجم البشرية. طلبت الوحدة لأن في الوحدة حياة للروح والفكر والقلب والجسد. طلبت البرية الخالية لأن فيها نور الشمس ورائحة الأزهار وأنغام السواقي. طلبت الجبال لأن فيها يقظة الربيع وأشواق الصيف وأغاني الخريف وعزم الشتاء. جئت إلى هذه الصومعة المنفردة لأنني أريد معرفة أسرار الأرض والدنو من عرش الله.

وسكت متنفساً الصعداء كأنه ألقى حملاً ثقيلاً عن عاتقه وقد تلمعت عيناه بأشعة غريبة سحرية وظهرت على وجهه أمارات الأنفة والإرادة والقوة.

ومرت بضع دقائق وأنا أنظر إليه مسروراً بظهور ما كان محجوباً عني. ثم خاطبته قائلاً : أنت مصيب في كل ما قلته، ولكن ألا ترى يا سيدي أنك بتشخيصك أمراض المجتمع وأوصابه قد أنبت لي أنك أحد الأطباء الماهرين وأنه لا يجدر بالطبيب الإعراض عن العليل قبل أن يشفى او يموت؟ إن العالم بحاجو ماسة إلى أمثالك وليس من العدل أن تعتزل عن الناس وأنت قادر على نفعهم.

فحدق إلي هنيهة ثم قال بلهجة ملؤها القنوط والمرارة :
منذ البدء والأطباء يحاولون إنقاذ العليل من علته. فمنهم من جاء بالمباضع ومنهم من جاء بالأودية والمساحيق، ولكنهم ماتوا جميعاً دون رجاء ولا أمل، ويا ليت عليل الدهور يكتفي بملازمة مضجعه القذر ومؤانسة قروحه المزمنة، ولكنه يمد يده من بين اللحف ويقبض على عنق كل من يزوره ممرضاً ويخنقه. والأمر الذي يغيظني ويحول الدم في عروقي إلى نار محرقة هو أن العليل الخبيث يقتل الطبيب ثم يعود فيغمض عينيه قائلاً لنفسه : لقد كان بالحقيقة طبيباً عظيماً . . . لا يا أخي. ليس ين الناس من يستطيع أن ينفع الناس، فالحارث وإن كان حكيماً ماهراً لا يقدر على استنبات حقله في أيام الشتاء.

فأجبته قائلاً : قد يمر شتاء العالم يا سيدي ويجيء بعده ربيع بهي جميل فتظهر الأزهار في الحقول وتترنم الجداول في الأودية.

فقطب ما بين عينيه متنهداً، وبصوت تعانقه الكآبة قال : ليت شعري هل قسم الله حياة الإنسان، وهي كالدهر بكامله، إلى فصول تشابه فصول السنة بمسيرها وتتابعها؟ هل يظهر على سطح الأرض بعد ألف ألف عام طائفة من البشر تحيا بالروح والحق؟ هل يأتي زمن يتمجد فيه الإنسان فيجلس عن يمين الحياة فرحاً بنور النهار وطمأنينة الليل؟ هل يتم ذلك يا ترى؟ هل يتم ذلك بعد أن تشبع الأرض من لحوم البشر وترتوي من دمائهم؟

وانتصب إذ ذاك واقفاً رافعاً يمينه نحو العلاء كأنه يشير إلى عالم غير هذا العالم : تلك أحلام بعيدة، وليست هذه الصومعة منزلاً للاحلام، لأن ما علمه يقيناً يشغل كل فسحة وكل قرنة فيها، بل يشغل كل مكان في هذه الأودية وهذه الجبال. أما ما أعلمه يقيناً فهو هذا : أنا كائن موجود، وفي أعماق وجودي جوع وعطش، ولي الحق أن أتناول خبز الحياة وخمرها من الآنية التي أصنعها بيدي. من أجل ذلك تركت موائد الناس وولائمهم وجئت هذا المكان وسأبقى فيه حتى النهاية.

وأخذ يمشي ذهاباً وإياباً في وسط تلك الغرفة وأنا أتأمله وأفكر بكلامه وبالعوامل والبواعث التي صورت له الجامعة البشرية بخطوط عوجاء وألوان قاتمة، ثم أستوقفه قائلاً : إني أحترم أفكارك ومقاصدك يا سيدي، وأحترم وحدتك وانفرادك، غير أنني أعلم، والعلم مجلبة الأسف، أن هذه الأمة التعسة قد فقدت بتنحيك وابتعادك رجلاً موهوباً قادراً على خدمتها وإيقاظها.

فأجاب هازاً رأسه :
ليست هذه الأمة إلا كالأمم كافة. فالناس من جبلةٍ واحدة وهم لا يختلفون بعضهم عن بعض إلا في الظواهر والمظاهر الخارجية التي لا يعتد بها؛ فتعاسة الأمم الشرقية هي تعاسة الأرض بكاملها؛ وليس ما تحسبه رقيباً في الغرب سوى شبح آخر من أشباح الغرور الفارغ. فالرياء يظل رياء وإن قلم أظافره، والغش يبقى غشاً وإن لانت ملامسه، والكذب لا يصير صدقاً إذا لبس الحرير وسكن القصور، والخداع لا يتحول إلى أمانة إذا ركب القطار أو اعتلى المنطاد، والطمع لا ينقلب قناعة إذ قاس المسافات أو وزن العناصر، والجرائم لا تصبح فضائل وإن سارت بين المعامل والمعاهد. . . أما العبودية : العبودية للحياة، العبودية للماضي، العبودية للتعاليم والعوائد والأزياء، والعبودية الأموات فستبقى عبودية وإن طلت وجهها وغيرت ملابسها. العبودية تظل عبودية حتى إذا دعت نفسها حرية. لا يا أخي ليس الغربي أرقى من الشرقي ولا الشرقي أحط من الغربي، وما الفرق بينهما إلا كالفرق الكائن بين الذئب والضبع. ولقد نظرت فرأيت وراء مظاهر الاجتماع المتباينة ناموساً أولياً عادلاً يفرق التعاسة والعماوة والجهالة على السواء فلا يميز شعباً عن شعب ولا يظلم طائفة دون طائفة.

فقلت وقد بلغ بي الاستغراب حد الالتباس : إذاً فالمدينة باطلة وكل ما فيها باطل.

فأجاب متهيجاً : نعم باطلة هي المدنية وباطل كل شيء فيها. فما الاختراعات والاكتشافات سوى ألاعيب يتسلى بها العقل وهو في حالة الملل والضجر؛ وما تقصير المسافات وتمهيد الجبال والأودية والتغلب على البحار والفضاء غير أثمار غشاشة مملوءة بالدخان لا ترضي العين ولا تغذي القلب ولا ترفع النفس. أما تلك الألغاز والأحاجي التي يدعونها بالمعارف والفنون فهي قيود وسلاسل ذهبية يجرها الإنسان مبتهجاً بلمعانها ورنين حلقاتها؛ بل هي أقفاص ابتدأ الإنسان بتطريق أعمدتها وأسلاكها منذ القدم غير عالم بأنه لا ينتهي من صنعها إلا ويجد نفسه أسيراً مسجوناً في داخلها . . . نعم باطلة هي أعمال الإنسان وباطلة هي تلك المقاصد والمرامي والمنازع والأماني وباطل كل شيء على الأرض. وليس بين أباطيل الحياة سوى أمر واحد خليق بحب النفس وشوقها وهيامها- ليس هناك غير شيء واحد.

فقلت : وما ذلك يا سيدي؟

فوقف دقيقة ساكتاً ثم أغمض أجفانه واضعاً يديه على صدره وقد أشرق وجهه وانبسطت ملامحه، وبصوت عذب مرتعش قال : هي يقظة في النفس، هي يقظة في عمق أعماق النفس. هي فكرة تفاجىء وجدان الإنسان على حين غفلة وتفتح بصيرته فيرى الحياة مكتنفة بالأنغام، محاطة بالهالات، منتصبة كبرج من النور بين الأرض واللانهاية. هي شعلة من شعلات ضمير الوجود تتأجج فجأة في داخل الروح فتحرق ما يحيط بها من الهشيم وتصعد سابحة مرفرفة في الفضاء الواسع. هي عاطفة تهبط على قلب الفرد فيقف مستغرباً مستهجناً كل ما يخالفها، كارهاً كل شيء لا يجاريها، متمرداً على الذين لا يفهمون أسرارها- هي يد خفية قد أزالت الغشاء عن عيني وأنا في وسط الاجتماع بين أهلي وأصحابي ومواطني، فوقفت منذهلاً مدهوشاً قائلاً في نفسي : ما هذه الوجوه وما شأن هؤلاء الناظرين إلي وكيف عرفتهم، وأين لقيتهم، ولماذا أقيم بينهم؛ بل لماذا أجالسهم وأحادثهم؟ هل أنا غريب بينهم، أم هم غرباء في ديار بنتها الحياة لي وأسلمتني مفاتيحها؟

وسكت فجأة كأن الذكرى قد رسمت على حافظته صوراً وأشباحاً لا يريد إظهارها، ثم بسط ذراعيه وقال همساً : هذا ما حل بي منذ أربع سنوات فتركت العالم وجئت هذه البرية الخالية لأعيش في اليقظة متمتعاً بالفكر والعاطفة والسكينة.

ومشى إذ ذاك نحو باب الصومعة ناظراً إلى أعماق الليل ثم هتف كأنه يخاطب العاصفة : هي يقظة في أعماق النفس فمن يعرفها لا يستطيع إظهارها بالكلام ومن لم يعرفها لا ولن يدرك أسرارها.

ومرت ساعة طويلة ممنطقة بهمس الفكر ونداء العاصفة ويوسف الفخري يمشي تارة وسط تلك الحجرة ويقف طوراً في بابها محدقاً إلى الفضاء العابس، أما أنا فبقيت صامتاً شاعراً بتموجات روحه مستظهراً أقواله، مفكراً بحياته وما وراء حياته من لذة الوحدة وآلامها. وعند انقضاء الهزيع الثاني من الليل اقترب مني ونظر طويلاً إلى وجهي كأنه يريد أن يحفظ في ذاكرته رسم الرجل الذي باح له بسر وحدته وانفراده. ثم قال ببطء : أنا ذاهب الآن للتجول في العاصفة، وهي عادة أتمتع بلذتها في الخريف وفي الشتاء . . . هاك إبريق القهوة واللفائف، وإن طلبت نفسك الخمر تجدها في الجرة. وإذا شئت النوم تجد اللحف والمساند في تلك القرنة.

قال هذا والتف بجبة سوداء كثيفة ثم زاد مبتسماً : أرجوك أن توصد باب الصومعة عندما تذهب في الصباح لأنني سأصرف الغد في غابة الأرز.

ثم سار نحو الباب وتناول من جانبه عكازاً طويلاً وقال : إذا فاجأتك العاصفة ثانية وأنت في هذه النواحي فلا تتأخر عن الالتجاء إلى هذه الصومعة. ولكنني أرجو أن تعلم نفسك حب العواصف لا الخوف منها . . . مساء الخير يا أخي.

وخرج إلى الليل مسرعاً.

ولما وقفت في باب الصومعة لأرى وجهته كان الظلام قد أخفاه ولكنني بقيت بضع دقائق أسمع وقع قدميه على حصباء الوادي.

جاء الصباح وقد مرت العاصفة وانقشعت الغيوم وظهرت تلك الصخور والغابات متشحة بنور الشمس، فتركت الصومعة بعد أن أقفلت بابها وفي نفسي شيء من تلك اليقظة المعنوية التي تكلم عنها يوسف الفخري.

ولكنني لم أبلغ منازل الناس وأرى حركاتهم وأسمع أصواتهم حتى وقفت قائلاً في سري : نعم، إن اليقظة الروحية هي أخلق شيء بالإنسان بل هي الغرض من الوجود، ولكن أليست المدنية بما فيها من التلبس والأشكال من دواعي اليقظة الروحية؟ وكيف يا ترى نستطيع إنكار أمر موجود ونفس وجوده دليل على إثبات صلاحيته؟ قد تكون المدنية الحاضرة عرضاً زائلاً ولكن الناموس الأبدي جعل سلماً تنتهي درجاته بالجوهر المطلق.

ولم أجتمع ثانية بيوسف الفخري لأن الحياة أبعدتني عن شمال لبنان في أواخر ذلك الخريف فجئت منفياً إلى بلاد قصية عواصفها داجنة. أما التنسك فيها فضرب من الجنون.





عن كتاب
" العواصف للأديب " جبران "

ومع المزيد
أترككم بآمان الله .








" صوت الإيمان "

صوت الايمان
06-03-2011, 14:27
(( عندما ولدت كآبتي ))


عندما ولدت كآبتي أرضعتها حليب العناية وسهرت عليها بعين الحب والحنان .
فنمت كآبتي كما ينمو كل حيّ_قوية جميلة تفيض بهجة وإشراقا ً.
فأحببت كآبتي وأحبتني كآبتي وأحببنا معا ً العالم المحيط بنا لأن كآبتي كانت رقيقة القلب عطوفا ًفصيّرت قلبي رقيقاًعطوفاً.
وعندما كنا نتحادث معاً أنا وكآبتي كنانمنح الأحلام أجنحةًلأيامنا ومناطق لليالينا لأن كآبتي كانت فصيحة طليقة اللسان فصيّرت لساني فصيحاً طلقياً .

وعندما كنا نغني معاً أنا وكآبتي كان جيراننا يجلسون الى نوافذهم مصغين الى غنائنا لأن غناءنا كان عميقاً كأعماق البحـــر وغريباًكغرائب الذكرى .

وعندما كنا نمشي أنا وكآبتي كان الناس يرنون الينا بعيون تشع حبا ً وإعجاباً متحدثين إلينا بأرق الألفاظ وأحلاها غير أن بعضاً منهم كانوا ينظرون إلينا بعيون الحسد لأن الكآبة كانت منقبة محمودة وأنا كنت متباهياً فخوراً بالكآبة .

ثم ماتت كآبتي كما يموت كل حي وبقيت أنا وحدي مفكراً متأملاً.
وها أنا ذا أتكلم الآن فتستثقل أذناي صوتي وأنشد فلا يصغي أحد من جيراني لإنشادي وأطوف الشوارع فلا يعبأ أحد بي ...

غير أنني أتعزّى إذ أسمع في منامي أصواتاً تقول متحسرة :
(أنظروا !أنظروا! فهنا يرقد الرجـــل الذي ماتت كآبته .)


(( وعندما ولدت مسرّتي))



حملتها على ذراعي وصعدت بها الى سطح بيتي أنادي قائلاً:
(تعالوا يا جيراني ومعارفي ...تعالوا وانظروا ! فقد ولدت مسرّتي اليوم ...تعالوا وانظروا فيض مسرتي الضاحكة أمام الشمس)

وشدّ ما كان دهشي لأنه لم يأت أحد من جيراني ليرى مسرتي .
وظللت سبعة أشهر أعلن مسرّتي للناس بكرة وأصيلا ً من على سطح بيتي ولكن لم يُصغِ أحد قط لصوتي .

فبقيت ومسرّتي وحيدين مهملين لا يعبأ أحد بنا .

وما مرّ على ذلك سنة حتى سئمت مسرّتي حياتها فامتقع لونها واعتلــّت إذ لم ينبض بحبها قلب سوى قلبي ولم يقـبــّل فمها سوى فمي .

فقضت مسرّتي في وحشتها وأمسيت لا أذكرها إلا عندما أذكر كآبتي.

{ وما الذكرى سوى ورقة خريف لا ترتعش في الهواء هنيهة حتى تكـــفّن بالتراب دهرا }ً.







عن كتاب
" المجنون "
للأديب " جبران "





مع همسات جبرانيّة جديدة
دمتم بحفظ الله .
" صوت الإيمان "

الحقيقة وبس
06-03-2011, 15:34
صوت الايمان
المبدعة دائما .. تألقت كعادتها في معايشتنا لروائع جبران خليل جبران
" بين خيال الإنسان و إدراكه مسافة لا يجتازها سوى حنينه"
بين الاجنحة المتكسرة والأرواح المتمردة..
سيبقى هو الانسان والفنان والشاعر والأديب والناقد والروائي الكبير

يثبت الموضوع مع التحية والتقدير لاديبتنا الرائعة
بروعة ما نقلته لنا وما ستنقله من همسات جبرانية جديدة

صوت الايمان
07-03-2011, 18:27
صوت الايمان
المبدعة دائما .. تألقت كعادتها في معايشتنا لروائع جبران خليل جبران
" بين خيال الإنسان و إدراكه مسافة لا يجتازها سوى حنينه"
بين الاجنحة المتكسرة والأرواح المتمردة..
سيبقى هو الانسان والفنان والشاعر والأديب والناقد والروائي الكبير

يثبت الموضوع مع التحية والتقدير لاديبتنا الرائعة
بروعة ما نقلته لنا وما ستنقله من همسات جبرانية جديدة



الأديب الرّاقي
" الحقيقة وبس "

دائما في كلمات الآخرين
تفاصيل تعنينا !!

كلّنا اشتياق لحروفك
الغائبة يا أديبنا .

بطاقات من الشّكر
ويقيني أنّها لن تفيك
حقّك

مساؤك سعيد أستاذنا
الخلوق المبدع
" الحقيقة وبس "






" صوت الإيمان "

صوت الايمان
07-03-2011, 19:16
(( أغنية اللّيل ))


سكن الليل ، وفي ثوب السكون
تختبــى الأحــلام
وسعى البدر ، وللبدر عيــون
تـــرصــد الأيـــام



فتعالى ، يا بنة الحقل ، نزور
كــرمــــة العشــاق
علنــا نطفـى بذيـّـاك العصـير
حــرقــــة الأشـــــواق



اسمعى البلبل مابين الحقول
يسكــب الألحـــان
في فضاء نفخت فيه التلول
نســمة الريحــــان



لا تخافي ، يا فتاتي ، فالنجوم
تكتــم الأخبـــــار
وضباب الليل فى تلك الكروم
يحجـــب الأسـرار


لا تخافى ، فعروس الجن فى
كهفهــــا المسحـــور
هجعت سكرى وكادت تختفى
عـن عيــون الحـــور


ومليك الجن إن مر يروح
والهــوى يثنيــــــه
فهو مثلى عاشق كيف يبوح
بـالــــذى يضنيـــه !







عن كتاب
" البدائع والطّرائف "
للأديب
" جبران "





و برفقة الجمال
دمتم بآمان الله





" صوت الإيمان "

صوت الايمان
08-03-2011, 21:29
(( الكلام وطوائف المتكلّمين ))

لقد مللت الكلام والمتكلمين.
لقد تعبت روحي من الكلام والمتكلمين.
لقد ضاعت فكرتي بين الكلام والمتكلمين.
أستيقظ في الصباح فأرى الكلام جالساً بجانب مضجعي على صفحات الرسائل والجرائد والمجلات. وهو ينظر إليّ بعيون ملؤها الدهاء والخبث والرياء.

أغادر فراشي وأجلس إلى جانب النافذة لأزيح نقاب النوم عن بصيرتي بفنجان من القهوة فيتبعني الكلام وينتصب أمامي راقصاً صارخاً معربداً ثم يمد يده مع يدي إلى فنجان القهوة ويرتشف منه بارتشافي. وإذا تناولت لفافة يتناولها معي. وإذا رميت بها رماها معي أيضاً.
وأقوم للعمل فيلحق بي الكلام موسوساً في أذني مهمهماً حول رأسي، مقرقعاً في خلايا دماغي. فأحاول طرده فيضحك مقهقهاً ثم يعود إلى الوسوسة والهمهمة والقرقعة.

أخرج إلى الشارع فأرى الكلام واقفاً في باب كل حانوت، منبسطاً على جدران كل منزل. أراه في أوجه الناس وهم صامتون. وفي حركاتهم وسكناتهم وهم لا يدرون.

إن جالست صديقي يكون الكلام ثالثنا. وإن التقيت عدوي ينتفخ الكلام إذ ذاك ويتمدد ثم يتجزأ متحولاً إلى جيش عرمرم أوله مشارق الأرض وآخره مغاربها فإذا غادرته هارباً ظل صدى كلامه يتمايل مختبطاً في باطني اختباط الطعام لا تهضمه المعدة.
أذهب إلى المحاكم والمعاهد والمدارس فأرى الكلام وأبا الكلام وأخاه وهم يلبسون الكذب رداء والاحتيال عمامة وحذاء.
ثم أسير إلى المعمل وإلى المكتب وإلى الإدارة فأجد الكلام واقفاً بين أمه وعمته وجدته وهو يقلب لسانه بين شفتيه الغليظتين وهن يبتسمن له ويضحكن مني.

وإذا بقي لي شيء من العزم والتجلد وزرت المعابد والهياكل رأيت هناك الكلام جالساً على عرشه وهو متوج الرأس وفي يده صولجان دقيق الصنع لطيف الجوانب ناعمها.
وعندما أعود في المساء إلى غرفتي أجد الكلام الذي سمعته سحابة نهاري متدلياً كالأفاعي من سقفها، منسلاً كالعقارب في قرانيها.
الكلام في الفضاء وما وراءه، وعلى الأرض وتحتها.
الكلام على أجنحة الأثير وفي أمواج البحر وفي الغابات والكهوف وفوق قمم الجبال.
الكلام في كل مكان. فإلى أين يذهب من يريد الهدوء والسكينة؟ أيوجد في هذا العالم طائفة من الخرسان لأنتمي إليها؟
هل يرحمني الله ويمنحني موهبة الطرش فأحيا سعيداً في جنة السكون الأبدي؟
أليس على وجه البسيطة قرنة خالية من شقشقة اللسان وبلبلة الألسن حيث الكلام لا يباع ولا يشرى، ولا يعطى ولا يؤخذ؟
ليت شعري ! أبينَ سكان الأرض من لا يعيد نفسه متكلماً؟ هل يوجد بين طغمات الخلق من لم يكن فمه مغارة للصوص الألفاظ؟

ولو كان المتكلمون نوعاً واحداً لرضينا وتجلدنا، ولكنهم أنواع وأشكال لا عداد لها.

فهناك طائفة " المستضفعين " الذين يعيشون في المستنقعات، النهار بطوله. وعندما يجيء المساء يقتربون من الشواطىء رافعين رؤوسهم فوق سطح الماء مفعمين صدر الليل بضجيج قبيح تأباه المسامع والأرواح.

وهناك " المستبعضين " والبعوض من مولدات المستنقعات أيضاً، وهم الذين يرفرفون حول أذنك بنغمة تافهة رفيعة شيطانية، سداها النكاية ولحمتها البغضاء.

وهناك طائفة " المستطحنين " وهي طائفة غريبة، في داخل كلّ فرد من أفرادها حجر يدار بالكحول فيولد جعجعة جهنمية أخفها أثقل مما تحدثه حجارة الرحى.

وهناك طائفة " المستبقرين " وهم الذين يملأون، أجوافهم حشيشاً ثم يقفون على منعطفات الشوارع والأزقة مبطنين الهواء بخوار ألطفه أغلظ من خوار الجاموس.

وهناك طائفة " المستبومين " وهم الذين يصرفون الساعات بين مقابر الحياة وأجداثها محولين سكينة الدجى إلى عويل أفرحه أحزن من نعيب البوم.

وهناك طائفة " المستنشرين " وهم الذين لا يرون من الحياة إلا أخشابها فيصرفون الأيام بتجزئتها وتفصيلها. محدثين بذلك خشخشة أعذبها أضنك مما تحدثه المناشير.

وهناك طائفة " المستطبلين " وهم الذين يقرعون نفوسهم بمطارق ضخمة فيخرج من أفواههم الفارغة قرقعة ألطفها أغلظ من قرقعة الطبول.

وهناك طائفة " المستعلكين " وهم الذين لا شغل لهم ولا عمل فيجلسون حيثما يجدون مقعداً ويمضغون الكلام ولكنهم لا يلفظونه.

وهناك طائفة " المستهزئين " وهم الذين يستغيبون الناس ويستغيبون بعضهم بعضاً ويستغيبون نفوسهم على غير معرفة من نفوسهم ولكنهم يدعون الاستغابة باسم المجون. والمجون ضرب من الجد ولكنهم لا يعلمون.

وهناك طائفة " الأنوال " التي تحوك الهواء بالهواء ولكنها تظل هي دون قمصان ولا سراويل.

وهناك طائفة " الزرازير " التي قال عنها الشاعر : لما حام حائمها توهمت أنها صارت شواهينا.

وهناك طائفة " الأجراس " وهي التي تدعو الناس إلى الهياكل ولكنها لا تدخلها.

وهناك طوائف وعشائر لا تعدّ ولا تحصى ولا توصف أغربها في عقيدتي طائفة نائمة ولكنها تملأ الفضاء غطيطاً إلا أنها لا تدري.
والآن وقد أبنت بعض " قرفي " واشمئزازي من الكلام والمتكلمين، أراني كالطبيب المعتل أو كمجرم يقف واعظاً بين المجرمين. فقد هجوت الكلام ولكن بالكلام وتطيرت من المتكلمين وأنا واحد من المتكلمين. فهل يغفر الله ذنبي قبيل أن يرحمني وينقلني إلى غابة الفكر والعاطفة والحق حيث لا كلام ولا متكلمين؟






عن كتاب
" العواصف "
للأديب
" جبران "






ومن أجلك أديبنا " جبران "
سلام من غير كلام :)








" صوت الإيمان "

صوت الايمان
09-03-2011, 19:58
(( القشور واللباب ))

ما شربت كأسا علقمية إلا كانت ثمالتها عسلا
وما صعدت عقبة حرجة إلا بلغت سهلا أخضر
وما أضعت صديقا في ضباب السماء إلا وجدته في جلاء الفجر

وكم مرة سترت ألمي وحرقتي برداء التجلد متوهما أن في ذلك الأجر والصلاح ولكنني لما خلعت
الرداء رأيت الألم قد تحول إلى بهجة والحرقة انقلبت بردا وسلاما
وكم سرت ورفيقي في عالم الظهور فقلت في نفسي ما أحمقه وما أبلده غير أنني لم أبلغ
عالم السر حتى وجدتني الجائر الظالم وألفيته الحكيم الظريف
وكم سكرت بخمرة الذات فحسبتني وجليسي حملا وذئبا حتى إذا ما صحوت من نشوتي رأيتني
بشرا ورأيته بشرا

وأنا وأنتم أيها الناس مأخوذون بما بان من حالنا متعامون عما خفي من حقيقتنا
فإن عثر أحدنا قلنا
هو الساقط وإن تماهل قلنا هو الحائر التلف وإن تلعثم قلنا هو الأخرس وإن تأوه قلنا تلك
حشرجة النزع فهو مائت
أنا وأنتم مشغوفون بقشور (أنا) وسطحيات(أنتم)لذلك لا نبصر ما أسره الروح إلى (أنا)
وما أخفاه الروح في (أنتم)
وماذا عسى نفعل ونحن بما يساورنا من الغرور غافلون عما فينا من الحق ؟؟

أقول لكم وربما كان قولي قناعا يغشي وجه حقيقتي
أقول لكم ولنفسي إن ما نراه بأعيننا ليس بأكثر من غمامة تحجب عنا ما يجب أن نشاهده ببصائرنا
وما نسمعه باذاننا ليس إلا طنطنة تشوش ما يجب أن نستوعبه بقلوبنا
فإن رأينا شرطيا يقود رجلا إلى السجن علينا ألا نجزم في أيهما المجرم
وإن رأينا رجلا مضرجا بدمه واخر مخضوب اليدين فمن الحصافة ألا نحتم في
أيهما القاتل وأيهما القتيل
وإن سمعنا رجلا ينشد واخر يندب فلنصبر ريثما نتثبت أيهما الطروب

لا ياأخي لا تستدل على حقيقة امرئ بما بان منه
ولا تتخذ قول امرئ أو عملا من أعماله عنوانا لطويته
فرب من تستجهله لثقل في لسانه و ركاكة في لهجته كان وجدانه منهجا للفطن وقلبه مهبطا للوحي
ورب من تحتقره لدمامة في وجهه وخساسة في عيشه كان في الأرض هبة من هبات السماء وفي
الناس نفحة من نفحات الله

قد تزور قصرا و كوخا في يوم واحد فتخرج من الأول متهيبا ومن الثاني مشفقا
ولكن لو استطعت تمزيق ما تحوكه حواسك من الظواهر لتقلص تهيبك وهبط إلى مستوى الأسف
وانبدلت شفقتك وتصاعدت إلى مرتبة الإجلال
وقد تلتقي بين صباحك و مسائك رجلين فيخاطبك الأول وفي صوته أهازيج العاصفة وفي حركاته هول
الجيش أما الثاني فيحدثك متخوفا وجلا بصوت مرتعش وكلمات متقطعة
فتعزو العزم والشجاعة إلى الأول والوهن والجبن إلى الثاني غير أنك لو رأيتهما وقد دعتهما الأيام إلى لقاء المصاعب
أو الاستشهاد في سبيل مبدأ لعلمت أن الوقاحة المبهرجة ليست ببسالة والخجل الصامت ليس بجبانة
وقد تنظر من نافذة منزلك فترى بين عابري الطريق راهبة تسير يمينا ومومسا تسير شمالا فتقول على
الفور ما أنبل هذه وما أقبح تلك ! ولكنك لو أغمضت عينك وأصغيت هنيهة لسمعت صوتا هامسا في الأثير قائلا:
هذه تنشدني بالصلاة وتلك ترجوني بالألم وفي روح كل منهما مظلة لروحي ،وقد تطوف في الأرض
باحثا عما تدعوه حضارة وارتقاء فتدخل مدينة شاهقة القصور فخمة المعاهد رحبة الشوارع
والقوم فيها يتسارعون إلى هنا وهناك فذا يخترق الأرض و ذاك يحلق في الفضاء وذلك يمتشق
البرق وغيره يستجوب الهواء وكلهم بملابس حسنة الهندام بديعة الطراز كأنهم في عيد أو مهرجان وبعد
أيام يبلغ بك المسير إلى مدينة أخرى حقيرة المنازل ضيقة الأزقة إذا أمطرتها السماء تحولت إلى جزر
من المدر في بحر من الأوحال وإن شخصت بها الشمس انقلبت غيمة من غبار أما سكانها فما برحوا بين الفطرة
والبساطة كوتر مسترخ بين طرفي القوس يسيرون متباطئين ويعملون متماهلين وينظرون إليك كأن وراء عيونهم
عيونا تحدق إلى شيء بعيد عنك فترجل عن بلدهم ماقتا مشمئزا قائلا في سرك
إنما الفرق بين ما شاهدنه في تلك المدينة وما رأيته في هذه لهو كالغرف بين الحياة والاحتضار
فهناك القوة بمدها وهنا الضعف بجزره هناك الجد ربيع وصيف وهنا الخمول خريف وشتاء
هناك اللجاجة شباب يرقص في بستان وهنا الوهن شيخوخة مستلقية على الرماد

ولكن لو استطعت النظر بنور الله إلى المدينتين لرأيتهما شجرتين متجانستين في حديقة واحدة
وقد يمتد بك التبصر في حقيقتيهما فترى أن ما توهمته رقيا في إحداهما لم يكن سوى فقاقيع لامعة زائلة
وما حسبته خمولا في الاخرى كان جوهرا خفيا ثابتا

لا لست الحياة بسطوحها بل بخفاياها ولا المرئيات بقشورها بل بلبابها ولا الناس بوجوههم بل بقلوبهم
لا ولا الدين بما تظهره المعابد وتبينه الطقوس والتقاليد
بل بما يختبيء في النفوس ويتجوهر بالنيات

لا ولا الفن بما تسمعه بأذنيك من نبرات وخفضات أغنية أو من رنات أجراس الكلام في قصيدة
أو ما تبصره بعينك من خطوط وألوان مصورة
بل الفن بتلك المسافات الصامتة المرتعشة التي تجيء بين النبرات والخفضات في الأغنية وبما
يتسرب إليك بوساطة القصيدة مما بقي ساكتا هادئا مستوحشا في روح الشاعر
وبما توحيه إليك الصورة فترى وأنت محدق إلي ما هو أبعد وأجمل منها

لا يا أخي ليست الأيام والليالي بظواهرها وأنا ،انا السائر في موكب الايام والليالي
لست بهذا الكلام الذي أطرحه عليك إلا بقدر ما يحمله إليك الكلام من طويتي الساكنة إذن
لاتحسبني جاهلا قبل أن تفحص ذاتي الخفية
ولا تتوهمني عبقريا قبل أن تجردني من ذاتي المقتبسة
لاتقل هو بخيل قابض الكف قبل أن ترى قلبي
أو هو الكريم الجواد قبل أن تعرف الواعز إلى كرمي وجودي
لا تدعوني محبا حتى يتجلى لك حبي بكل ما فيه من النور والنار
ولا تعدني خليا حتى تلمس جراحي الدامية.






عن كتاب
" البدائع والطّرائف "
للأديب
" جبران "





وإلى مزيد من أبلغ الكلام
دمتم بحفظ المولى .








" صوت الإيمان "

صوت الايمان
12-03-2011, 15:37
(( بالله يا قلبي ))



ِ باللَّـهِ يـا قَلـبـي

اكـتـم هَـــواك

وَاخفِ الَّذي تشكـوه

عَمّن يَـراكَ - تَغنَـم


مَن بـاحَ بِالأَسـرار

يُشابـه الأَحـمَـق

فَالصَّمتُ وَالكِتمـان

أَحرى بِمَن يَعشَـق

بِاللَّـهِ يـا قَلـبـي إِذا أَتـــــــاك

مُستَعـلـمٌ يَـسـأل عَمّـا دَهـاك- فَاكتُـم



يـا قَلـبُ إِن قالـوا :

أَيـنَ الَّتـي تَهـوى ؟

قُل قَد سَبَت غَيـري

ثُـمّ اِدّعِ السَّـلـوى

بِاللَّـهِ يـا قَلـبـي اِسـتُـر جَـــواك

فَما الَّـذي يضنيـك إِلاّ دواك - فَـاعـلَـم



الحُبّ فـي الأَرواح

كَخَمرَةٍ فـي الكـاس

ما بانَ مِنهـا مـاء

وَما خَفـي أَنفـاس

بِاللَّـهِ يـا قَلـبـي اِحـبِـس عـنـاك

إِن ضَجّتِ الأَبحـار أَو هَدَّت الأَفلاك- تَسلم






عن كتاب
" البدائع والطّرائف "
للأديب
" جبران "












" صوت الإيمان "

صوت الايمان
13-03-2011, 14:21
(( الوجوه ))


رأيتُ وجها ًيظهر بألف مظهر , ووجهاً مظهره واحد أبداً كأنّما قد سبك في قالب.

ورأيت وجهاً قدرت أن أقرأ تحت طلاوته الظاهرة بشاعته المستترة ’ و

وجهاً ما رأيت روعة جماله المحتجب حتى رفعت قناعه الظاهر .

ورأيت وجهاً شيخاً قد تجعّد ولكن لا على شيء , ووجهاً ناعماً قد ارتسمت على ملامحه

جميع الأشياء .

أنا أعرف الوجوه لأنني أنظر اليها من خلال ما ينسجه بصري فأرى الحقيقة التي وراءها

بباصرتي .








عن كتاب " المجنون "
للأديب
" جبران "










" صوت الإيمان "

صوت الايمان
15-03-2011, 15:11
مقتطفات رائعة من كتاب
" رمل وزبد "
للأديب
" جبران "




قال فيلسوف لكنّاس الشوارع:
إنني أشفق عليك لأنّ عملك مضنك قذر .
فأجاب كنّاس الشوارع وقال:
أشكرك ياسيدي ولكن قل لي ماهو عملك؟
فأجاب الفيلسوف متبجّحا :إنني أدرس أخلاق الناس
وطبائعهم وأبحث في أعمالهم ومنازعهم .
فضحك كنّاس الشوارع وسارفي عمله قائلاً للفيلسوف
يامسكين !!!!
يامسكين !!!




غريب أنّك تقصر شفقتك على بطيء القدمين
دون بطيء الفكر , وأعمى العينين دون أعمى القلب .




قلت مرّة لشاعر : إنّنا لانعرف قيمتك حتى تموت
فأجاب قائلا: أجل , إنّ الموت يسدل النّقاب عن وجه الحقيقة أبداً .
واذا كنتم بالحقيقة تودّون أن تعرفوا قيمتي عن طريق الموت
فما ذلك لأنّ في قلبي أكثر مما على لساني , وفي رغباتي أكثر مما في يدي .



ما أنبل القلب الحزين الّذي لا يمنعه حزنه عن أن ينشد أغنية
مع القلوب الفرحة !



يقولون لي : عصفورٌ في اليد ولا عشرة على الشجرة .
أما أنا فأقول لهم : إنّ عصفوراً واحداً على الشجرة خيرٌ من
عشرة في اليد .



اذا تعاظم حزنك وفرحك
صغُرَت الدّنيا في عينيك .



منبر الإنسانيّة قلبها الصّامت
لا عقلها الثّرثار .



يحسبونني مجنوناً لأنني لا أبيع أيامي بدنانيرهم .
وأحسبهم مجانين لأنهم يظنون أن أيامي تباع بدنانيرهم .



الوحدة عاصفة هوجاء صمّاء تحطّم جميع الأغصان اليابسة في شجرة حياتنا ,
ولكنها تزيد جذورنا الحيِّة ثباتاً في القلب الحيّ للأرض الحيَّة.


ليس الشعّر رأياً تعبّر الألفاظ عنه
بل هو أنشودة تتصاعد من جرحٍ دامٍ
أو فم باسم .









ومع الشّعر والأدب الرّاقي
دمتم بآمان الله .






" صوت الإيمان "

صوت الايمان
16-03-2011, 21:23
(( اليقظة الأخيرة ))





في غلس الليل العميق ، قد هبّ النّسيم معطراً بأنفاس الفجر الأولى ، نهض السابق - وهو صدى الصوت الذي لم تسمع به أذنٌ بعد - فترك مقصورته وصعد إلى سطح بيته ، وبعد أن وقف هنالك طويلا ينظر إلى المدينة الهاجعة في سكينة الليل ، رفع رأسه ، وكأنما قد تجمع حواليه أرواح أولئك النائمين المستيقظة ، وفتح فاه وخاطبهم قائلا ً :
" يا إخوتي وجيراني ، و يا أيّها المارون ببالي في كل يوم ، إنّني أودّ أن أناجيكم في نومكم ، وفي وادي أحلامكم ، أود أن أمشي مطلقاً عارياً ، فإن ساعات يقظتكم أشدّ غفلة من نومكم ، وآذانكم المثقلة بالضجيج كليلة صماء .



لقد أحببتكم كثيراً وفوق الكثير
قد أحببت الواحد منكم كما لو كان كلكم ،
وأحببتكم جميعاً كما لو كنتم واحداً .
ففي ربيع قلبي كنت أترنّم في جنانكم ،
وفي صيف قلبي كنت أحرس بيادركم .



أجل ، قد أحببتكم جميعكم ، جباركم وصعلوككم ، أبرصكم وصحيحكم ، وأحببت من يتلمّس منكم سبيله في الظلام ، كمن يرقص أيامه على الجبال والآكام .

" أحببتك أيّها القوي ، مع أنّ آثار حوافرك الحديدية لا تزال ظاهرة في لحمي .
وأحببتك أيّها الضّعيف على رغم أنك جففت إيماني ، وعطلت عليّ صبري.
أحببتك أيّها الغني في حين أن عسلك كان علقماً في فمي
وأحببتك أيّها الفقير مع انّك عرفت عوزي وفراغ ذات يدي .
أحببتك أيّها الشّاعر المقلّد , الّذي يستعير قيثارة جاره ليضرب عليها بأصابعه
العمياء , أحببتك كرما ولطفا ,


وأحببتك أيّها العالم الدّائب عمره في أكفان الرّثّة من حقل الخزّاف الممقوت .
أحببتك أيّها الكاهن الجالس في سكون أمسه متسائلاً عن مصير غده
وأحببتك أيّها العابد الذّي يتخذ له من أشباح رغائبه آلهة يعبدها
وأحببتك أيّتها المرأة الساهرة لياليها مشفقا عليك
وأحببتك أيّها الثرثار قائلا في نفسي :
" إنّ للحياة كثيرا فتقول "
وأحببتك أيّها الأبكم قائلاً في سرّي :
حبّذا لو اسمع نطقا يعبّر عمّا في صمته "
أحببتك أيّها القاضي والنّاقد ولكنكما عندما رأيتماني مصلوباً قلتما :
ما ألطف نزف دمائه من عروقه وما أجمل التي ترسمها فس مسيلها على جلده النّاصع "


أجل أحببتكم جميعكم فتاكم وشيخكم ،
وأحببت قصبتكم المرتجفة كسنديانتكم الجبّارة الراسخة ،
ولكن وا أسفاه فإنّ قلبي الطافح بحبّكم قد حوّل قلوبكم عني ،
لأن في وسعكم أن ترتشفوا خمرة المحبة من القدح الصغير ولكنكم لا تقوون على شربها من النهر الفياض .


إنكم تستطيعون أن تسمعوا صوت المحبة عندما تهمس بآذانكم ، ولكنكم تصمون آذانكم عندما تصيح المحبة مهللة بأعلى صوتها .

وعندما رأيتم أنني قد أحببتكم جميعكم بالسويّة، تهكّمتم قائلين :
ما أسهل انقياد قلبه ، وما أبعد الفطنة عن مسالكه !
إن محبته هذه محبة متسول جائع ، قد تعوّد التقاط الفتات ، ولو كان جالساً إلى
موائد الملوك، بل هي محبة ضعيف حقير ، لأن القوي لا يحب إلاّ الأقوياء "


وعندما رأيتم أنني أحببتكم حبّا مفرطا قلتم :
" إنّ محبته هذه محبة أعمى لا يميز بين جمال الواحد وبشاعة الآخر , بل هي محبة عديم الذوق الّذي يشرب الخل وكأنّه يشرب الخمر
بل إنما محبّة فضوليّ مدّع , إذ أي غريب يستطيع أن يحبّنا كأبينا وأمنا وأختنا وأخينا ؟
وهذه أقوالكم وغيرها كثير , لأنكم طالما أشرتم إليّ بأصابعكم في شوارع المدينة وساحاتها
وقلتم بعضكم لبعض ساخرين :
" بربكم انظروا الصّغير الكبير الذي لا يعبأ بالفصول والسّنين , فهو عند الظهيرة يلاعب
أولادنا , وعند المساء يجالس شيوخنا , مدّعيا الحكمة والفهم "



أما أنا فقد كنت أقول في قلبي :
" لا بأس في ذلك ، فإني سأحبهم أكثر فأكثر ، ولكني سوف أسدل على محبتي ستاراً من البغض ، وأستر عطفي بشديد كرهي . وسأتبرقع ببرقع من حديد ، ولا أسعى وراءهم إلا مسلحاً مدرعاً " .

وبعد ذلك ألقيت يداً ثقيلة على رضوضكم وجراحكم ، وكما تعصف العاصفة في الليل رعدتُ في آذانكم ،
ومن على السطوح قد أذعتكم للملأ فرّيسيين مرائين خدّاعين وفقاقيع أرض كاذبة فارغة .
" لقد لعنت قاصري النظر فيكم كما تلعن الخفافيش العمياء ،
وشبّهت الملتصقين بالأرض والأدنياء منكم بالمناجذ ( جمع خلد ) العادمة النّفوس



" أما الفصحاء والبلغاء بينكم فدعوتهم متشعبي الألسنة ، ودعوت الصامت الساكن فيكم متحجر القلب والشفتين ، وقلت في البسيط الساذج :

" إنّ الأموات لا يملّون الموت "

قد حكمت على الساعين وراء المعرفة البشرية منكم ومن أبنائكم كمجدّفين على الروح القدس
" قد وحكمت أيضا على المأخوذين والمجذوبين بحبّ الأرواح وما وراء الطبيعة كمصطادي أشباح ، يرمون شباكهم في مياهٍ راكدة ، ولا يصطادون سوى ظلالهم البليدة .
" كذا شهّرتكم بشفتي ، ولكن قلبي ، والدماء تنزف منه ، كان يدعوكم بأرقّ الأسماء وأحلاها .


أجل أيها الأصحاب والجيران ، فإن المحبة قد خاطبتكم مسوقةً بسياط ذاتها ،
والكبرياء قد رقصت أمامكم متعفّرة بغبار خيبتها مذبوحة بآلامها ،
وتعطشي لمحبتكم قد ثار ثائره على السطوح ،
ولكن محبتي كانت تسألكم صفحاً وهي راكعة صامتة .



ولكن إليكم المعجزة يا قوم :
" إن تستّري قد فتح عيونكم ، وبغضي قد أيقظ قلوبكم .
والآن أنتم تحبونني !!



إنكم لاتحبون سوى السيوف التي تطعن قلوبكم والسهام التي تخرق صدوركم ،
لأنكم لاتتعزّون إلا بجراحكم ولا تسكرون إلا بخمرة دمائكم .
وكما يتجمّع الفراش حول اللهيب ، ساعياً وراء حتفه ، تجتمعون أنتم كل يوم في حديقتي ، وبوجوه مرتفعة ، وعيونٍ شاخصة ، تراقبونني وأنا أمزّق نسيج أيامكم ـ فتتهامسون فيما بينكم قائلين :
" إنه يبصر بنور الله ، ويتكلم كأنبياء المتقدمين فيحسر القناع عن نفوسنا ويحطم أقفال قلوبنا ، وكما يعرف النسر مسالك الثعالب يعرف هو أيضاً طرقنا ومسالكنا "



بلى فإنني في الحقيقة أعرف طرقكم , ولكن كما يعرف النسر طرق فراخه , وإنني بمسرّة قلب – قد كشفت لكم سري , ولكن لحاجة بي إلى قربكم أتظاهر بالجفاء , وخوفاً منّي على دنو قضاء محبتكم أقوم على حراسة سدود محبّتي .
وبعد أن فرغ السابق من كلامه غطّى وجهه بيديه وبكى بكاءً مرّاً ، لأنه أدرك في قلبه أنّ المحبة المحتقرة في عريّها ، لأعظم من المحبة التي تنشد الظفر في تسترها وتنكرها ، وخجل إذ ذاك من ذاته .



ثم رفع رأسه بغتةً ، وكأنّه أفاق من نومٍ عميق ، وبسط ذراعيه وقال :
" ها قد ولّى الليل ، ونحن أولاد الليل يجب أن نموت عندما يأتي الفجر متوكّئاً على التلال ، وستعبث من رمادنا محبة أقوى من محبتنا ، وستضحك في نور الشمس ، وستكون خالدة "









عن كتاب
" السّابق
للأديب
" جبران "









صدقت وصدقت وصدقت يا
" جبران "
دمتم بمحبّة .










" صوت الإيمان "

صوت الايمان
19-03-2011, 01:05
(( الشّاعر ))


أنا غريب عن هذا العالم.

أنا غريب وفي الغربة وحدة قاسية ووحشة موجعة غير أنها تجعلني أفكر أبداً بوطن سحري لا أعرفه، وتملأ أحلامي بأشباح أرض قصية ما رأتها عيني.

أنا غريب عن أهلي وخلاني، فإذا ما لقيت واحداً منهم أقول في ذاتي : من هذا، وكيف عرفته، وأي ناموس يجمعني بك، ولماذا أقترب منه أجالسه؟

أنا غريب عن نفسي، فإذا ما سمعت لساني متكلماً تستغرب أذني صوتي، وقد أرى ذاتي الخفية ضاحكة، باكية، مستبسلة، خائفة، فيعجب كياني بكياني، وتستفسر روحي روحي، ولكنني أبقى مجهولاً مستتراً، مكتنفاً بالضباب، محجوباً بالسكوت.

أنا غريب عن جسدي، وكلما وقفت أمام المرآة أرى في وجهي ما لا تشعر به نفسي، وأجد في عيني ما لا تكنه أعماقي.

أسير في شوارع المدينة فيتبعني الفتيان صارخين : هوذا الأعمى فلنعطه عكازة يتوكأ عليها. فأهرب منهم مسرعاً. ثم ألتقي سرباً من الصبايا فيتشبثن بأذيالي قائلات : هو أطرش كالصخر فلنملأ أذنيه بأنغام الصبابة والغزل. فأتركهن راكضاً. ثم ألتقي جماعة من الكهول فيقفون حولي قائلين : هو أخرس كالقبر فتعالوا نقوّم اعوجاج لسانه. فأغادرهم خائفاً. ثم ألتقي رهطاً من الشيوخ فيومئون نحوي بأصابع مرتعشة قائلين : هو مجنون أضاع صوابه في مسارح الجن والغيلان.

أنا غريب في هذا العالم.

أنا غريب وقد جبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أجد مسقط رأسي ولا لقيت من يسمع بي.

أستيقظ في الصباح فأجدني مسجوناً في كهف مظلم تتدلى الأفاعي من سقفه وتدب الحشرات في جنباته، ثم أخرج إلى النور فيتبعني خيال جسدي، أما خيالات نفسي فتسير أمامي إلى حيث لا أدري، باحثة عن أمور لا أفهمها، قابضة على أشياء لا حاجة لي بها، وعندما يجيء المساء أعود وأضطجع على فراشي المصنوع من ريش النعام وشوك القتاد فتراودني أفكار غريبة وتتناوبني ميول مزعجة مفرحة موجعة لذيذة، وعندما ينتصف الليل تدخل عليّ من شقوق الكهف أشباح الأزمنة الغابرة وأرواح الأمم المنسية فأحدق إليها وتحدق إلي، وأخاطبها مستفهماً فتجيبني مبتسمة ثم أحاول القبض عليها فتتوارى مضمحلة كالدخان.

أنا غريب في هذا العالم .

أنا غريب وليس في الوجود من يعرف كلمة من لغة نفسي.

أسير في البرية الخالية فأرى السواقي تتصاعد متراكضة من أعماق الوادي إلى قمة الجبل، وأرى الأشجار العارية تكتسي وتزهر وتثمر وتنثر أوراقها في دقيقة واحدة، ثم تهبط أغصانها إلى الحضيض وتتحول إلى حيّات رقطاء مرتعشة. وأرى الأطيار تنتقل متصاعدة، هابطة، مغردة، مولولة، ثم تقف وتفتح أجنحتها وتنقلب نساء عاريات، محلولات الشعر، ممدودات الأعناق، ينظرن إليّ من وراء أجفان مكحولة بالعشق ويبتسمن لي بشفاه وردية مغموسة بالعسل ويمددن نحوي أيدياً بيضاء ناعمة معطرة بالمر واللبان، ثم ينتفضن ويختفين عن ناظري ويضمحللن كالضباب تاركات في الفضاء صدى ضحكهن مني واستهزائهن بي.

أنا غريب في هذا العالم.

أنا شاعر أنظم ما تنثره الحياة وأنثر ما تنظمه، ولهذا أنا غريب وسأبقى غريباً حتى تخطفني المنايا وتحملني إلى وطني.








عن كتاب
" العواصف "
للأديب
" جبران "









" صوت الإيمان "

حالمه15
21-03-2011, 09:20
شكرا لطرحك شاعرتنا صوت الإيمان

أعجبتني هذه العبارة جدا

[ما أنبل القلب الحزين الّذي لا يمنعه حزنه عن أن ينشد أغنية


مع القلوب الفرحة !]

أكيد هناك كثير عبر ما نقلت لكن لا أدري إستوقفتني هذه العبارة التي ذكرت

iraqaliabab
24-03-2011, 21:03
رواعه كلش حلو
مع انتضر جديدك تقبلي مروري

صوت الايمان
16-04-2011, 17:56
شكرا لطرحك شاعرتنا صوت الإيمان

أعجبتني هذه العبارة جدا

[ما أنبل القلب الحزين الّذي لا يمنعه حزنه عن أن ينشد أغنية


مع القلوب الفرحة !]

أكيد هناك كثير عبر ما نقلت لكن لا أدري إستوقفتني هذه العبارة التي ذكرت

أهلاً ومرحباً

شاعرتنا المتألّقة
" حالمة "

العبارة بالفعل جميلة جدّاً
وأذكر أنّي وضعتُها على الإيميل
لشدّة إعجابي بها

:)

سعيدة بمروركِ وإعجابك
أوقات ممتعة ومفيدة أرجوها لكِ .







" صوت الإيمان "

صوت الايمان
16-04-2011, 18:05
رواعه كلش حلو
مع انتضر جديدك تقبلي مروري



الأخ الكريم
" iraqaliabab "


امتناني لمرورك وإعجابك أخي
تحيّاتي لك وكلّ الاحترام .






" صوت الإيمان "

صوت الايمان
16-04-2011, 18:46
(( بين الحقيقة والخيال ))





تحمِلنا الحياةُ من مكان الى مكان وتنتقل بنا الأقدار من محيط الى آخر ونحن لا نرى الا ما وقفَ عثرةً في سبيل سيرنا ولا نسمع سوى صوتٍ يخيفنا .

يتجلّى لنا الجمال على كرسي مجده فنقترب منه ، وباسم الشوق ندنّس أذياله ونخلع عنه تاج طهره . يمرّ بنا الحب مكتسباً ثوب الوداعة فنخافه ونختبىء في مغاور الظلمة أو نتبعه ونفعل باسمه الشرور والحكيم بيننا يحمله نيراً ثقيلاً وهو ألطف من أنفاس الأزهار وأ رقّ من نسيمات لبنان

تقف الحكمة في منعطفات الشّوارع وتنادينا على رؤوس الأشهاد فنحسبها بُطلا و نحتقر متبعيها . تدعونا الحريّة إلى مائدتها لنلتذ بخمرها وأطعمتها فنذهب ونشره فتصير تلك المائدة مسرحاً للابتذال ومجالا ًلاحتقار الذات ، تمد الطبيعة نحونا يد الولاء وتطلب منّا أن نتمتّع بجمالها فنخشى سكينتها ونلتجىء الى المدينة وهناك نتكاثر بعضنا على بعض كقطيع رأى ذئباً خاطفاً .

تزورنا الحقيقة منقادة بابتسامة طفل أو قبلة محبوبة فنوصد دونهأ ابواب عواطفنا ونغادرها كمجرم دنّسٍ . القلب البشري يستنجد بنا والنفس تنادي ونحن أشدُّ صمماً من الجماد لانعي ولا نفهم ، وإذا ما سمع أحدٌ صراخ قلبه ونداء نفسه ، قلنا هذا ذو جِنة وتبرأنا منه .

هكذا تمرّ الليالي ونحن غافلون وتصافحنا الأيّام ونحن خائفون من الليالي والأيّام ، نقترب من التراب والآلهة تنتمي إلينا ، ونمرّ على خبزِ الحياة والمجاعة تتغذّى من قوانا
فما أحبّ الحياة إلينا وما أبعدنا عن الحياة !






عن كتاب
" دمعة وابتسامة "
للأديب
" جبران "






" صوت الإيمان "

صوت الايمان
18-04-2011, 16:49
(( الكآبة الخرساء ))



أنتم أيّها الناس تذكرون فجر الشبيبة فرحين باسترجاع رسومه، متأسفين على انقضائه، أما أنا فأذكره مثلما يذكر الحرّ المعتق جدران سجنه وثقل قيوده. أنتم تدعون تلك السنين التي تجيء بين الطفولة والشباب عهداًً ذهبياً يهزأ بمتاعب الدهر وهواجسه ويطير مرفرفاً فوق رؤوس المشاعل والهموم مثلما تجتاز النّحلة فوق المستنقعات الخبيثة، سائرة نحو البساتين المزهرة، أما أنا فلا أستطيع أن أدعو سني الصبا سوى عهد آلام خفية خرساء كانت تقطن قلبي وتثور كالعواصف في جوانبه، وتتكاثر نامية بنموه ولم تجد منفذاً تنصرف منه إلى عالم المعرفة حتى دخل إليه الحبّ وفتح أبوابه وأنار زواياه، فالحبّ قد عتق لساني فتكلمت ومزّق أجفاني فبكيت وفتح حنجرتي فتنهّدت وشكوت .


أنتم أيّها النّاس تذكرون الحقول والبساتين والساحات وجوانب الشوارع التي رأت ألعابكم وسمعت همس طهركم، وأنا أيضاً أذكر تلك البقية الجميلة من شمال " لبنان "، فما أغمضت عينيّ عن هذا المحيط إلاّ ورأيت تلك الأودية المملوءة سحراً وهيبة، وتلك الجبال المتعالية بالمجد والعظمة نحو العلاء، ولا صممت أذني عن ضجة هذا الاجتماع إلا وسمعت خرير تلك السّواقي وحفيف تلك الغصون, ولكن هذه المحاسن التي أذكرها الآن وأشوق إليها شوق الرضيع إلى ذراعيّ أمه هي التي كانت تعذب روحي المسجونة في ظلمة الحداثة مثلما يتعذب البازي بين قضبان قفصه عندما يرى أسراب البزاة تسبح حرة في الخلاء الوسيع -وهي التي كانت تملأ صدري بأوجاع التأمل ومرارة التفكير، وتنسج بأصابع الحيرة والالتباس نقاباً من اليأس والقنوط حول قلبي ـ فلم أذهب إلى البرية إلا وعدت منها كئيباً جاهلاًً أسباب الكآبة. ولا نظرت مساء إلى الغيوم المتلوّنة بأشعة الشمس إلاّ وشعرت بانقباض متلف ينمو لجهلي معاني الانقباض، ولا سمعت تغريدة الشّحرور أو أغنية الغدير إلاّ وقفت حزيناً لجهلي موجبات الحزن.


يقولون إن الغباوة مهد الخلو والخلو مرقد الراحة ـ وقد يكون ذلك صحيحاً عند الذين يولدون أمواتاً ويعيشون كالأجساد الهامدة الباردة فوق التراب، ولكن إذا كانت الغباوة العمياء قاطنة في جوار العواطف المستيقظة تكون الغباوة أقصى من الهاوية وأمر من الموت. والصبيّ الحسّاس الذي يشعر كثيراً ويعرف قليلاً هو أتعس المخلوقات أمام وجه الشمس لأنّ نفسه تظل واقفة بين قوتين هائلتين متباينتين: قوة خفية تحلق به السحاب وتريه محاسن الكائنات من وراء ضباب الأحلام، وقوة ظاهرة تقيّده بالأرض وتغمر بصيرته بالغبار وتتركه ضائعاً خائفاً في ظلمة حالكة.


للكآبة آيادٍ حريريّة الملامس، قوية الأعصاب تقبض على القلوب وتؤلمها بالوحدة. فالوحدة حليفة الكآبة كما أنّها أليفة كل حركة روحية. ونفس الصبي المنتصبة أمام عوامل الوحدة وتأثيرات الكآبة شبيهة بالزنبقة البيضاء عند خروجها من الكمام ترتعش أمام النسيم، وتفتح قلبها لأشعة الفجر وتضم أوراقها بمرور خيالات المساء، فإن لم يكن للصبي من الملاهي ما يشغل فكرته، ومن الرفاق من يشاركه في الأميال، كانت الحياة أمامه كحبس ضيق لا يرى في جوانبه غير أنوال العناكب ولا يسمع من زواياه سوى دبيب الحشرات .


أما تلك الكآبة الّتي اتبعت أيام حداثتي فلم تكن ناتجة عن حاجتي إلى الملاهي لأنها كانت متوفرة لدي، ولا عن افتقاري إلى الرفاق لأنّني كنت أجدهم أينما ذهبت، بل هي من أعراض علّة طبيعيّة في النفس كانت تحبب إليّ الوحدة والانفراد وتميت في روحي الأميال إلى الملاهي والألعاب، وتخلع عن كتفيّ أجنحة الصبا وتجعلني أمام الوجود كحوض مياه بين الجبال يعكس بهدوئه المحزن رسوم الأشباح وألوان الغيوم وخطوط الأغصان ولكنه لا يجد ممراً يسير فيه جدولاً مترنّماً إلى البحر .


هكذا كانت حياتي قبل أن أبلغ الثامنة عشرة، فتلك السّنة هي من ماضيّ بمقام القمة من الجبل، لأنّها أوقفتني متأملاًً تجاه هذا العالم، وأرتني سبل البشر، ومروج أميالهم، وعقبات متاعبهم وكهوف شرائعهم وتقاليدهم .


في تلك السنة ولدت ثانية والمرء إن لم تحبل به الكآبة ويتمحّض به اليأس، وتضعه المحبّة في مهد الأحلام، تظل حياته كصفحة خالية بيضاء في كتاب الكيان. في تلك السنة شاهدت ملائكة السماء تنظر إليّ من وراء أجفان امرأة جميلة، وفيها رأيت أبالسة الجحيم يضجون ويتراكضون في صدر رجل مجرم، ومن لا يشاهد الملائكة والشياطين في محاسن الحياة ومكروهاتها يظل قلبه بعيداً عن المعرفة ونفسه فارغة من العواطف.






عن رواية
" الأجنحة المتكسّرة "
للأديب
" جبران خليل جبران "









" صوت الإيمان "

صوت الايمان
19-04-2011, 17:05
( النّهاوند )


يمثل تفريق المحبّين ووداع الوطن ويصف آخر نظرة من راحل عزيز يمثّل شكوى آلام مبرّحة بين ضلوع قوامها لظى الشوق .
النهاوند صوت من أعماق النّفس الحزينة ,نغم متجسم من مهجور يسأل عطفاً على رمقه قبل أن يضنيه البعاد , زفرات يائس أنشأتها المرارة وتنهدات قانط بثّتها لوعة من أتلفه الصبر والتجلّد , النهاوند يمثل الخريف وتساقط أوراق الأشجار المصفرة بسكينة وهدوء , وتلاعب الريح وتفريق شملها , النّهاوند صلاة والدة نأى ابنها إلى أرض بعيدة فباتت بعده تغالب النّوى فيهاجمها بعوامل اليأس وتصدّه بفواعل الصّبر والأمل , وفي النّهاوند معنى بل معانٍ وأسرار يفهمها القلب وتفقهها النّفس , أسرار يحاول بثّها اللسان وكشفها القلم فيجفّ هذا وتنقطع أوصال ذاك .


( الأصفهان )


وأصغيت ( للأصفهان ) فشاهدت بعين سمعي ,
آخر فصل من حكاية عاشق دنف , مات حبيبه وتقطعت عرى آماله
وتواصلت زفراته فهو ينوح بآخر ما في جسده من الحياة ويرثى
ببقايا ما في حياته من الرمق
الاصفهان آخر نفس من منازع واقف, في مركب الموت , بين شاطئ
الحياة وبحر الأبديّة
الأصفهان رثاء الذات بغصّات متقطعة متواصلة وتنهّدات عميقة , نغمة
صداها سكينة تمازجها مرارة الموت والأسى وحلاوة الدّمع الوفاء
وإن كان النّهاوند حنين يحيا ببعض الأمل , فالأصفهان أنين من انفصمت
عراه.



( الصّبا )


نسمع الصّبا فتستفيق منا قلوب حجبتها لحف الغم وتستيقظ وترقص بين الضلوع . فالصبا نغمة فرح تنسي المرء أتراحه
فيطلب الراح ويشربها بلذة غريبة ويستزيد منها كأنّه يعلم أنّ خمرة المسرّة تسابقها فتحكم بالعاقلة . الصّبا حديث محب
مغتبط صارع الدهر وأرغم أنف البين وأسعدته الليالي بخلوة فحظي بلقاء محبوبة جميلة في حقل بعيد , فأولاه اللقاء فرحاً
وابتهاجاً . الصّبا كنُسيمات الصّبا تمرّ فهتزّ لها أزاهير الحقل تيهاً وابتهاجاً .



( الرّصد )


و(للرَّصْد) في سكينة اللَّيل، وقعٌ في المشاعر يحاكي تأثير كلمات رسالةٍ جاءت من عزيزٍ غالٍ، انقطعت أخباره في بلادٍ بعيدة، فجاء الكتاب يحيي عاطفة الأمل ويعدُ النَّفس باللقاء. وكأنّي بمغني الرَّصْد يخبِّر بقرب الفجر واندحار الظّلام، وقد قيل: "إن جَهُزَ ليلُكَ فارصُدْ " .
وفي العتابا البعلبكية عتاب رقيقٌ يراوح بين اللَّوم والتّعنيف، ولحنها مزيجٌ من النّهاوند المؤثِّر والصّبا المُفْرِح وفعلها في النَّفس فعلهما.








عن كتاب
" الموسيقى "
للأديب
" جبران خليل جبران "









" صوت الإيمان "

صوت الايمان
21-04-2011, 15:14
(( الكمال ))



تسألني يا أخي متى يصير الإنسان كاملاً
فاسمع جوابي :
يسير الإنسان نحو الكمال عندما يشعر بأنّه هو الفضاء ولا حدّ له ,وهو هو البحر بدون شاطئ , وأنّه النّار المتأجّجة دائماً , والنّور السّاطع أبداً , والرّياح إذا هبّت أو إذا سكنت , والسّحب إذا برقت وأرعدت وأمطرت ,
والجداول إذا ترنّمت أو ناحت , والأشجار إذا أزهرت في الربيع أو تجرّدت في الخريف , والجبال إذا تعالت , والأودية إذا انخفضت , والحقول إذا أخصبت أو أجدبت .

إذا شعر الإنسان بكلّ هذه الأمور بلغ منتصف طريق الكمال أمّا إذا شاء بلوغ محجّة الكمال فعليه إن شعر بكيانه أن يشعر بأنّه الطفل المتّكل على أمّه , والشّيخ المسؤول عن عياله , والشّاب الضائع بين أمانيه وغرامه , والكهل الّذي يصارع ماضيه ومستقبله , والعابد في صومعته , والمجرم في سجنه , والعالم بين كتبه وأوراقه , والجاهل بين ظلمه ليله وظلمه نهاره , والرّاهبة بين أزهار إيمانها وأشواك وحشتها , والمومس بين أنياب ضعفها ومخالب حاجتها ,
والفقير بين مرارته وامتثاله , والغني بين مطامعه وإذعانه , والشّاعر بين ضباب آماسه وشعاع أسحاره .

إذا استطاع الإنسان أن يختبر ويعلم جميع هذه الأمور يصل إلى الكمال ويصير ظلاً من ظلال الله .





عن كتاب
" البدائع والطّرائف "
للأديب
" جبران خليل جبران "







" صوت الإيمان "

صوت الايمان
23-04-2011, 16:23
(( الحروف النارية ))

(( احفروا على لوح قبري , هنا رفات من كتب اسمه بماء ))
" جان كيتس "



أهكذا تمرُّ بنا الليالي ؟! أهكذا تندثر تحت أقدام الدهر ؟ أهكذا تطوينا الأجيال,ولا تحفظ لنا سوى اسمٍ تخطه على صحفها بماءٍ بدلاً من المداد ؟
أينطفئ هذا النور , وتزول المحبة , وتضمحل الأماني ؟؟
أيهدم الموت كلَّ ما نبنيه.ويذري الهواء كل ما نقوله ,ويخفي الظل كل ما نفعله؟
أهذه هي الحياة ؟ هل هي ماضٍ قد زال واختفت آثاره, وحاضرٌ يركض لا حقاً بالماضي, ومستقبل لا معنى له إلا إذا ما مرَّ وصار حاضراً أو ماضياً ؟
أتزول جميع مسرات قلوبنا وأحزان أنفسنا دون أن نعلم نتائجها ؟؟
أهكذا يكون الإنسان مثل زبد البحريطفو دقيقة على وجه الماء ثم تمرُّ نسيمات الهواء فتطفئه ويصبح كأنّه لم يكنْ ؟


لا لعمري , فحقيقة الحياة حياة .حياة لم يكن ابتداؤها في الرحم ولن يكون منتهاها في اللحد.. وما هذه السنوات إلا لحظة من حياة أزلية أبدية .
هذا العمر الدنيوي مع كلِّ ما فيه هو حلمٌ بجانب اليقظة التي ندعوها الموت المخيف , حلم ولكن كل ما رأيناه وفعلناه فيه يبقى ببقاء الله .


فالأثير يحمل كلَّ ابتسامه وكلَّ تنهيدة تصعد من قلوبنا , ويحفظ صدى كلِّ قبلة مصدرها المحبَّة . والملائكة تحصي كلَّ دمعة يقطرها الحزن من مآقينا ,وتعيد على مسمع الأرواح السابحة في فضاء اللانهاية كل أنشودة ابتدعها الفرح على شواعرنا .
هناك في العالم الآتي سنرى جميع تموجات شواعرنا واهتزازات قلوبنا , وهناك ندرك كُنْهَ ألوهيتنا التي نحتقرها الآن مدفوعين بعوامل القنوط.


الضلال الذي ندعوه اليوم ضعفاً سيظهر في الغد كحلقة كيانها واجب لتكمله لسلة حياة ابن آدم.
الأتعاب التي لا نكافأ عليها الآن ستحيا معنا وتذيع مجْدنا .
الأرزاء التي نحتملها ستكون إكليلاً لفخرنا.
هذا ولو عَلِمَ " كيتس " ذلك البلبل الصدّاح أن أناشيده لم تزل تبثُّ روح محبة الجمال في قلوب البشر لقال :
( احفروا على لوح قبري : هنا بقايا مَنْ كتب اسمه في أديم السماء بأحرفٍ من نار )






عن كتاب
" دمعة وابتسامة "
للأديب
" جبران خليل جبران "







" صوت الإيمان "

ظميان غدير
26-04-2011, 20:32
اهلا بالاديبة صوت الايمان

كم استمتعت بقراءة هذه النثريات الجميلةوالدرر الغنية بالادب والفكر

تحيتي لك ولنقولاتك الجبرانية الجميلة

الحقيقة وبس
12-05-2011, 23:29
سيدة الحرف والإبداع وأميرته
صوت الإيمـان
لقد أفتقدناكِ لشخصكِ الكريم
أفتقدنا الموسيقى الجبرانية
ودمعة وأبتسامة
والأجنحة المتكسرة
والبدائع والطرائف
و.........و................و
أفتقدنا مشاكساتكِ وأدبكِ وخواطركِ.....

مع خالص تحياتي

صوت الايمان
02-06-2011, 13:45
اهلا بالاديبة صوت الايمان

كم استمتعت بقراءة هذه النثريات الجميلةوالدرر الغنية بالادب والفكر

تحيتي لك ولنقولاتك الجبرانية الجميلة

وأهلاً ومرحباً بالشاعر المبدع
" ظمآن غدير "

جميل أن راقت لك هذه النثريّات
وسعيدة أن شرّفتني بحضورك


شكراً لكلماتك العطرة , وحضورك المحبّب
ودّي وتقديري .





" صوت الإيمان "

صوت الايمان
02-06-2011, 13:57
سيدة الحرف والإبداع وأميرته
صوت الإيمـان
لقد أفتقدناكِ لشخصكِ الكريم
أفتقدنا الموسيقى الجبرانية
ودمعة وأبتسامة
والأجنحة المتكسرة
والبدائع والطرائف
و.........و................و
أفتقدنا مشاكساتكِ وأدبكِ وخواطركِ.....

مع خالص تحياتي


الأديب العذب
"الحقيقة وبس "


أهلاً ومرحياً بك
" كيفك يا إستازنا "؟؟

شكراً لسؤالك الطّيب
وأنا كذلك صدقاُ
افتقدتُ واشتقتُ للجميع هنا .

سأتابع - بإذن الله - قدر المستطاع
هذه "الجبرانيّات " الرّائعة
وأمّا عن المشاكسات
فكان الله في عون من وقع في شباكي
:)

لك كلّ الود يا أستاذنا
وفيض من التّقدير .








" صوت الإيمان "

الحقيقة وبس
03-06-2011, 16:31
بتاريخ 12-05-2011 أفتقدنا الاديبة صوت الايمان
وبتاريخ 02-06-2011 سجلت أديبتنا ما طمأنننا عليها
عودة حميدة إستازتنا :)
ونأمل إطمئناننا عليكِ على الدوام
وطبعاً هذا الاطمئنان لن يكون الا بتواجدك
وبأدبكِ الذي نفتقد كلماته وخواطره
الاستاذة صوت الايمان
حمداً لله على عودتك

مع خالص تحياتي

صوت الايمان
04-06-2011, 19:25
بتاريخ 12-05-2011 أفتقدنا الاديبة صوت الايمان
وبتاريخ 02-06-2011 سجلت أديبتنا ما طمأنننا عليها
عودة حميدة إستازتنا :)
ونأمل إطمئناننا عليكِ على الدوام
وطبعاً هذا الاطمئنان لن يكون الا بتواجدك
وبأدبكِ الذي نفتقد كلماته وخواطره
الاستاذة صوت الايمان
حمداً لله على عودتك

مع خالص تحياتي

حيّاك الله وبيّاك أديبنا الرّاقي العذب
" الحقيقة وبس "

سلّمك الله من كلّ سوء ومكروه
شكراً لاهتمامك وحرصك الذي
يعني لنا الكثير

سأتواجد - إن شاء الله - كلّما سمحت لي
الظروف ,,, وأسأل الله أن يوفّقني وإيّاكم
لكتابة كلّ ما يروق لكم .

لك بالغ ودّي وتقديري
إستازنا الكبير :)
" الحقيقة وبس "
الكبير قدراً طبعاً
:)



صوت الإيمان "

صوت الايمان
05-06-2011, 15:26
(( الصداقة ))


قال له شاب: هات حدثنا عن الصداقة.
فأجاب وقال:
إن صديقك هو كفاية حاجاتك.
هو حقلك الذي تزرعه بالمحبة وتحصده بالشكر.
هو مائدتك وموقدك.
لأنك تأتي إليه جائعاً، وتسعى وراءه مستدفئاً.


فإذا أوضح لك صديقك فكره فلا تخش أن تصرّح بما في فكرك من النّفي أو أن تحتفظ بما في ذهنك من الإيجاب.
لأن الجبل يبدو للمتسلق له أكثر وضوحاً وكبراً من السهل البعيد.
وإذا صمت صديقك ولم يتكلم فلا ينقطع قلبك عن الإصغاء إلى صوت قلبه.
لأنّ الصداقة لا تحتاج إلى الألفاظ والعبارات في إنماء جميع الأفكار والرغبات والتمنيات التي يشترك الأصدقاء بفرح عظيم في قطف ثمارها اليانعات.
وإذا فارقت صديقك فلا تحزن على فراقه.
لأن ما تتعشقه فيه، أكثر من كل شيء سواه ، ربما يكون في حين غيابه أوضح في عيني محبتك منه في حين حضوره.
ولا يكن لكم في الصداقة من غاية ترجونها غير أن تزيدوا في عمق نفوسكم
لأنّ المحبة التي لا رجاء لها، سوى كشف الغطاء عن أسرارها ليست محبة، بل هي شبكة تلقى في بحر الحياة ولا تمسك إلاّ غير النافع.


وليكن أفضل ما عندك لصديقك
فإن كان يجدر به أن يعرف جزر حياتك، فالأجدر بك أيضاً أن تظهر له مدها..
لأنه ماذا ترتجي من الصديق الذي تسعى إليه لتقضي معه ساعاتك المعدودة في هذا الوجود؟
فاسعَ بالأحرى إلى الصديق الذي يحيي أيامك ولياليك.
لأنّ له وحده قد أعطي أن يكمل حاجاتك، لا لفراغك ويبوستك. وليكن ملاك الأفراح واللذات المتبادلة مرفوعاً فوق حلاوة الصداقة.
لأنّ القلب يجد صباحه في الندى العالق بالصغيرات، فينتعش ويستعيد قوته.




عن كتاب
" النّبيّ "
للأديب
" جبران خليل جبران "








" صوت الإيمان"

صوت الايمان
06-06-2011, 13:59
(( الألم ))



ثمّ نهضت من بين الجمع امرأة وقالت له :
هات حدّثنا عن الألم
فأجاب وقال :

إنّ ماتشعرون به من الألم هو انكسار القشرة التي تغلف إدراككم.
وكما أنّ القشرة الصّلدة التي تحجب الثمرة يجب أن تتحطّم حتى يبرز قلبها من ظلمة الأرض إلى نور الشمس , هكذا أ نتم أيضاً يجب أن تحطّم الآلام قشوركم قبل أن تعرفوا معنى الحياة .
لأنكم لو استطعتم أن تعيروا عجائب حياتكم اليومية حقَها من التأمل والدهشة , لما كنتم ترون آلامكم أقل غرابة من أفراحكم , بل كنتم تقبلون فصول قلوبكم كما قد قبلتم في غابر حياتكم الفصول التي مرت في حقولكم.
وكنتم ترقبون و تتأملون بهدوء وسكون شتاء أحزانكم و آلامكم .


أنتم مخيرون في الكثير من آلامكم
وهذا الكثير من آلامكم هو الجرعة الشّديدة المرارة التي بواسطتها يشفي الطبيب الحكيم الساهر في أعماقكم أسقام نفوسكم المريضة .
لذلك آمنوا بطبيب نفوسكم , وثقوا بما يصفه لكم من الدواء الشافي , وتناولوا جرعته المرة بسكينة وطمأنينة .
لأنّ يمينه , وإن بدت لكم ثقيلة قاسية , فهي مقودة بيمين غير المنظور اللطيفة , والكأس التي يقدمها إليكم , وإن أحرقت شفاهكم , فهي مصنوعة من الطين الذي جبلته يدا الفخاري الأزلي بدموعه المقدّسة .




عن كتاب
" النّبيّ "
للأديب
" جبران خليل جبران "









" صوت الإيمان "

صوت الايمان
10-06-2011, 22:57
(( رؤيا ))


هناك في وسط الحقل على ضفّة جدول بلوري رأيت قفصاً حبكت ضلوعه يد ماهرة
وفي احدى زوايا القفص عصفور ميت وفي زاوية أخرى جرن جفّ ماؤه وجرن نفدت بذوره.
فوقفت وقد امتلكتني السكينة وأصغيت صاغراً كأن في الطائر الميت وصوت الجدول عظة تستنطق الضمير وتستفسر القلب.وتأمّلت فعلمت أن ذلك العصفور الحقير قد صارع الموت عطشاً وهو بجانب مجاري المياه ,وغالبه جوعاً وهو في وسط الحقول التي هي مهد الحياة كغني أقفلت عليه أبواب خزائنه فمات جوعاً بين الذهب.


وبعد هنيّهة رأيت القفص قد انقلب فجأة وصار هيكل إنسان شفّافاً ,وتحوّل الطائر الميت إلى قلب بشري فيه جرح عميق يقطر دماً قرمزيّاً وقد حاكت جوانب الجرح شفتي امرأة حزينة.


ثمّ سمعت صوتاً خارجاً من الجرح مع قطرات الدماء قائلاً:أنا هو القلب البشري أسير المادة وقتيل شرائع الانسان الترابي . في وسط حقل الجمال,على ضفّة ينابيع الحياة,أسرت في قفص الشرائع التي سنّها الانسان للشواعر.على مهد محاسن المخلوقات بين أيدي المحبة متُّ مهملاً ,لأنّ ثمار تلك المحاسن ونتاج هذه المحبة قد حُرّما عليّ .
كلّ مايشوقني صار بعرف الانسان عاراً ,وجميع ماأشتهيه أصبح في قضائه مذلّة.


أنا القلب البشري قد حّبست في ظلمة سنن الجامعة فضعفت,وقيدت بسلاسل الأوهام فاحتضرت ,وأهملت في زوايا في المدينة فقضيت ولسان الانسانية منعقد وعيونها ناشفة وهي تبتسم.


سمعت هذه الكلمات ورأيتها خارجة مع قطرات الدم من ذلك القلب الجريح , وبعد ذلك لم أعد أرى شئياً ولم أسمع صوتاً فرجعت الى حقيقتي.







عن كتاب
" دمعة وابتسامة "
للأديب
" جبران خليل جبران "







" صوت الإيمان "

صوت الايمان
13-06-2011, 00:41
(( المخدّرات والمباضع ))


هو متطرّف بمبادئه حتّى الجنون
هو خيالي يكتب ليفسد أخلاق الناشئة
لو اتّبع الرجال والنساء المتزوجون وغير المتزوّجين آراء " جبران " في الزواج لتقوّضت أركان العائلة وانهدمت مباني الجامعة البشرية وأصبح هذا العالم جحيما وسكّانه شياطين.
قهراً عمّا في أسلوبه الكتابي من الجمال فهو من أعداء الإنسانية.
هو فوضوي كافر ملحد ونحن ننصح لسكان هذا الجبل المبارك بأن ينبذوا تعاليمه ويحرقوا مؤلفاته لئلا يعلق منها شئ على نفوسهم.
قد قرأنا له "" الأجنحة المتكسرة "" فوجدناها السم في الدسم .


هذا بعض ما يقوله الناس عني وهم مصيبون ، فأنا متطرّف حتى الجنون، أميل إلى الهدم ميلي إلى البناء , في قلبي كره لما يقدّسه الناس وحب لما يأبونه ، ولو كان بإمكاني استئصال عوائد البشر وعقائدهم وتقاليدهم لما ترددت دقيقة .
أمّا قول بعضهم إن ّ كتابي سم في دسم فكلام يبيّن الحقيقة من وراء نقاب كثيف _فالحقيقة العارية هي أنّني لا امزج السم بالدسم بل اسكبه صرفا ....غير أنّني اسكبه في كئوس نظيفة شفافة.


أمّا الذين يعتذرون عني أمام أنفسهم قائلين :
هو خيالي يسبح مرفرفا بين الغيوم ،فهم الذين يحدّقون إلى لمعان تلك الكئوس الشفّافة منصرفين عمّا في داخلها من الشراب الذي يدعونه سمّاً لأن معدهم الضعيفة لا تهضمه.
قد تدل هذه التوطئة على الوقاحة الخشنة ولكن أليست الوقاحة بخشونتها أفضل من الخيانة بنعومتها ؟
إنّ الوقاحة تظهر نفسها بنفسها أمّا الخيانة فترتدي ملابس فصّلت لغيرها .





عن كتاب
" العواصف "
للأديب
" جبران "




" إرضاء النّاس غاية لا تدرك " يا عم
" جبران "
:)







" صوت الإيمان "

صوت الايمان
18-06-2011, 17:46
(( أغنية الحبّ ))


نظم شاعرٌ أغنية حبّ وكانت رائعة. وكتب عدَّة نسخٍ عنها وأرسلها إلى أصدقائه ومعارفه من الرّجال والنّساء على السّواء، ولم ينسَ أن يرسلها حتى إلى امْرأة شابّة لم يسبق له أن شاهدها سوى مرةٍ واحدة. وكانت هذه تقيم وراء الجبال.

وجاء رسولٌ من قِبَل تلك الشابّة بعد يوم أو يومين، يحمل رسالة تقول له فيها: "دعني أؤكِّد لك أنني تأثَّرتُ تأثُّراً عميقاً بأغنية الحبِّ التي نظمتَها لي. تعالَ الآن وقابلْ والدي ووالدتي، وسنتَّخذ التَّدابير التي تقتضيها الخِطْبَة".

وكتب الشّاعر جواب الرّسالة، وقال لها فيه:
"لم تكن ياصديقتي سوى أغنية حُبٍّ صدَرَتْ عن قلب شاعرٍ، يغنّيها كل رجلٍ لكلِّ امرأةٍ".

وكتبتْ إليه ثانية تقول:
"أيها الكاذبُ الخبيثُ في كلماتك ! سأقيم منذ اليوم إلى ساعة أجَلي، على كراهية الشّعراء جميعِهم بسببك".


:)





عن كتاب
" التّائه "
للأديب
" جبران خليل جبران " .





أغضبتها هكذا يا شاعرنا !
تحمّل إذاً ما سيأتيك منها

:)






" صوت الإيمان "

صوت الايمان
21-06-2011, 17:21
(( جسد وروح ))




جلس رجلٌ وامرأةٌ بجانب شبّاك يطلُّ على الربيع، وكانت جلستُهما تجعلُهما جدَّ متقاربَين. فقالت المرأة: "أنا أحبُّك. أنتَ جميلٌ، وغنيٌّ وأنتَ أبداً ودائماً على جانبٍ كبير من الجاذبية".

وقال الرجلُ: "وأنا أحبّكِ، أنتِ فكرةٌ جميلةٌ. بل أنتِ شيءٌ تسامى عن أن تنالَه يدٌ، أنتِ أغنيةٌ في حلمي!".

غير أن المرأة أدارتْ وجهها عنه وانفتلتْ غاضبةً وقالتْ: " أرجوكَ أيها السيّد أن تفارقني منذ اللحظة، فأنا لستُ فكرةً، ولا شيئ يطوفُ بكَ في أحلامكَ. أنا امرأةٌ وأودُّ أن تشتاق إليّ، أن تشتهيني. أنا زوجةٌ وأمٌّ لأطفالٍ لم يولدوا بعد".

وافترقا ...

وقال الرّجل في سرِّه:

"هاهوذا حُلْمٌ آخرُ تبدَّل منذ الآن، وتحوَّل إلى ضباب".

وقالت المرأةُ، وهي تتأمَّل وحيدة:

"مالي ولرجلٍ يحوِّلني إلى ضباب وحُلْم".





عن كتاب
" التّائه "
للأديب
" جبران خليل جبران "






" صوت الإيمان "

صوت الايمان
21-06-2011, 17:46
(( في السّوق ))


جاءتْ مرةً فتاةٌ من الرّيف إلى السُّوق، وكانت آيةً من الملاحة والظُّرْف. يتوزَّع محيّاها الوردُ والزَّنبق. وشعرُها بلون الغروب، والفجرُ يبتسمُ على شفتَيها.

ولم تكدْ هذه المخلوقةُ السَّاحرةُ الغريبةُ تظهر حتى أحْدَق بها الشّبَّان يَنْشِدون التّعرُّف إليها والتَّقرُّب منها. هذا يودُّ أن يراقِصَها، وذاكَ يريد أن يقسمَ الكَعْك على شرفها، وكلُّهم يبتغون تقبيل خدَّها. ألم يكن ذلك سُوقاً بعد كلِّ حساب.

غير أن الفتاة أحسَّت بصدْمةٍ وأصابها ذعْرٌ وامتعاض. وحسِبَت السُّوء في سلوك الشّبَّان، فزجرتْهُم. وبلغ بها الغيظُ أن صفعَتْ واحداً أو اثنَينِ منهم على وجْهِه، ثم انْصَرفَتْ في سبيلها لا تلوي على أحد.

وفيما هي تتَّجه عند المساء نحو بيتها الرّيفي، قالتْ في سِرِّها: "إني لأشعرُ باشْمِئزاز. ما أقلَّ أدبَ أولئك الرّجال، وأحَطَّ أخلاقهم!. هذا شيءٌ لا يُطاق. ولا يمكنُ الصَّبْرُ عليه.

وانْقضى عامٌ كانت الفتاة الجميلة تفكِّر خلاله كثيراً بالأسْواق والرّجال. ثم قدِمَتْ مرَّةً ثانية إلى السُّوق ومُحيَّاها ورْدٌ وزنْبَقٌ. وشَعْرُها بلون الغروب والفَجْرُ على شفتَيْها يبتَسم.

إلا أن الشّبَّان كانوا ينظرون إليها ويميلون عنها، وقضتْ نهارها ذاك وهي وحيدةٌ، مُبْعَدَةٌ لا يقترب منها أحد. ولدى العشيَّة، عادت إلى منزلها، وهي تصيحُ في سِرِّها: "ما أقلَّ أدبَ أولئك الشّبَّان! إني لأشعرُ باشْمِئزازٍ لا يُطاق ولا يمكنُ الصَّبْرُ عليه.





عن كتاب
" التّائه "
للأديب
" جبران "




لا شيء يرضيكِ يا حوّاء !!

:)






" صوت الإيمان "

صوت الايمان
26-06-2011, 23:10
مقاطع وجمل أدبيّة
من قصّة
" وردة الهاني "






" ما أتعس الرجل الذي يحبّ صبيّة بين الصبايا و يتخذها رفيقة لحياته ، ويُهرق على قدميها عرق جبينه و دم قلبه ، ويضع بين كفيها ثمار أتعابه و غلة اجتهاده ، ثم ينتبه فجأة فيجد قلبها الذي حاول ابتياعه بمجاهدة الأيام وسهر الليالي قد أعطي مجاناً لرجل آخر ليتمتع بمكنوناته و يسعد بسرائر محبتّه " .


:::::::::::::::::::::::




" إذا فقد المرء صديقاً عزيزاً والتفت حوله يجد الأصدقاء الكثيرين فيتصبّر ويتعزّى ، وإذا خسر الإنسان مالا وفكّر قليلا رأى النشاط الذي أتى بالمال سيأتي بمثله فينسى ويسلو . ولكن إذا أضاع الرجل راحة قلبه فأين يجدها وبم َ يستعيض عنها ؟

يمدّ الموت يده ويصفعك بشدة فتتوجّع ولكن لا يمر يوم وليلة حتى تشعر بملامس أصابع الحياة فتبتسم وتفرح. يجيئك الدهر على حين غفلة ويحدق بك بأعين مستديرة مخيفة ويقبض على عنقك بأضافر محددة ويطرحك بقساوة على التراب ويدوسك بأقدامه الحديدية و يذهب ضاحكا ثم لا يلبث أن يعود إليك نادما مستغفرا فينتشلك بأكفه الحريرية و يغني لك نشيد الأمل فينزل بك مصائب كثيرة ومتاعب أليمة تأتيك مع خيالات الليل تضمحل أمامك بمجيئ الصباح وأنت شاعر بعزيمتك متمسك بآمالك.

ولكن إذا كان نصيبك من الوجود طائر تحبه وتطعمه حّبات قلبك وتسقيه نور أحداقك وتجعل ضلوعك له قفصا ومهجتك عشا . وبينما أنت تنظر إلى طائرك وتغمر ريشه بشعاع نفسك إذ به قد فر من بين يدك وطار حتى حلق السحاب ثم هبط نحو قفص آخر وما من سبيل الى رجوعه فماذا تفعل إذ ذاك أيها الرجل ، قل لي ماذا تفعل وأين تجد الصبر والسلوان وكيف تحيي الآمال والأماني ؟ " .


::::::::::::::::::::::




" لا تجعل لمصيبتي صوتاً صارخاً بل دعها مصيبة خرساء لعلها تنمو بالسكينة فتميتني وتريحني "




::::::::::::::::::::::::




" هؤلاء البشر الذين يجيئون من الأبدية ويعودون إليها قبل أن يذوقوا طعم الحياة الحقيقية لا يمكنهم أن يدركو ا كنه أوجاع المراة عندما تقف نفسها بين رجل تحبه بإرادة السماء ، ورجل تلتصق به بشريعة الأرض. هي مأساة أليمة بدماء الأنثى ودموعها يقرأها الرجل ضاحكاً لأنه لا يفهمها وإن فهمها انقلب ضحكه فجوراً وقساوة وأنزل على رأس المرأة من غضبه نارا وكبريتاً وملأ أذنيها لعنة وتجديفاً . "











عن رواية
" الأرواح المتمرّدة "
للأديب
" جبران خليل جبران "











" صوت الإيمان "

صوت الايمان
30-06-2011, 00:55
(( الشّاعر ))


حلقة تصل بين هذا العالم و العالم الآتي , منهل عذب تستقي منه النفوس العطشى . شجرة مغروسة على ضفة نهر الجمال ذات ثمار يانعة تطلبها القلوب الجائعة ..
بلبل يتنقّل على أغصان الكلام وينشد أنغاماً تملأ خلايا الجوارح لطفاً ورقّة . غيمة بيضاء تظهر فوق خط الشّفق ثمّ تتعاظم وتتصاعد حتّى تملأ وجه السّماء وتنسكب لتروي أزهار حقل الحياة .
ملك بعثته الآلهة ليعلم الناس الالهيات , نور ساطع لا تغلبه ظلمة ولا يخفيه مكيال , ملأته زيتا " عشتروت " آلهة الحب وأشعله " أبولون " إله الموسيقا ..‏

وحيد يرتدي البساطة ويتغذى اللطف ويجلس على أحضان الطبيعة ليتعلّم الابتداع ويسهر في سكينة الليل منتظراً هبوط الروح زرّاع يبذر حّبات قلبه في رياض الشواغر فينبت زرعاً خصيباً تستغله الانسانية وتتغذّى به .

هذا هو الشاعر الذي تجهله الناس في حياته وتعرفه عندما يودّع هذا العالم ويعود الى موطنه العلوي .. هذا الذي لا يطلب من البشر إلاّ ابتسامة صغيرة والذي تتصاعد أنفاسه وتملأ الفضاء أشباحاً حيّة جميلة والناس تبخل بالخبز‏ والمأوى ..


وأنتم أيّها الشعراء , ياحياة هذه الحياة , قد تغلبتم على الأجيال قسراً عن قساوة الأجيال.. وفزتم بأكاليل الغار غصباً عن أشواك الغرور , وملكتم في القلوب وليس لملككم نهاية وانقضاء , يا أيّها الشعراء .






عن كتاب
" دمعة وابتسامة "
للأديب
" جبران خليل جبران "





مع التّحيّات العطرة لكلّ الشّعراء
والشّاعرات .








" صوت الإيمان "

صوت الايمان
01-07-2011, 00:35
(( أيّها الليل ))

يا ليلَ العشاق والشعراء والمنشدين.

يا ليل الأشباح والأرواح والأخيلة.

يا ليل الشوق والصبابة والتذكار.

أيها الجبار الواقف بين أقزامِ غيومِ المغرب وعرائس الفجر,

المتقلِّدُ سيفَ الرهبة,

المتّشحُ بثوبِ السكوت,

الناظرُ بألفِ عينٍ إلى أعماق الحياة,

المُصغي بألفِ أُذنٍ إلى أنَّة الموت والعدم.

أنتَ ظَلاَمٌ يُرينا أنوار السماء,

والنهارُ نورٌ يغمُرُنا بظلمة الأرض.

أنتَ أَمَلٌ يفتَحُ بصائرنا أمام هيبةِ اللاَّنِهَاية,

والنهارُ غُرورٌ يُوقِفُنَا كالعميان في عالم المقاييس والكمية.

أنتَ هدوءٌ يُبيح بِصَمْتِه خفايا الأرواح المستيقظة

السائرة في الفضاء العلوي,

والنهارُ ضَجِيجٌ يُثير بِعَوَامِلِه نفوسَ المنطرحين بين المقاصد والرَّغائب.

أنت عادل يجمع بين جنحي الكرى أحلامَ الضعفاء بأماني الأقوياء.

وأنت شفوق يُغمِضُ بأصابعه الخَفيَّة أجفانَ التُّعساء

ويحمل قلوبهم إلى عالمٍ أقلَّ قساوةً من هذا العالم.

بينَ طيَّاتِ أثوابك الزرقاء يسكب المُحِبُّون أنفاسهم.

وعلى قدميك المغلّفتين بقطرِ الندى يَهْرَق المستوحشون قطراتِ دموعهم.

وفي راحتيك المعطَّرَتَينِ بطيب الأودية يضع الغرباء تَنَهُّداتِ شوقِهِم وحنينهم...

فأنت نديم المحبين,

وأَنيسُ المستوحدين,

ورفيقُ الغرباء والمستوحشين.

في ظِلالك تدبُّ عواطف الشعراء.

وعلى منكبيك تستفيق قلوبُ الأنبياء.

وبين ثنايا ضفائرك ترتعش قرائح المفكّرين...

فأنتَ ملقّن الشعراء,

والموحي إلى الأنبياء,

والموعِزُ إلى المفكّرين والمتأمِّلين.






:::::::::::::::::::::::::




عندما ملَّت نفسي البشر,

وتَعِبَت أجفاني من النظر إلى وجه النهار,

سرتُ إلى تلك الحقول البعيدة حيث تهجع

أشباحُ الأزمنة الغابرة.

هنالك وقفتُ أمام كائنٍ أقتَمَ جامِدٍ, مرتعشٍ,

سائرٍ بألفِ قَدَمِ فوق السهول والجبال والأودية.

هنالك حدَّقتُ شاخِصًا بعيون الدجى,

مُصغيًا لحفيف الأجنحة غير المنظورة,

شاعِرًا بمَلامِسِ ملابس السكوت,

مستبسلاً أمام مخاوف الظلام.

هنالك رأيتك أيها الليل شَبَحًا هائِلاً جميلاً

منتَصِبًا بين الأرض والسماء,

متَّشِحًا بالسحاب,

مُمَنْطَقًا بالضباب,

ضاحِكًا من الشمس,

ساخِرًا بالنهار,

مستهزِئًا بالعبيد السَّاهرين أمام الأصنام,

غاضبًا على الملوك الرَّاقدين فوق الحرير والديباج,

محملِقًا بوجوهِ اللصوص,

خافرًا بقرب أسرة الأطفال,

باكيًا لابتسام الساقطات,

مبتسمًا لبكاء العشاق,

رافعًا بيمينك كبارَ القلوب,

ساحِقًا بقدميك صغار النفوس.

هناك رأيتك أيها الليل... وَرَأَيتَنِي

فكنتَ بهولِك, لي, أَبًا,

وكنتُ, بأحلامي, لك, ابنًا,

فأُزيحَتْ من بيننا ستائرُ الإِشكال

وتمزَّقَ عن وَجْهَينا نِقابُ الظنّ والتَّخمين,

فأَبَحْتَ لي أسرارَك ونياتِك,

وَأَبَنْتُ لك أَمَانِيَّ وآمالي,

حتى, إذا تحوَّلت أهوالك إلى أنغام

أعذبَ مِنْ هَمْسِ الأزهار,

وتبدَّلت مَخَاوِفي بأنسٍ

أطيَبَ من طُمَأنينَةِ العصافير,

رَفَعْتَنِي إليك,

وأجلستني على منكبيك,

وعلَّمْتَ عينيَّ النظر, وعلَّمْتَ شفتَيَّ الكلام,

وعلَّمْتَ قلبي مَحَبَّة ما لا يُحِبُّه الناس

وَكُرْهَ ما لا يكرَهونه,

ثم لمستَ بأنامِلِكَ أفكاري فَتَدَفَّقَتْ أفكاري

نهرًا راكضًا مترنّمًا يجرف الأعشاب الذابلة

ثم قبَّلتَ بِشَفَتَيْكَ روحي فتمايَلَتْ روحي

شعلةً متَّقِدَةً تلتهم الأنصاب اليابسة.

لقد صَحِبْتُكَ أَيّها الليل حتَّى صرتُ شبيهًا بك,

وأَلِفْتُكَ حتى تمازَجَت ميولي بميولك,

وأَحببتُك حتى تحوَّل وجداني إلى صورَةٍ مصغَّرَةٍ لوجودك.

ففي نفسي المظلمة كواكِبُ ملتَمِعَة ينثرها الوجد عند المساء

وتلتقطها الهواجس في الصباح.



وفي قلبِي الرَّقيبِ قَمَرٌ يسعى تارة في فضاء متلبّدٍ بالغيوم,

وطورًا في خلاء مفعم بمواكب الأحلام.

وفي روحِي الساهرة سكينَةٌ تُبيحُ بمفاعيلها سرائر المحبين,

وتُرَجِّع خلاياها صدى صلوات المتعبّدين.

وحول رأسي غِلاَفٌ مِنَ السحر تمزّقُه حَشْرَجَةُ المُنَازِعِين.

ثم تَخِيطُه أغاني المتشبّبين.



أنا مثلُكَ أَيُّها الليل!

وهل يَحْسَبُني الناسُ مفاخرًا إذا ما تَشَبَّهتُ بك

وهم, إذا تفاخروا, يَتَشبَّهُونَ بالنار !



أنا مثلُكَ وكِلاَنا متَّهَمٌ بما ليس فيه.

أنا مثلُكَ بميولي وأحلامي وخُلقي وأخلاقي.

أنا مثلك وإن لم يُتَوّجني المَسَاءُ بغيومِهِ الذهبية.

أنا مثلك وإن لم يُرَصِّع الصَّبَاحُ أذيالى بِأَشعَّته الوردية.

أنا مثلك وإن لم أكن مُمَنطَقًا بالمجرَّة.

أنا ليل مسترسل, منبسط هادئ, مضطرب...

وليس لظلمتي بدء,

وليس لأعماقي نهاية.

وإذا ما انتَصَبَتِ الأرواحُ متباهِيَةً بنورِ أفراحها,

تتعالى روحي متجمِّدة بظلامِ كآبتها.

أنا مثلك أيها الليل

ولن يأتِيَ صَبَاحي حَتَّى يَنْتَهِي أَجَلي .








عن كتاب
" العواصف "
للأديب
" جبران "




" صوت الإيمان "

صوت الايمان
02-07-2011, 23:08
(( النّاقدون ))


في عشية أحد الأيام كان المسافر راكباً حصانه وسائراً إلى الساحل ، فوصل في طريقه إلى فندق. فترجّل وربط حصانه إلى شجرة أمام الباب ، لأنه كان واثقاً بالليل وبالناس شأن
أقرانه المسافرين إلى السواحل ، ثم دخل الفندق مع الداخلين.


وعند انتصاف الليل كان جميع من في الفندق نياماً ، فجاء لصّ وسرق حصان المسافر فلم يدر به أحد.
وفي الصباح نهض المسافر من نومه ، وجاء على الفور إلى حيث ربط حصانه فلم يجده . وبعد أن فتّش عنه جيداً عرف أن لصّاً سرقه في تلك الليلة، فتأثر كثيراً على فقد
حصانه ، ولكنه حزن بالأكثر على أن بين الناس من يغريه الشرّ فيعمد إلى السرقة.
وعندما عرف رفقاؤه المسافرون بما جرى له تجمعوا حواليه ، وبدؤوا ينحون عليه باللائمة معنّفين إياه.


فقال الأول:
" ما أحمقك أيّها الرجل! لماذا ربطت حصانك خارج الإصطبل ؟"

ثم قال الثاني:
"إنني أستغرب كيف أنك لم تحجل (تقيّد) الحصان عندما ربطته . فما أوفر جهلك !!"

فقال الثالث لرفيقيه:
"إنّ السّفر إلى البحر على ظهور الخيول غباوة من أساسه".

وقال الرابع:
"أما أنا فأعتقد أنه لا يقتني الخيول إلا كل بليد بطيء الخطى".

فدهش المسافر لبلاغتهم وفصاحتهم في الوعظ والإرشاد بعد فوات الأوان . ثم قال لهم وهو يتميّز غيظاً :
"أيها الأصحاب، عندما سرق حصاني جاءتكم الفصاحة عفواً ، فأسرعتم
الواحد تلو الآخر تعدّدون هفواتي وزلاتي، ولكن يدهشني كيف أنّكم _ مع ما أوتيتم من قوّة البيان_
لم يقل أحد منكم كلمة عمّن سرق الحصان!!" .






عن كتاب
" السّابق "
للأديب
" جبران "







" صوت الإيمان "

صوت الايمان
04-07-2011, 17:05
(( الصّلاة ))

ثم قالت له الكاهنة: هات حدّثنا عن الصّلاة.
فأجاب وقال:
إنّك تصلّين في ضيقك وفي حاجاتك.
ولكن حبّذا لو أنّك تصلين في كمال فرحتك ووفرة خيراتك!
وهل الصّلاة غير اتساع ذاتك في الأثير الحي؟
فإذا كنت تتعزّين في أن تسكبي كأس ظلمتك في الفضاء، فإنّك ولا شك تفرحين أيضاً في أن تسكبي فيه فجر فؤادك.
وإذا كنت لا تستطعين أن تمسكي عن البكاء عندما تدعوك نفسك إلى الصّلاة، فالأجدر بنفسك أن تنخسك بمنخس حاد مرة بعد مرة، على رغم الدّموع المتساقطة على وجنتيك، لكي تأتي إلى الصّلاة فرحة باسمة.
وإذ ا صليت فأنت ترتفعين بروحك لكي تجتمعي بتلك الساعة بأرواح المصلّين، الذين لا تستطعين أن تجتمعي معهم بغير الصّلاة.
لذلك فلتكن زيارتك لذلك الهيكل غير المنظور مدعاة للهيام السماويّ والشّركة الروحية السعيدة.
لأنّك إذا دخلت الهيكل ولا غاية لك سوى السؤال فإنك لن تنالي شيئاً.
وإن دخلت الهيكل لكي تظهري وفرة اتّعاظك وخشوعك فإنك لن تجدي رفعة.
بل لو جئت الهيكل وأنت ترجين أن تلتمسي خيراً لغيرك من الناس فإنك لن تجابي إلى سؤالك.
لأنه يكفيك أن تدخلي الهيكل من غير أن يراك أحد.


لا أستطيع أن أعلّمك الصّلاة بالألفاظ.
لأنّ الله لا يصغي إلى كلماتك ما لم يضعها -تعالى اسمه - على شفتيك وينطق بها بلسانك.
ولا أقدر أن أعلمك صلاة البحار والأحراج والجبال، بيد أنك وأنت ابنة الجبال والأحراج والبحار، تستطعين أن تجدي هذه الصلاة محفورة على صفحات قلبك.
فإذا أصغيت في سكينة الليل سمعت الجبال والبحار والأحراج تصلي بهدوء وخشوع:


" ربّنا وإلهنا، يا ذاتنا المجنّحة،
إنّنا بإرادتك نريد،
وبرغبتك نرغب ونشتهي
بقدرتك تحوّل ليالينا وهي لك إلى أيام هي لك أيضاً
إنّنا لا نستطيع أن نلتمس منك حاجة ،
لأنك تعرف حاجاتنا قبل أن تولد في أعماقنا.
أنت حاجاتنا، وكلّما زدتنا من ذاتك زدتنا من كل شيء."





عن كتاب
" النّبيّ "
للأديب
" جبران "







" صوت الإيمان "

صوت الايمان
06-07-2011, 14:38
(( البنفسجة الطّموح ))


كان في حديقة منفردة بنفسجة جميلة الثنايا ، طيبة العرف ،تعيش قانعة بين أترابها وتتمايل فرحة بين قامات الأعشاب .
ففي صباح , وقد تكلّلت بقطر الندى ، رفعت رأسها ونظرت حواليها فرأت وردة تتطاول نحو العلاء بقامة هيفاء ورأس يتسامى متشامخاً كأنه شعلة من النّار فوق مسرجة من الزمرّد.

ففتحت البنفسجة ثغرها الأزرق وقالت متنهّدة: ما أقلّ حظي بين الرياحين ، وما أوضع مقامي بين الأزهار ! فقد ابتدعتني الطّبيعة صغيرة ، حقيرة ، أعيش ملتصقة بأديم الأرض ولا أستطيع أن أرفع قامتي نحو ازرقاق السماء أو أحوّل وجهي نحو الشّمس مثلما يفعل الورد.

وسمعت الوردة ما قالته جارتها البنفسجة فاهتزّت ضاحكة ثمّ قالت : ما أغباك بين الأزهار ! فأنت في نعمة تجهلين قيمتها. فقد وهبتك الطبيعة من الطيب والظرف والجمال ما لم تهبه لكثير من الرياحين . فخلّي عنك هذه الميول العوجاء والأماني الشريرة وكوني قنوعاً بما قسم لك واعلمي أن من خفض جناحه رفع قدره ، وأنّ من طلب المزيد وقع في النقصان.

فأجابت البنفسجة قائلة :
: أنت تعزينني أيتها الوردة لأنك حاصلة على ما أتمناه ، وتغمرين حقارتي بالحكم ، لأنك عظيمة . وما أمرّ مواعظ السعداء في قلوب التاعسين وما أقسى القوي إذا وقف خطيباً بين الضعفاء!

وسمعت الطّبيعة ما دار بين الوردة و البنفسجة فاهتزّت مستغربة ثمّ رفعت صوتها قائلة: ماذا جرى لك يابنتي البنفسجة ؟ فقد عرفتك لطيفة بتواضعك عذبة بصغرك شريفة بمسكنتك ، فهل استهوتك المطامع القبيحة أم سلبت عقلك العظمة الفارغة ؟
فأجابت البنفسجة بصوت ملؤه التوسل والاستعطاف :
أيتها الأم العظيمة بجبروتها ، الهائلة بحنانها، أضرع إليك بكل ما في قلبي من التّوسّل ،وما في روحي من الرجاء ، أن تجيبي طلبي وتجعليني وردة ولو يوماً واحداً.

فقالت الطبيعة : أنت لا تدرين ما تطلبين ولا تعلمين ما وراء العظمة الظاهرة في البلايا الخفيّة ، فإذا رفعت قامتك وبدلت صورتك وجعلتك وردة تندمين حيث لا ينفع الندم .
فقالت البنفسجة : حوّلي كياني البنفسجي إلى وردة مديدة القامة مرفوعة الرأس... ومهما يحل بي بعد ذلك يكون صنع رغائبي ومطامعي .
فقالت الطبيعة لقد أجبت طلبك أيتها البنفسجة الجاهلة المتمرّدة ، ولكن إذا دهمتك المصائب والمصاعب لتكن شكواك من نفسك.

ومدّت الطبيعة أصابعها الخفيّة السحريّة ولمست عروق البنفسجة فحوّلتها بلحظة إلى وردة زاهية متعالية فوق الأزهاروالرياحين.
ولما جاء عصر ذلك النهار تلبّد الفضاء بغيوم سوداء مبطنة بالإعصار ثمّ هاجت سواكن الوجود فأبرقت ورعدت وأخذت تحارب تلك الحدائق والبساتين بجيش عرمرم من الأمطار والأهوية . فكسرت الأغصان ولوت الأنصاب واقتلعت الأزهار المتشامخة ولم تبق إلاّ على الرياحين الصغيرة التي تلتصق بالأرض أو تختبئ بين الصخور.
أمّا تلك الحديقة المنفردة فقد قاست من هياج العناصر ما لم تقاسه حديقة أخرى .

فلم تمرالعاصفة وتنقشع الغيوم حتى أصبحت أزهارها هباء منثوراً ولم يسلم منها بعد تلك المعمعة الهوجاء سوى طائفة البنفسج المختبئة بجدار الحديقة .

ورفعت إحدى صبايا البنفسج رأسها فرأت ما حلّ بأزهار الحديقة وأشجارها فابتسمت فرحاً ثمّ نادت رفيقاتها قائلة : ألا فانظرن ما فعلته العاصفة بالرياحين المتشامخة تيهاً وعجباً .
وقالت بنفسجة أخرى نحن نلتصق بالتراب ، ولكننّا نسلم من غضب العواصف والأنواء .
وقالت بنفسجة ثالثة : نحن حقيرات الأجسام غير أن الزوابع لا تستطيع التغّلب علينا.
ونظرت إذ ذاك مليكة طائفة البنفسج فرأت على مقربة منها الوردة التي كانت بالأمس بنفسجة وقد اقتلعتها العاصفة وبعثرت أوراقها الرياح وألقتها على الأعشاب المبللة فبانت كقتيل أرداه العدو بسهم.

فرفعت مليكة طائفة البنفسج قامتها ومدّت أوراقها ونادت رفيقاتها قائلة : تأمّلن وانظرن يا بناتي . انظرن إلى البنفسجة التي غرّتها المطامع فتحوّلت إلى وردة لتشامخ ساعة ثمّ هبطت إلى الحضيض. ليكن هذا المشهد أمثولة لكنّ.

عندئذ ارتعشت الوردة المحتضرة واستجمعت قواها الخائرة وبصوت متقطع قالت:
ألا فاسمعن أيتها الجاهلات القانعات ، الخائفات من العواصف والأعاصير . لقد كنت بالأمس مثلكن أجلس بين أوراقي الخضراء مكتفية بما قسم لي ، وقد كان الاكتفاء حاجزاً منيعاً يفصلني عن زوابع الحياة وأهويتها ويجعل كياني محدوداً بمافيه من السلامة ، متناهياً بما يساوره من الراحة والطمأنينة.

ولقد كان بإمكاني أنأعيش نظيركن ملتصقة بالتراب حتى يغمرني الشّتاء بثلوجه وأذهب كمن يذهب قبلي إلى سكينة الموت والعدم قبل أن أعرف من أسرار الوجود ومخبآته غير ما عرفته طائفة البنفسج منذ وجد البنفسج على سطح الأرض لقد كان بإمكاني الانصراف عن المطامع والزهد في الأمور التي تعلو بطبيعتها عن طبيعتي . ولكني أصغيت إلى سكينة الليل فسمعت العالم الأعلى يقول لهذا العالم : (( إنّما القصد من الوجود الطموح إلى ما وراءالوجود)) .
فتمرّدت نفسي على نفسي وهام وجداني بمقام يعلو عن وجداني ، وما زلت أتمرّد على ذاتي وأتشوّق إلى ما ليس لي حتى انقلب تمرّدي إلى قوّة فعّالة واستحال شوقي إلى إرادة مبدعة فطلبت إلى الطبيعة – وما الطبيعة سوى مظاهر خارجية لأحلامنا الخفية– أن تحولني إلى وردة ففعلت ، وطالما غيرت الطبيعة صورها ورسومها بأصابع الميل والتشويق .

وسكتت الوردة هنيّهة ثمّ زادت بلهجة مفعمة بالفخر والتفوّق:
لقد عشت ساعة كملكة . لقد نظرت إلى الكون من وراء عيون الورود، وسمعت همس الأثير بآذان الورود ، ولمست ثنايا النور بأوراق الورود . فهل بينكن من تستطيع أن تدّعي شرفي؟
ثمّ لوت عنقها، وبصوت يكاد يكون لهاثاُ قالت:
أنا أموت الآن . أموت وفي نفسي ما لم تكنه نفس بنفسجة من قبلي . أموت وأنا عالمة بما وراء المحيط المحدود الذي ولدت فيه ، وهذا هو القصد من الحياة . هذا هو الجوهر الكائن وراءعرضيات الأيام والليالي.
وأطبقت الوردة أوراقها وارتعشت قليلاً ثمّ ماتت وعلى وجهها ابتسامة علويّة – ابتسامة من حققت الحياة أمانيه – ابتسامة النّصر والتغلّب – ابتسامة الله .






عن كتاب
" العواصف "
للأديب
" جبران "





" صوت الإيمان "

صوت الايمان
07-07-2011, 23:01
مقتطفات من رسائل الأديب
" جبران " إلى
" مي زيادة "


" ماذا أقول عن كهوف روحي ؟ تلك الكهوف التي تخيفك – إني التجئ إليها عندما أتعب من سبل النّاس الواسعة وحقولهم المزهرة وغاباتهم المتعرّشة. إنّي أدخل كهوف روحي عندما لا أجد مكاناً آخر أسند إليه رأسي , ولو كان لبعض من أحبهم الشجاعة لدخول تلك الكهوف لما وجدوا فيها سوى رجل راكع على ركبتيه وهو يصلي . "


::::::::::::::::::::::::::


لا أريد أن يفهمني بشريّ إذا كان فهمه إياي ضرياً من العبودية المعنوية . وما أكثر الذين يتوهّمون أنّهم يفهموننا لأنّهم وجدوا في بعض مظاهرنا شيئاً شبيهاً بما اختبروه مرّة في حياتهم . وليتهم يكتفون بادّعائهم إدراك أسرارنا – تلك الأسرار التي نحن ذواتنا لا ندركها – ولكنهم يصموننا بعلامات وأرقام ثم يضعوننا على رفّ من رفوف أفكارهم واعتقاداتهم مثلما يفعل الصيدلي بقناني الأدوية والمساحيق !


:::::::::::::::::::::::



لست بقانع ولا أنا بسعيد . في نفسي شيء لا يعرف القناعة ولكنّه ليس كالطمع , ولا يدري ما السّعادة غير أنّه لا يشابه التعاسة . في أعماقي خفقان دائم وألم مستمر ولكنني لا أريد إبدال هذا ولا تغيير ذاك – ومن كان هذا شأنه فهو لا يعرف السّعادة ولا يدري ما هي القناعة ولكنه لا يشكو لأنّ في الشكوى ضرباً من الراحة وشكلاً من التفوّق .


:::::::::::::::::::::::


إنّ الاستحسان نوع من المسؤولية يضعها الناس على عواتقنا فتجعلنا نشعر بضعفنا . ولكن لا بدّ من المسير حتى ولو قوّص الحمل الثقيل ظهورنا , ولا بد من استنباط القوّة من الضعف


:::::::::::::::::::::::


أنت أرفع من الشك والارتياب . الشك يلازم الخائفين السلبيين والارتياب يلاحق من ليس لهم الثّقة بنفوسهم , أما أنت فقوية إيجابية ولكِ الثقة التامة بنفسك فهلا كنتِ مؤمنة بكل ما تضعه الأيام في راحتيك ؟


::::::::::::::::::::::::


وأنا لست ممن يندمون على وضع ما في نفوسهم بين شفاههم .
ولست ممن ينفون في يقظتهم ما يثبتونه في أحلامهم , لأن أحلامي هي يقظتي ويقظتي هي أحلامي , لأن حياتي لا تقسم إلى خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الوراء .

::::::::::::::::::::::::






عن كتاب
" الشّعلة الزرقاء "









" صوت الإيمان "

صوت الايمان
14-07-2011, 23:55
أجمل رسالة حبّ من " مي زيادة "
إلى الأديب " جبران "




" ....جبران !
لقد كتبتُ كلّ هذه الصّفحات لأتحايد كلمة الحبّ , إنّ الّذين لا يتاجرون بمظهر الحبّ ودعواه في المراقص
والاجتماعات ينمّي الحبّ في أعماقهم قوّة ديناميكة رهيبة ..قد يغبطون الّذين يوزّعون عواطفهم في اللألأ
السّطحيّ لأنّهم لا يقاسون ضغط العواطف الّتي لم تنفجر , ولكنّهم يغبطون الآخرين على راحتهم دون أن يتمنّوها
لنفوسهم , ويفضّلون وحدتهم , ويفضّلون السّكوت , ويفضّلون تضليل قلوبهم عن ودائعها , والتّلهّي بما لا علاقة له
بالعاطفة . يفضّلون أيّ غربة , وأيّ شقاء . ( وهل من شقاء وغربة في غير وحدة القلب ؟ ) على الاكتفاء بالقطرات
الشّحيحة .

ما معنى الّذي أكتبه ؟ إنّي لا أعرف ماذا أعني به , ولكنّي أعرف أنّك محبوبي , وأنّي أخاف الحبّ . أقول هذا مع علمي
بأنّ القليل في الحبّ كثير .
الجفاف والقحط واللا شيء بالحبّ خير من النزر اليسير . كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا . وكيف أفرّط به ؟؟
لا أدري .
الحمد لله أنّي أكتبه على الورق ولا أتلفّظ به , لأنّك لو كنتَ الآن حاضراً بالجسد لهربتُ خجلاً من هذا الكلام , ولاختفيتُ
زمناً طويلاً , فما أدعك تراني إلاّ بعد أن تنسى .

.....حتّى الكتابة ألوم نفسي عليها أحياناً لأنّي بها حرّة كلّ هذه الحرّيّة ....أتذكر قول القدماء من الشّرقيين :
" إنّه خير للبنت أن لا تقرأ ولا تكتب "
إنّ القدّيس " توما " يظهر هنا . وليس ما أبدي هنا أثر للوراثة فحسب , بل هو شيء أبعد من الوراثة . ما هو ؟
قل لي أنتَ ما هو ؟ وقل لي إذا ما كنتُ على ضلال أو هدى فإنّي أثق بك , وأصدّق بالبداهة كلّ ما تقول !
وسواء كنتُ مخطئة أم غير مخطئة فإنّ قلبي يسير إليك , وخير ما تفعل هو أن يظلّ حائماً حواليك , يحرسك ويحنو عليك .

......غابت الشّمس وراء الأفق , ومن خلال السّحب العجيبة الأشكال والألوان حصحصت نجمة لامعة واحدة هي الزّهرة ,آلهة الحبّ .
أترى يسكنها كأرضنا بشر يحبّون ويتشوّقون ؟
ربّما وجد فيها من هي مثلي , لها جبران واحد , حلو بعيد هو القريب القريب , تكتب إليه الآن والشّفق يملأ الفضاء
وتعلم أنّ الظلام يخلف الشّفق , وأنّ النّور يتبع الظلام , وأنّ الّليل سيخلف النّهار , والنّهار سيتبع الليل مرّات قبل أن ترى
الّي تحبّه , فتتسرّب إليها كلّ وحشة الشّفق , وكلّ وحشة الليل , فتلقي بالقلم جانباً لتحتمي من الوحشة في اسم واحد : جبران !






" ماري زيادة "
15/ 1 / 1924 .

::::::::::::::::::::::::::





ردّ الأديب " جبران "
على رسالة " مي زيادة "



"
تقولين لي أنك تخافين الحب. لماذا تخافينه يا صغيرتي؟ أتخافين نور الشمس؟ أتخافين مدَّ البحر؟ أتخافين طلوع الفجر؟ أتخافين مجيء الربيع؟ لما يا ترى تخافين الحب؟.

أنا أعلم أن القليل في الحب لا يرضيك، كما أعلم أن القليل في الحب لا يرضيني. أنت وأنا لا ولن نرضى بالقليل. نحن نريد الكثير. نحن نريد كل شيء. نحن نريد الكمال. أقول يا ماري أن في الإرادة الحصول، فإذا كانت إرادتنا ظلاً من أظلال الله فسوف نحصل بدون شك على نور من أنوار الله.

لا تخافي الحب يا ماري، لا تخافي الحب يا رفيقة قلبي، علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة ورغم ما فيه من الالتباس والحيرة.

اسمعي يا ماري: أنا اليوم في سجن من الرغائب. ولقد ولدتْ هذه الرغائب عندما ولدتُ. وأنا اليوم مقيد بقيود فكرة قديمة، قديمة كفصول السنة، فهل تستطيعين الوقوف معي في سجني حتى نخرج إلى نور النهار، وهل تقفين إلى جانبي حتى تنكسر هذه القيود فنسير حرَّين طليقين نحو قمة الجبل؟

والآن قربي جبهتكِ. قربي جبهتك الحلوة- كذا، كذا. والله يبارككِ والله يحرسكِ يا رفيقة قلبي الحبيبة.





" جبران خليل جبران "
26/ 2/ 1924 .











عن كتاب
" الشّعلة الزّرقاء "
تحقيق وتقديم
" سلمى الحفّار الكزبري "
الدّكتور " سهيل ب . بشروني "










" صوت الإيمان "

الفلكى المصر
15-07-2011, 01:09
اول ما شفت العنوان وانا مغمض قلت ده موضوع صوت الايمان :)

انتى جبرانية الهوى يا صوت ان صح التعبير :)

وانتقاؤك للرسائل من الشعلة الزرقاء ينم عن ذوق رفيع

وان كانت رسائل جبران كلها رائعة

الا اننا افتقدنا نصفهما الاخر افتقدنا رسائل مى لجبران

الهى اللى ضيع رسائل مى لجبران ........ ولا بلاش ادعى خلينى انا الطيب

مساؤك اطيب من الشهد بتاع النحل هههههههه

صوت الايمان
15-07-2011, 16:09
اول ما شفت العنوان وانا مغمض قلت ده موضوع صوت الايمان :)

انتى جبرانية الهوى يا صوت ان صح التعبير :)

وانتقاؤك للرسائل من الشعلة الزرقاء ينم عن ذوق رفيع

وان كانت رسائل جبران كلها رائعة

الا اننا افتقدنا نصفهما الاخر افتقدنا رسائل مى لجبران

الهى اللى ضيع رسائل مى لجبران ........ ولا بلاش ادعى خلينى انا الطيب

مساؤك اطيب من الشهد بتاع النحل هههههههه





(( أوّل ما شفت العنوان وأنا مغمّض قلت ...)) ؟؟

:)

يا سلام .... كيف صارت هيك ؟؟
يعني كما المسرحيّة
( شاهد ما شفش حاجة )
:)
أمازحك صدقاً ...فكم أحبّ مشاكستك
أيّها الطّيّب .


بالفعل أدب " جبران " غذاء للعقول
ورسائله " لمي زيادة " ساهمت في إغناء
وإثراء الأدب العربيّ ولا سيّما أدب الرّسائل .

يا ليت رسائل " مي " أيضاً متوفّرة كلّها
لكن للأسف لم يُنشر منها غير الشيء
البسيط فما زالت في ضمير الغيب
وفق ما أوردته محقّقة الكتاب .


أشكرك لحضورك ولمشاكساتك الجميلة أخي
العزيز
" الفلكي المصر "
ومساؤك ورد وياسمين وشهد
( اللي ببالي أنا )
:)





"صوت الإيمان "

صوت الايمان
18-07-2011, 15:15
أتابع بمقتطفات رائعة
من رسائل الأديب " جبران "
إلى " مي زيادة "





تسألينني يا سيّدتي ما إذا كنت وحيد الفكر والقلب والرّوح , فبم يا ترى أجيبك؟ أشعر أنّ وحدتي ليست بأشدّ ولا أعمق من وحدة غيري من النّاس. كلّنا وحيد منفرد. كلّنا سرّ خفيّ. كلّنا محجوب بألف نقاب ونقاب, وما الفرق بين مستوحد ومستوحد سوى أنّ الأول يتكلم عن وحدته والثّاني يظل صامتاً
وقد يكون في الكلام بعض الراحة, وقد يكون في الصّمت بعض الفضيلة .


::::::::::::::::::::::::


سيّدتي تعلم أنّ ميلنا إلى سكب ما في أرواحنا في كؤوس الآخرين لأشدّ بما لا يُقاس من الرغبة في الارتواء مما يسكبه الآخرون في كؤوسنا. تلك صفة لا تخلو من الغرور في بعض الأحايين ولكنّها طبيعيّة .

:::::::::::::::::::::::


ما أحسن قولكِ" إن كربة الوحدة وتباريحها تشتد وسط الجماهير"
هذه حقيقة أوليّة . فكم مرة يجلس الواحد منا بين أترابه ومريديه فيحدّثهم ويجادلهم ويشاركهم بالأقوال والأعمال- يفعل كل ذلك بإخلاص ومسرّة, ولكن فعله لا يتعدّى حدود الذات المقتبسة من عالم المظهر , أما ذاته الأخرى, ذاته الخفيّة, فتبقى ساكنة مستوحدة في عالم المصدر .

:::::::::::::::::::::::::


يقولون لي يا ميّ أنّني من محبّي الناس, ويلومني بعضهم لأنّني أحبّ جميع الناس , نعم , أحبّ جميع الناس, وأحبّهم بدون انتخاب وبدون غربلة, وأحبهم كتلةً واحدة , أحبّهم لأنّهم من روح الله ولكن لكل قلب قبلة خاصة , لكل قلب وجهة ذاتيّة يتحوّل إليها ساعات انفراده , لكل قلب صومعة يختلي فيها ليجد راحته وتعزيته, لكل قلب قلب يشتاق إلى الاتصال به ليتمتع بما في الحياة من البركة والسلامة أو لينسى ما في الحياة من الألم .

:::::::::::::::::::::


يا ماري- أنتِ تعرفين سبب سكوتكِ أما أنا فأجهله. وليس من العدالة أن يكون جهل المرء مصدراً لتشويش أيامه ولياليه الأعمال والأقوال بالنيّات، ولقد كانت نيّتي ولم تزل في راحة الله .


:::::::::::::::::::::


أنا أستصعب، أستصعب جدّاً، الشّكوى من علّة تلمّ بي. فإذا مرضت رغبت في أمر واحد وهو الاختفاء عن عيون الناس- حتى عن عيون الذين أحبّهم ويحبّونني. وفي شرعي أن أحسن دواء للداء هو الانفراد التّام .

:::::::::::::::::::::


نحن لسنا بمعامل أدبيّة. نحن لسنا آلات تلقمونها الحبر والورق من جهة لتستخرجون المقالات والقصائد من جهة ثانية. نحن نكتب عندما نريد أن نكتب، لا عندما تريدون أنتم، فاعملوا المعروف معنا واتركوننا وشأننا، فنحن في عالم وأنتم في عالم آخر، فلا منكم إلينا ولا منا إليكم .







عن كتاب
" الشّعلة الزّرقاء "
تحقيق وتقديم
" سلمى الحفّار الكزبري "
الدّكتور " سهيل ب . بشروئي "










" صوت الإيمان "

صوت الايمان
25-07-2011, 14:27
تكلّم أحدهم فقال :
" لقد خيّبت الحياة آمالنا – أيّها المعلم – آمالنا ورغائبنا , خيبة مريرة , وإنّ قلوبنا لواجفة , فلا ندرك بعد شيئاً , أرجو أن ترفّه عنّا , وتكشف لنا معاني أحزاننا "

واختلج قلبه بالرّأفة وقال :
" الحياة أقدم من جميع الكائنات الحيّة , حتّى الجمال تجنّح قبل أن يولد الجميل على الأرض , والحقيقة منذ كانت حقيقة , عُرفت ووجد من تفوّه بها .
الحياة تتغنّى في صمتنا، و تحلم في كرانا، و حتى عندما نُغلب على أمرنا و نهوي , تظلّ الحياة سامية معتلية عرشها. و عندما نبكي، تبسم الحياة للنهار و تكون حرّة حتى عندما نجرّ سلاسل عبوديتنا.
" كثيراً ما نطلق على الحياة أفظع النّعوت والأسماء , عندما نكون نحن أنفسنا في ظلمة ومرارة , وكثيراً ما نحسبها جوفاء
لا جدوى فيها عندما تتيه أرواحنا ضالّة في القفار الجرداء , وتكون قلوبنا سكرى بخمرة الحرص والجشع .


الحياة عميقة و سامية و نائية غامضة، و إنّها مع ذلك لقريبة و إن كان نظركم الواسع لا يستطيع أن يبلغ إلاّ أقدامها، و إن ظلّ ظلكم يعترض طلعتها , و إن كان نفَسُ نفَسكم لا يبلغ إلاّ قلبها , وكان صدى أدقّ همسة منكم يتحوّل إلى ربيع وخريف في صدرها .
" والحياة مقنّعة و مخبّأة , تماماً كما هي روحكم الكبرى مقنّعة خافية , عندما تتكلّم الحياة تتحوّل مع ذلك الرّياح جميعها إلى كلمات , وحين تتكلّم ثانية , تتحوّل البسمات على شفاهكم , والدّموع في عيونكم إلى كلمات أيضاً , وعندما تتغنّى يسمعها الأصمّ وترتفع بهم إلى سمائها , وحين تقبل ماشية يهلّل لها ذوو الأبصار المكفوفة , وتأخذهم الدّهشة , ويتّبعون خطاها في رعدة وذهول .


وانقطع عن الكلام , وغمر النّاس في صمت شامل , وارتفع في فضاء ذلك الصّمت نشيدٌ لا يُسمع , وسُرّيَ عن الحضور ما كانوا فيه
من همٍ وضيق .





عن كتاب
" حديقة النّبيّ "
للأديب
" جبران "





" صوت الإيمان "

عبده بااشا
25-07-2011, 15:20
شكرا تسلم ايدك ..

صوت الايمان
26-07-2011, 13:40
شكرا تسلم ايدك ..


وشكراً لك على المرور أخي الكريم
تحيّاتي وتقديري .




" صوت الإيمان "

الحقيقة وبس
28-07-2011, 13:42
جبران خليل جبران .. الانسان المرهف الحس والأحاسيس والمشاعر العاطفية والروحانية ..
جبران خليل جبران .. أرز لبنان الصامد عبر التاريخ .. وتاريخه الأدبي والثقافي والفكري
جبران خليل جبران .. الحياة الأليمة والحزينة وبنفس الوقت الصافية والمشبعة بالأمل ...
جبران خليل جبران.. روحانية في المعاني وخيال يسبق الأفكار وأديب وكاتب وشاعر
هل اتخذت الغاب َ مثلي منزلا ً بين القصور = فتتبّعت السواقي وتســلّـقت الصـخــور
هل جلست العصر مثلي بين جفـنات العنب =والعـنــاقيـد ُ تـــدلـــّت كثريات الذهـــب
معكِ يا سيدة الحرف والإبداع وأميرته
صوت الإيمـان
وبكل إحترام وتقدير نتابع شعره وخواطره وعاطفته المتأججة وفكره ووجدانه.
مع خالص تحياتي

صوت الايمان
01-08-2011, 23:26
جبران خليل جبران .. الانسان المرهف الحس والأحاسيس والمشاعر العاطفية والروحانية ..
جبران خليل جبران .. أرز لبنان الصامد عبر التاريخ .. وتاريخه الأدبي والثقافي والفكري
جبران خليل جبران .. الحياة الأليمة والحزينة وبنفس الوقت الصافية والمشبعة بالأمل ...
جبران خليل جبران.. روحانية في المعاني وخيال يسبق الأفكار وأديب وكاتب وشاعر
هل اتخذت الغاب َ مثلي منزلا ً بين القصور = فتتبّعت السواقي وتســلّـقت الصـخــور
هل جلست العصر مثلي بين جفـنات العنب =والعـنــاقيـد ُ تـــدلـــّت كثريات الذهـــب
معكِ يا سيدة الحرف والإبداع وأميرته
صوت الإيمـان
وبكل إحترام وتقدير نتابع شعره وخواطره وعاطفته المتأججة وفكره ووجدانه.
مع خالص تحياتي







الأديب الرّاقي
" الحقيقة وبس "



أهلاً بأنوارك يا أستاذنا
ويالجمال ما نثرتَ هنا من درر .
القارئ لكلماتك يدرك مدى
عشقك وتأمّلك لأدب " جبران "
ما شاء الله


سعيدة بمتابعتك وحضورك المشرق
آملة أن يرقى ما أنتقيه لذائقتك الأدبيّة
الرّاقية .

من قلبي أشكرك يا أديبنا
مع كلّ الودّ والتّقدير .





" صوت الإيمان "

صوت الايمان
03-08-2011, 03:06
(( المواكب ))




الخير في الناس مصنوعٌ إذا جُبروا
و الشرُّ في الناس لا يفنى و إِن قُبروا

و أكثر الناس آلاتٌ تحركها
أصابع الدّهر يوماً ثم تنكسرُ

فلا تقولنَّ هذا عالم علمٌ
و لا تقولنَّ ذاك السيّد الوَقر

فأفضل النّاس قطعانٌ يسير بها
صوت الرّعاة و من لم يمشِ يندثر

ليس في الغابات راعٍ ,,, لا ولافيها القطيعْ
فالشتا يمشي و لكن ,,, لا يُجاريهِ الربيعْ
خُلقَ الناس عبيداً,,, للذي يأْبى الخضوعْ
فإذا ما هبَّ يوماً ,,, سائراً سار الجميعْ
أعطني النايَ و غنِّ ,,, فالغنا يرعى العقولْ
و أنينُ الناي أبقى ,,,, من مجيدٍ و ذليلْ


* * *

و ما الحياةُ سوى نومٍ تراوده
أحلام من بمرادِ النفس يأتمرُ

و السرُّ في النفس حزن النفس يسترهُ
فإِن تولىَّ فبالأفراحِ يستترُ

و السرُّ في العيشِ رغدُ العيشِ يحجبهُ
فإِن أُزيل توَّلى حجبهُ الكدرُ

فإن ترفعتَ عن رغدٍ و عن كدرِ
جاورتَ ظلَّ الذي حارت بهِ الفكرُ


ليس في الغابات حزنٌ ,,, لا و لا فيها الهمومْ
فإذا... هبّ نسيمٌ ,,, لم تجىءْ معه السمومْ
ليس حزن النفس إلا ,,, ظلُّ وهمٍ لا يدومْ
و غيومُ النفس تبدو ,,, من ثناياها النجومْ
أعطني الناي و غنِّ ,,, فالغنا يمحو المحنْ
و أنين الناي يبقى ,,, بعد أن يفنى الزمنْ


* * *

و قلَّ في الأرض مَن يرضى الحياة كما
تأتيهِ عفواً و لم يحكم بهِ الضجرْ

لذلك قد حوَّلوا نهر الحياة إلى
أكواب وهمٍ إذا طافوا بها خدروا

فالناس إن شربوا سُرَّوا كأنهمُ
رهنُ الهوى و عَلىَ التخدير قد فُطروا

فذا يُعربدُ إن صلَّى و ذاك إذا
أثرى و ذلك بالأحلام يختمرُ

فالأرض خمّارةٌ و الدهر صاحبها
و ليس يرضى بها غير الألى سكروا

فإن رأَيت أخا صحوٍ فقلْ عجباً !
هل استظلَّ بغيم ممطر قمرُ ؟

ليس في الغابات سكرٌ ,,, من مدامِ أو خيالْ
فالسواقي ليس فيها ,,, غير أكسير الغمامْ
إنما التخدير ُ ثديٌ ,,, و حليبٌ للأنام
فإذا شاخوا و ماتوا ,,, بلغوا سنّ الفطامْ
اعطني النايَ و غنِّ ,,, فالغنا خير الشرابْ
و أنين الناي يبقى ,,, بعد أن تفنى الهضاب






عن المواكب
للأديب
" جبران "





مع أطيب التّحايا و الشّكر
للأستاذ الأديب
" الحقيقة وبس "







" صوت الإيمان "

صوت الايمان
04-08-2011, 00:16
نبقى مع مقتطفات
من
(( المواكب ))




و الدين في الناسِ حقلٌ ليس يزرعهُ
غيرُ الأولى لهمُ في زرعهِ وطرُ

من آملٍ بنعيمِ الخلدِ مبتشرٍ
و من جهول يخافُ النارَ تستعرُ

فالقومُ لولا عقاب البعثِ ما عبدوا
رباًّ و لولا الثوابُ المرتجى كفروا

كأنما الدينُ ضربٌ من متاجرهمْ
إِن واظبوا ربحوا أو أهملوا خسروا

ليس في الغابات دينٌ ,,, لا و لا الكفر القبيحْ
فإذا.البلبل.غنّى ,,, لم يقلْ هذا الصحيحْ
إنَّ .دين الناس يأْتي ,,, مثل ظلٍّ و يروحْ
لم يقم في الأرض دينٌ ,,, بعد طه و المسيح
اعطني الناي و غنِّ ,,, فالغنا خيرُ الصلاة
و أنينُ الناي يبقى ,,, بعد أن تفنى الحياةْ


*********

و العلمُ في الناسِ سبلٌ بانَ أوَّلها
أما أواخرها فالدهرُ و القدرُ

و أفضلُ العلم حلمٌ إن ظفرت بهِ
و سرتَ ما بين أبناء الكرى سخروا

فان رأيتَ أخا الأحلام منفرداً
عن قومهِ و هو منبوذٌ و محتقرُ

فهو النبيُّ و بُرد الغد يحجبهُ
عن أُمةٍ برداءِ الأمس تأتزرُ

و هو الغريبُ عن الدنيا و ساكنها
و هو المهاجرُ لامَ الناس أو عذروا

و هو الشّديد و إن أبدى ملاينةً
و هو البعيدُ تدانى الناس أم هجروا

ليس في الغابات علمٌ ,,, لا و لا فيها الجهولْ
فإذا الأغصانُ مالتْ ,,, لم تقلْ هذا الجليلْ
إنّ علمَ الناس طرَّا ,,, .كضبابٍ في الحقولْ
فإذا الشّمس أطلّت ,,, .من ورا الأفق يزولْ
أ عطني النايَ و غنِّ ,,, فالغنا خير العلومْ
و أنينُ الناي يبقى ,,, بعد أن تطفا النجومْ









عن " المواكب "
للأديب
" جبران "





" صوت الإيمان "

الحقيقة وبس
06-08-2011, 18:54
أسمحي لي سيدتي الفاضلة وأديبتنا الراقية صوت الايمان
بالتطفل على ابداعك وما تنقله أناملكِ من روائع جبران خليل جبران
لاضيف على هذا الابداع ما يغلفه بسيرة مقتبسة عن حياة
هذا الاديب .. وللانصاف فعندمنا نتكلم عن الادب والثقافة وننقلها
فطالما هي لا تمس عقيدتنا وما نؤمن به فلا أعتقد ان هناك تعارضاً بمنع التطرق
لهؤلاء الادباء والشعراء الكبار.
أقل ما يمكننا أن نقدم لتاريخهم هو تعرفة هذا الجيل الذي تاه
مع إعلام جاهل وناكر ,,,إعلام جل همه هو النبش في القبور
واستخراج الجثامين لتكريمها ..
معكِ متابعين أختي العزيزة ... فقط إضافة منقولة عن سيرة هذا الاديب



[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar] 3564e3d375c5f5fc.jpg
جبران خليل جبران
حياته :
ولد هذا الفيلسوف والأديب والشاعر والرسام من أسرة صغيرة فقيرة في بلدة بشري في 6 كانون الثاني1883. وكانت وقتها تابعة لمتصرفية جبل لبنان العثمانية. كان والده خليل جبران الزوج الثالث لوالدته كاملة رحمة التي كان لها ابن اسمه بطرس من زواج سابق ثم أنجبت جبران وشقيقتيه مريانا وسلطانة.
كان والده، خليل سعد جبران، يعمل راعياً للماشية ويمضي أوقاته في الشرب ولعب الورق. كان صاحب مزاج متغطرس، ولم يكن شخصاً محباً، كما يتذكر جبران، الذي عانى من إغاظته وعدم تفهمه. وكانت والدته كاملة رحمة، من عائلة محترمة وذات خلفية دينية، واستطاعت أن تعتني بها ماديا ومعنويا وعاطفيا وكانت قد تزوجت بخليل بعد وفاة زوجها الأول وإبطال زواجها الثاني. كانت شديدة السمرة، ورقيقة، وصاحبة صوت جميل ورثته عن أبيها.
لم يذهب جبران إلى المدرسة لأن والده لم يعط لهذا الأمر أهمية ولذلك كان يذهب من حين إلى آخر إلى كاهن البلدة الذي سرعان ما أدرك جديته وذكاءه فانفق الساعات في تعليمه الأبجدية والقراءة والكتابة مما فتح أمامه مجال المطالعة والتعرف إلى التاريخ والعلوم والآداب.
وبفضل أمه، تعلم الصغير جبران العربية، وتدرب على الرسم والموسيقى. ولما لاحظت ميل الرسم لديه، زودته بألبوم صور لـ ليوناردو دافنشي، الذي بقي معجباً به بصمت. بعد وقت طويل، كتب يقول: "لم أر قط عملاً لليوناردو دافنشي إلاّ وانتاب أعماقي شعور بأن جزءاً من روحه تتسلل إلى روحي...".
تركت أمه بصمات عميقة في شخصيته، ولم يفته أن يشيد بها في "الأجنحة المتكسرة": "إن أعذب ما تحدثه الشفاه البشرية هو لفظة "الأم"، وأجمل مناداة هي "يا أمي". كلمة صغيرة كبيرة مملوءة بالأمل والحب والانعطاف وكل ما في القلب البشري من الرقة والحلاوة والعذوبة. الأم هي كل شيء في هذه الحياة، هي التعزية في الحزن، والرجاء في اليأس، والقوة في الضعف، هي ينبوع الحنو والرأفة والشفقة والغفران، فالذي يفقد أمه يفقد صدراً يسند إليه رأسه ويداً تباركه وعيناً تحرسه...".
سنواته الأولى أمضاها جبران لا مبالياً، رغم الشجارات بين والديه والسقوط من فوق ذلك المنحدر الذي ترك فيه التواء في الكتف. تتلمذ في العربية والسريانية على يد الأب جرمانوس. وعلمه الأب سمعان القراءة والكتابة في مدرسة بشري الابتدائية. ويروي صديقه الكاتب ميخائيل نعيمة أن الصغير جبران كان يستخدم قطعة فحم ليخط بها رسومه الأولى على الجدران. ويحكى أنه طمر يوماً، وكان عمره أربع سنوات، ورقة في التراب وانتظر أن تنبت.
في العاشرة من عمره وقع جبران عن إحدى صخور وادي قاديشا وأصيب بكسر في كتفه اليسرى، عانى منه طوال حياته.
لم يكف العائلة ما كانت تعانيه من فقر وعدم مبالاة من الوالد، حتى جاء الجنود العثمانيون عام (1891) وألقوا القبض عليه أودعوه السجن بسبب سوء إدارته الضرائب التي كان يجيبها. أدين، وجرد من كل ثرواته وباعوا منزلهم الوحيد، فاضطرت العائلة إلى النزول عند بعض الأقرباء ولكن الوالدة قررت ان الحل الوحيد لمشاكل العائلة هو الهجرة إلى الولايات المتحدة الإميركية سعيا وراء حياة أفضل.

العودة إلى لبنان

قررت عائلة جبران وخصوصا أمه أن الشهرة المبكرة ستعود عليه بالضرر، وانه لا بد أن يعود إلى لبناناللغة العربية.. وكان قد أثار تردد جبران المتزايد إلى أوساط "داي"، الذي لم تكن سمعته تدعو للارتياح، قلق الأسرة. وازدادت الأمور سوءاً بعد أن وقع في شراك زوجة تاجر في الثلاثين من عمرها، وغيابه المتكرر عن البيت ليلاً. وكان قد فتن قبلها بامرأة أخرى... وفكرت كاملة بإعادة ابنها المراهق إلى لبنان. فلم يعترض جبران فعاد إلى بيروت وهو يتكلم لغة إنكليزيةالعربية أيضا. لمتابعة دراسته وخصوصا من أجل إتقان ضعيفة، ويكاد ينسى
رحل إلى بيروت في 30 آب 1898. كان بين أمتعته الأناجيل وكتاب لتوماس بلفنيتش في الميثولوجيا اكتشف فيه الفنان الناشئ جبران دراما بروميثيوس، وأسطورة أورفيوس، والنبي الفارسي زرادشت، والفلسفة الفيثاغورسية، والأساطير الهندية...
هرع جبران فوراً إلى بشري، وحضن أبيه، وتوافد الأقارب والأصدقاء لرؤية "الأمريكي". كان بينهم أستاذه الشاعر والطبيب سليم الضاهر، الذي نصحه بمتابعة دروسه في "كوليج دو لا ساجيس"، التي بقي فيها زهاء ثلاث سنوات. ورغم تأخره في [العربية الفصحى، "طلب" الفتى قبوله في صف أعلى وعدم سؤاله قبل ثلاثة أشهر. وقبل القيمون "شروط" جبران، الذي أعجبتهم جرأته وقوة شخصيته. كان من بين أساتذته الأب يوسف حداد، الشاعر والكاتب المسرحي الذي اكتشف برفقته كنوز اللغة العربية، وابن خلدون، والمتنبي، وابن سينا، والشعراء الصوفيين. وبدأ يجيد التعبير عن أفكاره بلغته الأم، وكتب أولى نصوصه بالعربية. وتعلم الفرنسية وأخذ يقرأ آدابها. ويتذكر جبران أن تلك المدرسة كانت صارمة؛ وأنه لم يكن يمتثل لمعلميه؛ وأنه كان أقل تعرضاً للعقاب من بقية التلاميذ، لأنه كان يدرس كثيراً. كان في الصف يسرح في فكره دائماً، ويرسم، ويغطي كتبه ودفاتره برسوم كاريكاتورية لأساتذته. كان جبران في نظر رفاق الصف غريباً، بشعره الطويل الذي يرفض قصه، ومواقفه غير المألوفة.
في بداية العام 1900، مع مطلع القرن الوليد، تعرف جبران على يوسف الحويك واصدرا معا مجلة المنارة وكانا يحررانها سوية فيما وضع جبران رسومها وحده. وبقيا يعملان معا بها حتى أنهى جبران دروسه بتفوق واضح في العربية والفرنسية والشعر (1902) وكان في عام 1901 تم اختيار إحدى قصائده لنيل الجائزة التقديرية. وكان يتوق بحماس لنيل هذه الجائزة، لأن التلميذ الممتاز في هذه المدرسة هو الأكثر موهبة في الشعر، كما قال.

عودته إلى أمريكا.. والمآسي في انتظاره:

وقد وصلته أخبار عن مرض أفراد عائلته، فيما كانت علاقته مع والده تنتقل من سيء إلى أسوأ فغادر لبنان عائدا إلى بوسطن، ولكنه لسوء حظه وصل بعد وفاة شقيقته سلطانة. وخلال بضعة أشهر كانت أمه تدخل المستشفى لإجراء عملية جراحية لاستئصال بعض الخلايا السرطانية. قرر شقيقه بطرس ترك المحل التجاري والسفر إلى كوبا. وهكذا كان على جبران أن يهتم بشؤون العائلة المادية والصحية. ولكن المآسي تتابعت بأسرع مما يمكن احتماله. فما لبث بطرس أن عاد من كوبا مصابا بمرض قاتل هو (السل) وقضى نحبه بعد أيام قليلة في 12 آذار 1903 فيما فشلت العملية الجراحية التي أجرتها الوالدة في استئصال المرض وقضت نحبها في 28 حزيران من السنة نفسها.
إضافة إلى كل ذلك كان جبران يعيش أزمة من نوع آخر، فهو كان راغبا في إتقان الكتابة باللغة الإنكليزية، لأنها تفتح أمامه مجالا أرحب كثيرا من مجرد الكتابة في جريدة تصدر بالعربية في أميركا كالمهاجر ولا يقرأها سوى عدد قليل من الناس. ولكن انكليزيته كانت ضعيفة جدا. ولم يعرف ماذا يفعل، فكان يترك البيت ويهيم على وجهه هربا من صورة الموت والعذاب. وزاد من عذابه أن الفتاة الجميلة التي كانت تربطه بها صلة عاطفية، وكانا على وشك الزواج في ذلك الحين جوزيفين بيبادي، عجزت عن مساعدته عمليا، فقد كانت تكتفي بنقد كتاباته الإنكليزية ثم تتركه ليحاول إيجاد حل لوحده. في حين أن صديقه الآخر الرسام هولاند داي لم يكن قادرا على مساعدته في المجال الأدبي كما ساعده في المجال الفني.
مع فجر القرن العشرين، كانت بوسطن، التي سميت أثينا الأمريكية، مركزاً فكرياً حيوياً اجتذب فنانين مشهورين وواعدين. وكان بعضهم راغباً في الخروج من معاقل المادية للبحث عن سبل فنية جديدة واستكشاف ميثولوجيا وحضارات الشرق بل وعلومه الباطنية والروحية. وغاص جبران في هذا المجتمع البوسطني الذي تزدهر فيه حركات صوفية كان أبلغها تأثيراً الحكمة الإلهية التي أنشأتها عام 1875هيلينا بتروفنا بلافاتسكي التي اطلعت على تراث الهند، والتيبت وشجعت نهضة البوذية والهندوسية. وشيئاً فشيئاً، اتضح له أن الروحانية الشرقية التي تسكنه يمكن أن تجد تربة خصبة في هذه البيئة المتعطشة للصوفية.... الأرستقراطية الروسية
في 6 كانون الثاني 1904، عرض "داي" على جبران عرض لوحاته في الربيع القادم. لم يكن أمامه سوى أربعة أشهر. وبتأثيرات من عالم "وليم بليك"، أنجز رسوماً عديدة تفيض بالرمزية. اجتذبت أعماله كثيراً من الفضوليين، ولكن قليلاً من الشارين. وعبر عدد من النقاد عن إعجابهم بها.
قدمته جوزفين إلى امرأة من معارفها اسمها ماري هاسكل (1904)، فخطّت بذلك صفحات مرحلة جديدة من حياة جبران.
كانت ماري هاسكل امرأة مستقلة في حياتها الشخصية وتكبر جبران بعشر سنوات، وقد لعبت دورا هاما في حياته منذ أن التقيا. فقد لاحظت أن جبران لا يحاول الكتابة بالإنكليزية، بل يكتب بالعربية أولا ثم يترجم ذلك. فنصحته وشجعته كثيرا على الكتابة بالإنكليزية مباشرة. وهكذا راح جبران ينشر كتاباته العربية في الصحف أولا ثم يجمعها ويصدرها بشكل كتب، ويتدرب في الوقت نفسه على الكتابة مباشرة بالإنكليزية.
عزم جبران على البحث عن عمل أكثر ربحاً من الرسم. ولما علم بأن شاباً لبنانياً يدعى "أمين غريّب" أصدر صحيفة بالعربية في نيويورك اسمها "المهاجر"، تقرب منه وأطلعه على رسومه وكتاباته وقصائده. قبل "غريب" مقابل دولارين في الأسبوع لجبران. وظهرت أول مقالة له في "المهاجر" بعنوان "رؤية". كان نصاً مفعماً بالغنائية أعطى الكلام فيه لـ "قلب الإنسان، أسير المادة وضحية قوانين الأنام".
وفي 12 تشرين الثاني 1904، احترق مبنى معرض "داي"، وأتى على موجوداته كلها، بما في ذلك رسوم جبران. وتحت صدمة الحريق، الذي وصفه بأنه مشهد جديد من التراجيديا التي يعيشها منذ سنتين، أصبح جبران يكتب أكثر مما يرسم. وخصه "أمين غريب" بزاوية منتظمة بعنوان "أفكار"، ثم استبدله بعنوان "دمعة وابتسامة"، حيث راح جبران يتحدث عن المحبة، والجمال والشباب والحكمة. ونشرت له "المهاجر" عام 1905 كتاباً بعنوان "الموسيقى".

باريس.. مرحلة جديدة :

كانت باريس في بدايات القرن العشرين حلم فناني العالم كله. بعد وصوله إليها بوقت قصير، أقام في "مونبارناس"، وسرعان ما انتسب إلى "أكاديمية جوليان"، أكثر الأكاديميات الخاصة شعبية في باريس، التي تخرج منها فنانون كبار، "ماتيس"، و"بونار"، و"ليجيه"... وانتسب كطالب مستمع إلى "كلية الفنون الجميلة". أوقات فراغه، كان جبران يقضيها ماشياً على ضفاف نهر السين ومتسكعاً ليلاً في أحياء باريس القديمة. بعد أن ترك باريس لاحقاً، قال لصديقه "يوسف حويك" الذي عاش معه سنتين في مدينة النور: "كل مساء، تعود روحي إلى باريس وتتيه بين بيوتها. وكل صباح، أستيقظ وأنا أفكر بتلك الأيام التي أمضيناها بين معابد الفن وعالم الأحلام...".
لم يستطع جبران البقاء طولاً في "أكاديمية جوليان"، حيث وجد أن نصائح أستاذه فيها لم تقدم له أية فائدة. من المؤكد أن أسلوبه لم يستطع إرضاء روح جبران الرومانسية. في بداية شباط 1909، عثر الفنان على أستاذ جديد: "بيير مارسيل بيرونو"، "الفنان الكبير والرسام الرائع والصوفي.."، حسب عبارة جبران. لكنه تركه أخيراً، بعد أن نصحه الفنان الفرنسي بالانتظار والتمهل حتّى ينهي كل قاموس الرسم، فجبران نهم إلى المعارف والإبداع وراغب في حرق المراحل...
تردد حينذاك إلى أكاديمية "كولاروسي"، المتخصصة في الرسم على النموذج، والتي كانت تستقبل فنانين أجانب، غير أن جبران كان يفضل العمل وحيداً وبملء الحرية في مرسمه، وزيارة المعارض، والمتاحف، كمتحف اللوفر، الذي كان يمضي ساعات طويلة في قاعاته الفسيحة. وأعطى دروساً في الرسم لبعض الطلبة. وانخرط في مشروع طموح: رسم بورتريهات شخصيات شهيرة، وقد ابتدأها بالنحات الأمريكي "برتليت"، دون أن نعرف بدقة إن كان قد التقى بهؤلاء.
في هذه الأثناء، توفي والده. وكتب إلى ميري هاسكل يقول: "فقدت والدي.. مات في البيت القديم، حيث ولد قبل 65 سنة.. كتب لي أصدقاؤه أنه باركني قبل أن يسلم الروح. لا أستطيع إلاّ أن أرى الظلال الحزينة للأيام الماضية عندما كان أبي، وأمي وبطرس وكذلك أختي سلطانة يعيشون ويبتسمون أمام وجه الشمس...".
كان جبران دائم الشك، طموحاً، ومثالياً، متصوراً أنه يستطيع إعادة تكوين العالم، وسعى إلى إقناع الآخرين بأفكاره ونظرياته حول الفن، والطبيعة...، وقلقاً، وكثير التدخين، وقارئاً نهماً، وقد أعاد قراءة "جيد" و"ريلكه" و"تولوستوي" و"نيتشه"، وكتب نصوصاً بالعربية وصفها المحيطون به بأنها "حزينة ووعظية".
في ذلك الوقت، قدم إلى باريس عدد كبير من دعاة الاستقلال السوريين واللبنانيين، المطالبين بحق تقرير المصير للبلدان العربية الواقعة تحت النير العثماني. وظهرت فيها جمعيات سرية تطالب بمنح العرب في الإمبراطورية العثمانية حقوقهم السياسية وبالاعتراف بالعربية لغة رسمية... وتردد جبران إلى هذه الأوساط وتشرب بأفكارها. ورأى أن على العرب أن يثوروا على العثمانيين وأن يتحرروا بأنفسهم.
رغب جبران في التعريف بفنه. ونجح في الوصول إلى أشهر معارض باريس السنوية، معرض الربيع، حيث استطاع أن يعرض لوحة عنوانها "الخريف"، آملاً أن يمر بها "رودان العظيم" فيعجب بها ويثمنها. جاء الفنان الفرنسي، ووقف لحظة أمامها، وهز رأسه، وتابع زيارته. بعد ذلك، راح يهيئ اللوحات التي دعي لعرضها في معرض الاتحاد الدولي للفنون الجميلة في باريس الذي دعي إليه بشكل رسمي. إلاّ أن عدم الاستقرار أتعبه، فتخلى عن المشروع ليترك باريس ولم تتسن له بعد ذلك العودة قط إلى مدينة الجمال والفنون، ولا إلى مسقط رأسه لبنان. ولم تأته فرصة لرؤية إيطاليا التي طالما حلم بزيارتها.

غادر باريس ليعود إلى بوسطن:

عام 1908 غادر جبران إلى باريس لدراسة الفنون وهناك التقى مجددا بزميله في الدراسة في بيروت يوسف الحويك. ومكث في باريس ما يقارب السنتين ثم عاد إلى أميركا بعد زيارة قصيرة للندن برفقة الكاتب أمين الريحاني.
وصل جبران إلى بوسطن في كانون الأول عام 1910، حيث اقترح على ماري هاسكل الزواج والانتقال إلى نيويورك هربا من محيط الجالية اللبنانية هناك والتماسا لمجال فكري وأدبي وفني أرحب. ولكن ماري رفضت الزواج منه بسبب فارق السن، وان كانت قد وعدت بالحفاظ على الصداقة بينهما ورعاية شقيقته مريانا العزباء وغير المثقفة.
وهكذا انتقل جبران إلى نيويورك ولم يغادرها حتى وفاته. وهناك عرف نوعا من الاستقرار مكنه من الانصراف إلى أعماله الأدبية والفنية فقام برسم العديد من اللوحات لكبار المشاهير مثل رودان وساره برنار وغوستاف يانغ وسواهم.

ماري العزيزة:

حال وصوله إلى بوسطن في بداية تشرين الثاني، هرع لرؤية أخته "مارينا". ثم مضى للقاء "ميري"، التي أعلمته على الفور ـ حرصاً منها على إبقاء الفنان تحت رعايتها ـ بأنها مستعدة للاستمرار في منحه الخمسة وسبعين دولاراً التي كانت تقدمها له إبان إقامته الباريسية. ونصحته باستئجار بيت أوسع لممارسة فنه بحرية. وساعدته في تحسين لغته الإنكليزية. وتعززت صداقتهما. وفي 10 كانون الأول، زارها في بيتها لمناسبة عيد ميلادها السابع والثلاثين، وعرض عليها الزواج. لكنها رفضت بحجة أنها تكبره بعشر سنوات. وكتب لها فيما بعد أنها جرحته بهذا الرفض. وقررت "ميري" أن تتراجع وتقبل. ثم عادت فرفضت مرة أخرى.. ربما بسبب علاقاته مع نساء أخرىات، أو لخوفها من الزواج بأجنبي. وسعى جبران بعد ذلك لإغراق خيبة أمله في العمل. وسرعان ما شعر بأن بوسطن مدينة باردة وضيقة وأنها أصغر من طموحاته الفنية، خصوصاً بعد تلك الإقامة في باريس الرحبة والدافئة، عدا الجرح الذي تركته فيه "ميري". وقرر المغادرة إلى نيويورك. حزم حقائبه غير آسف، حاملاً معه طوطة "الأجنحة المتكسرة" ونسخة من "هكذا تكلم زرادشت" لنيتشه.
نيويورك :

قال الشاعر والكاتب الفرنسي "بول كلودل" بعد وصوله إلى نيويورك عام 1838: " بالنسبة للغريب الذي يقع هنا، جاهلاً كل شيء ودواعي كل شيء، تكون أيامه الأولى مذهلة..". إلاّ أن جبران فهمها فوراً: "نيويورك ليست مكاناً يمكن أن يجد فيه المرء راحة". بدأ إقامته بزيارة متحف "متروبوليتان ميوزم أف آرت"، الذي خرج منه مندهشاً. تعرف إلى الجالية اللبنانية، وبعض مشاهير نيويورك. في هذه الأثناء، جاءت "ميري" إلى نيويورك ووجدته يرسم لوحة "إيزيس". زارا بعض المتاحف والأوابد. وبعد ذلك، عادا معاً إلى بوسطن، حيث تهيأت الصديقة لقضاء عطلة في غرب البلاد. وعرضت حينذاك على جبران مبلغ خمسة آلاف دولار دفعة واحدة بدلاً من المبالغ الصغيرة المتقطعة. قبل بالعرض وألح بأن يوصي لها بكل ما يملك، عرفاناً بجميلها. وكتب وصية أدهشت أصدقاءه. أوصى بكل لوحاته ورسومه إلى "ميري" أو إن كانت متوفاة، إلى "فرد هولاند داي" وبمخطوطاته الأدبية إلى أخته وبكتبه في لبنان إلى مكتبة بشري.
استغل جبران الصيف لإنهاء "الأجنحة المتكسرة" وروتشة لوحة "إيزيس"، وبدأ برسم لوحات جديدة، وزين بالرسوم كتاباً لأمين الريحاني، وكتب مقالتين، إحداهما بعنوان "العبودية"، حيث يندد بالعبودية التي تقود شعباً وفقاً لقوانين شعب آخر، والأخرى بعنوان "أبناء أمي" يتمرد فيها على مواطنيه الذين لا يثورون في وجه المحتل. وحضر محاضرة للشاعر والكاتب المسرحي الإيرلندي "وليم ييتس" (جائزة نوبل 1923)، وتعارفا والتقيا مراراً.
في 18 تشرين الأول عاد جبران إلى نيويورك وأقام في مبنى "تنث ستريت ستوديو" المخصص للفنانين. في هذه السنة نشر روايته "الأجنحة المتكسرة"، أكثر أعماله رومانسية، والتي أنبأت بأسلوبه وفكره المستقبليين.
في 15 نيسان 1912، هزت العالم حادثة غرق الـ "تيتانيك"، التي كان على متنها مئات الأشخاص، بينهم 85 لبنانياً، غرق 52 منهم. كانت الكارثة صدمة بالنسبة لجبران، الذي عز عليه النوم تلك الليلة. في اليوم نفسه، التقى بعبد البهاء، ابن بهاء الله مؤسس حركة البهائية الروحية في إيران، ودعاه لإلقاء خطاب أمام أعضاء "الحلقة الذهبية" حول وحدة الأديان.
في بداية الخريف، التقى جبران بالكاتب والروائي الفرنسي "بيير لوتي"، الذي جاء إلى نيويورك لحضور عرض مسرحية "بنت السماء" التي ألفها مع ابنة الأديب والشاعر الفرنسي "تيوفيل غوتيه". وقد عبر له "لوتي" عن قرفه من صخب أمريكا وقدم له نصيحة: "أنقذ روحك وعد إلى الشرق؛ مكانك ليس هنا‍‍!".
كيف يمكننا تصور جبران في هذه الفترة من حياته؟ كانت له ملامح أهل قريته: وجه ملوح بالسمرة، وأنف بارز، وشارب أسود وكثيف، وحاجبان مقوسن كثان، وشعر معقوص قليلاً، وشفتان ممتلئتان؛ وجبين عريض مهيب مثل قبة، وعينان يقظتان تنمان عن ذكاء هذا الشخص قصير القامة ذي الابتسامة المشرقة الموحية ببراءة الأطفال؛ "مكهرِب، ومتحرك كاللهب" (ميري)؛ وطبيعة هي أقرب إلى الحزن؛ محب للانعزال ("الوحدة عاصفة صمت تقتلع كل أغصاننا الميتة")، ويجد لذة في العمل؛ أنوف، وبالغ الحساسية، ولا يتسامح مع أي نقد؛ مستقل وثائر بطبيعته، يأبى الظلم بأي شكل.
كان يدخن كثيراً: "اليوم ـ كتب إلى ميري ـ، دخنت أكثر من عشرين سيجارة. التدخين بالنسبة لي هو متعة وليس عادة مستبدة...". وليلاً، كي يبقى متنبهاً ويستمر في عمله، كان يتناول القهوة القوية ويأخذ حماماً بارداً. إلا أن أسلوب الحياة إياه بدأ ينهك جسمه ويضفي عليه ملامح الكبر.
في العام 1913، التقى بعدد من مشاهير عالم الفن النيويوركيين، مثل الشاعر "ويتر بوينر". وفي شباط، تخلى لـ "ميري" عن مجموعة من لوحاته وفاء للدين، متمنياً أن يتخلص من هذا الوضع الذي كان يضايقه. وعاد إلى إكمال مجموعة بورتريهاته، مخصصاً إحداهاللمخترع الأمريكي "توماس إديسون" وأخرى لعالم النفس السويسري "كارل غوستاف يونغ" الذين قبلا الجلوس ليرسمهما جبران. والتقى بالفيلسوف الفرنسي "هنري برجسون" الذي وعده بأن يسمح له برسمه في باريس، معتذراً آنئذ بسبب الإنهاك من السفر، وبالممثلة الفرنسية "ساره برنهاردت": "باختصار، كانت لطيفةـ يؤكد جبران. حدثتني بفرح غامر عن أسفارها إلى سورية ومصر، وأخبرتني أن أمها كانت تتكلم العربية وأن موسيقى هذه اللغة كانت وما تزال حية في نفسها". وقبلت أن تجلس ليرسمها، ولكن عن بعد "كي لا تظهر ملامح وجهها". كانت قد أصبحت في عامها التاسع والستين.
في نيسان 1913، ظهرت في نيويورك مجلة "الفنون"، التي أسسها الشاعر المهجري الحمصي نسيب عريضة. ونشر فيها جبران مقالات متنوعة جداً وقصائد نثرية. ووقع فيها على دراسات أدبية كرسها لاثنين من كبار الصوفيين، الغزالي وابن الفارض، الذين تأثر بأفكارهما.
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar] 2394e3d386baa529.jpg
الأديبة ماري زيادة

"مي" هو الاسم الذي اختارته تلك المرأة القلقة، التي تبدو، كالبحر، تارة هادئة وشفافة، وأخرى ثائرة. ولدت عام 1886، من أب لبناني وأم فلسطينية. رحلت أسرتها عام 1908 إلى القاهرة. أتقنت لغات عدة، وأظهرت مواهب استثنائية في النقد والأدب والصحافة. حولت دارتها في القاهرة إلى صالون أدبي، وراحت تستقبل فيها كبار الأدباء والمثقفين، كـ طه حسين وعباس محمود العقاد ويعقوب صروف. اكتشفت جبران عام 1912، عبر مقالته "يوم مولدي" التي ظهرت في الصحافة. وأسرها أسلوبه. وقرأت "الأجنحة المتكسرة" وخالفته في رأيه للمرأة في هذه الرواية. تراسلا، وتبادلا في رسائلهما الإطراء وتحدثا عن الأدب. روى لها همومه اليومية، وطفولته وأحلامه وأعماله. وانعقدت بينهما علاقة ألفة وحب. وطلب منها عام 1913 تمثيله وقراءة كلمته في حفل تكريم شاعر القطرين خليل مطران. كانت "مي" حساسة جداً وحالمة. ولما انقطعت رسائل جبران عقب قيام الحرب العالمية الأولى، تعلقت بذكرى مراسلها البعيد ورفضت كل الطامحين إلى الزواج منها. وتمنت في مقالة لها أن تكون بقرب ذلك الوجه الذي يمنع البعاد رؤيته.
لم يلتقيا قط، غير أن الكاتبين شعرا أنهما قريبان أحدهما من الآخر، وأحس أن "خيوطاً خفيفة" تربط بين فكرهما وأن روح "مي" ترافقه أينما اتجه.
في عام 1921، أرسلت له صورتها، فأعاد رسمها بالفحم. واكتشف بسعادة أنها امرأة مليئة الوجه، ذات شعر بني قصير، وعينين لوزيتي الشكل يعلوهما حاجبان كثان، وشفتين ممتلئتين. وجد في نظرتها البراقة شيئاً معبراً يجتذبه، وفي ملامحها بعضاً من الذكورة، صرامةً كامنة تضفي عليها مزيداً من الجاذبية: "مي" تجسد الأنوثة الشرقية. كان في هذه المرأة كل ما يعجبه، غير أنها بعيدة جداً. ولم يكن يشعر أنه مهيأ بعد لترك أمريكا فيتخلى عن حريته. هذا الحب الروحي، الفكري، أعجبه. ولكن هل فكر بمجرد ما لكماته من وقع على قلب مراسلته؟.
في عام 1923، كتب لها يقول دون كلفة: "أنت تعيشين فيّ وأنا أعيش فيك، تعرفين ذلك وأعرفه". كانت "مي"، كلما بدت عبارات مراسلها أكثر جرأة أو شابها بعض سخرية من تعبير اختارته دون قصد منها، تلجأ إلى "مقاطعته" وتلوذ بصمت يستمر أشهراً أحياناً. مشاعرها الحقيقية كانت تبوح بها في مقالاتها. وإن كانت قد خصت أعماله بمقالات نقدية مدحية، فقد نهرته في أخرى. وفي مقالة بعنوان "أنت، الغريب"، عبرت عن كل هواها نحو "ذاك الذي لا يعرف أنها تحبه" و"الذي تبحث عن صوته بين كل الأصوات التي تسمعها".
في رسالة له عام 1924، عبرت له "مي" عن خوفها من الحب. ورد عليها جبران: ".. هل تخافين ضوء الشمس؟ هل تخشين مد البحر وجزره؟...". فاجأه موقفها. وبدا أنه اختار التراجع لإنقاذ حريته أو وقته، مفضلاً عدم الانطلاق في علاقة قد تتطلب منه ومنها تضحيات كبيرة. أدركت "مي" حينذاك، بمرارة، سوء التفاهم بين رغبتها وفكرة جبران عن علاقتهما. وأسفت أنها كانت على هذا القدر من الصراحة والمباشرة. وصمتت ثمانية أشهر، رآها جبران "طويلة كأنها أزل".
رغم كل شيء استمرت مراسلاتهما متباعدة، حتى وفاة جبران لتبقى واحدة من الأخصب والأجمل في الأدب العربي.

الحرب الكبرى :

أقلقت الحرب جبران رغم بعده عن ساحات المعارك بآلاف الكيلومترات. وجعله الوضع في لبنان مضطرباً: استولت السلطات العثمانية على كل موارد البلد، وصادرت الماشية، وانتشرت المجاعة، وقمع المعارضون وعلق جمال باشا السفاح مشانق الوطنيين اللبنانيين والعرب في الساحات العامة. وشعر بالذنب لبعده عن "أولئك الذين يموتون بصمت". ولم يتردد في قبول منصب أمين سر لجنة مساعدة المنكوبين في سوريا وجبل لبنان. وساهم بمشاركة الجالية السورية ـ اللبنانية في بوسطن ونيويورك في إرسال باخرة مساعدات غذائية إلى مواطنيه.
دفع هذا النشاط بعض الكتاب لأن يجعلوا من جبران أيديولوجياً وصاحب نظرية سياسية، غير أنه لم يكن من ذلك في شيء. وقد رد على من حضه للقيام بدور الزعيم السياسي بالقول: "لست سياسياً، ولا أريد أن أكون كذلك". كان دافعه هو حس المسؤولية وتلبية نداء الواجب. كان همه إنسانياً، تحرير الوضع البشري من كل عبودية.

الحقيقة وبس
06-08-2011, 19:27
أدبـــــــــه :
كان في كتاباته اتجاهين، أحدهما يأخذ بالقوة ويثور على العقائد والدين، والآخر يتتبع الميول ويحب الاستمتاع بالحياة.
أبطأ هذا النشاط الإنساني والأخبار المأساوية التي توافدت عليه من أوروبا والمشرق نتاجه الأدبي. صحيح أنه نشر عام 1914 مجموعته "دمعة وابتسامة"، غير أنها لم تكن سوى جمع لمقالات بالعربية (56 مقالة) نشرت في "المهاجر"، وكان هو نفسه قد تردد في نشرها. كانت ذات نفحة إنسانية وضمت تأملات حول الحياة، والمحبة، والوضع في لبنان وسورية، وقد اتخذت شكل القصيدة المنثورة، الأسلوب غير المعروف في الأدب العربي، وقد كان رائده.
في هذه الفترة تقريباً، شعر بالحاجة للكتابة بالإنكليزية، هذه اللغة التي يمكن أن تفتح له الكثير من الأبواب وتمكنه من ملامسة الجمهور الأمريكي. قرأ "شكسبير" مرة أخرى، وأعاد قراءة الكتاب المقدس مرات عدة بنسخة "كينغ جيمس"... كانت إنكليزيته محدودة جداً، غير أنه عمل طويلاً وبجد حتى أتقن لغة شكسبير ولكن دون أن يتخلى عن لغته الأم: "بقيت أفكر بالعربية". ".. كان غنى العربية، التي أولع بها، يدفعه دائماً إلى سبر الكلمة التي تتوافق بأفضل شكل مع مثيلتها في الإنكليزية، بأسلوب بسيط دائماً..."، كما ذكرت مساعدته بربارة يونغ.
من أين يبدأ؟ كان أمامه مشروع "النبي"، الذي نما معه منذ الطفولة. سار العمل بطيئاً جداً. أراد أخيراً أن يجد موضوعاً يستقطب أفكاره ولغته الثانية. وفكر جبران: ما الذي يمكن، مع الإفلات من العقاب، أن يكشف حماقة الناس وجبنهم وينتزعه حُجُب المجتمع وأقنعته؟. المجنون. أغرته الفكرة. لم ينس "قزحيّا" في الوادي المقدس وتلك المغارة التي كانوا يقيدون فيها المجانين لإعادتهم إلى صوابهم، كما كانوا يعتقدون. في "يوحنا المجنون"، كان قد كتب يقول إن "المجنون هو من يجرؤ على قول الحقيقة"، ذاك الذي يتخلى عن التقاليد البالية والذي "يصلب" لأنه يطمح إلى التغيير. برأيه، "أن الجنون هو الخطوة الأولى نحو انعدام الأنانية... هدف الحياة هو تقريبنا من أسرارها، والجنون هو الوسيلة الوحيدة لذلك". وهكذا، عنوان كتابه القادم: (بالإنجليزية: The Madman‏). وبقي أن يكتبه.
في هذه الأثناء، شارك في مجلة جديدة، The Seven Arts¡ التي كان ينشر فيها كتاب مشهورون، مثل جون دوس باسوس وبرتراند راسل، ومن خلالها أضحى مشهوراً في الأوساط الفنية النيويوركية، حيث نشر رسومه ونصوصه الأولى بالإنكليزية.
كانت فترة 1914 ـ 1916 غنية باللقاءات: تردد جبران إلى صالونات المجتمع الراقي الذي كانت تديره نساء متنفذات. تعرف إلى الفنانة الشهيرة "روز أونيل"، وعمدة نيويورك، والشاعرة "آمي لويل"، والرسام الرمزي "ألبرت رايدر". ودعي عدة مرات إلى Poetry Society of America¡ التي ألقى فيها مقتطفات من كتاب Madman¡ الذي كان بصدد تأليفه، أمام حضور منتبه.
في خريف 1916، التقى مرة أخرى بمخائيل نعيمة، الذي ألف فيه كتاباً، جبران خليل جبران". كان "نعيمة" يدرس في روسيا قبل أن يتوجه إلى الولايات المتحدة، حيث درس أيضاً القانون والآداب. كتب كلاهما في "الفنون"، وكلاهما آمنا بالتقمص، وناضل كلاهما من أجل تحرير بلدهما عبر لجنة المتطوعين، جبران كمسؤول عن المراسلات بالإنكليزية ونعيمة كمسؤول عن المراسلات بالعربية.
في كانون الأول 1916، التقى أخيراً بـ "رابندراناته طاغور"، الشاعر الهندي الشهير، المتوج بجائزة نوبل في الآداب لعام 1913. وكتب إلى "ميري" في وصفه قائلاً: "حسن المنظر وجميل المعشر. لكن صوته مخيِّب: يفتقر إلى القوة ولا يتوافق مع إلقاء قصائده...". بعد هذا اللقاء، لم يتردد صحفي نيويوركي في عقد مقارنة بين الرجلين: كلاهما يستخدمان الأمثال في كتاباته ويتقنان الإنكليزية واللغة الأم. وكل منهما فنان في مجالات أخرى غير الشعر".
مع اقتراب الحرب من نهايتها، أكب جبران أكثر على الكتابة. ألف مقاطع جديدة من "النبي"، وأنهى كتابه "المجنون"، التي اشتملت على أربعة وثلاثين مثلاً (قصة قصيرة رمزية) وقصيدة. أرسلها إلى عدة ناشرين، لكنهم رفضوها جميعاً بحجة أن هذا الجنس الأدبي "لا يباع". لكنه وجد ناشراً أخيراً، وظهر العمل عام 1918 مزيناً بثلاثة رسوم للمؤلف. وكان جبران قد كتب بعض نصوصه بالعربية أصلاً، ثم ترجمها إلى الإنكليزية. ويروي فيه حكاية شخص حساس ولكن "مختلف"، يبدأ بإخبارنا كيف أصبح مجنوناً. "... في قديم الأيام قبل ميلاد كثيرين من الآلهة نهضت من نوم عميق فوجدت أن جميع براقعي قد سرقت... فركضت سافر الوجه في الشوارع المزدحمة صارخاً بالناس: "اللصوص! اللصوص! اللصوص الملاعين!" فضحك الرجال والنساء مني وهرب بعضهم إلى بيوتهم خائفين مذعورين... هكذا صرت مجنوناً، ولكني قد وجدت بجنوني هذا الحرية والنجاة معاً...". تميز أسلوب جبران في "المجنون" بالبساطة واللهجة الساخرة والمرارة، وشكل هذا العمل منعطفاً في أعمال الكاتب، ليس فقط لأنه أول كتاب له بالإنكليزية، بل لما فيه من تأمل وسمو روحي. وأرسل نسخة منه إلى "مي زيادة"، التي وجدته سوداوياً ومؤلماً. وأرسل نسخة أخرى إلى جيرترود باري، حبيبته الخبيئة. ربما أخفى جبران هذه العلاقة كي لا يجرح "ميري" ومن أجل أن لا تمس هذه العلاقة اللاأفلاطونية صورته الروحية. كان لجبران علاقات غير محددة، أفلاطونية وجسدية: جيرترود شتيرن التي التقاها عام 1930 واعتبرت نفسها حبه الأخير، وماري خواجي وماري خوريط، وهيلينا غوستين التي أكدت، كما فعلت "شارلوت" و"ميشلين" بأن جبران "زير نساء"، وقد روت، مازحةً ومداعبة، أنه طلب منها ذات مرة أن تشتري له مظلة ليقدمها إلى شقيقته "ماريانا"، لكنها اكتشفت بعد حين أنه قد أهداها لامرأة أخرى. هذه المغامرات عاشها جبران سراً, إما حفاظاً على سمعة تلك العشيقات أو خوفاً من تشويه الصورة التي كان يريد أن يعطيها حول نفسه: صورة الناسك، صورة الكائن العلوي، عاشق الروح وليس الجسد.
في تشرين الثاني 1918، أعلن الهدنة أخيراً. وكتب جبران إلى "ميري" يقول: "هذا أقدس يوم منذ ميلاد اليسوع!".
في أيار 1919، نشر جبران كتابه السادس بالعربية، "المواكب". كان قصيدة طويلة من مائتين وثلاثة أبيات فيها دعوة للتأمل، كتبها على شكل حوار فلسفي بصوتين: يسخر أحدهما من القيم المصطنعة للحضارة؛ ويغني الآخر، الأكثر تفاؤلاً، أنشودةً للطبيعة ووحدة الوجود. وقد تميز الكتاب بتعابيره البسيطة والصافية والتلقائية.
في نهاية عام 1919، نشر مجموعة من عشرين رسماً تحت عنوان (بالإنجليزية: Twenty Drawings‏). وقد أدخل الناشر إلى مقدمتها نصاً للناقدة الفنية أليس رافائيل إكستين، حيث جاء فيها أن جبران "يقف في أعماله الفنية عند الحدود بين الشرق والغرب والرمزية والمثالية". وقد قيل إن "جبران يرسم بالكلمات"، إذ يبدو رسمه في الواقع تعبيراً دقيقاً عن أفكاره.

منتدى الشعراء المنفيين :
في ليلة 20 نيسان 1920، رأى الكتاب السوريون واللبنانيون في اجتماع لهم في نيويورك أنه يجب التصرف من أجل "إخراج الأدب العربي من الموحل، أي الركود والتقليد الذي غاص فيهما". يجب حقنه بدم جديد. وقرر المشاركون تأسيس تنظيم يتمحور حول الحداثة ويكرس لجمع الكتاب وتوحيد جهودهم لخدمة الأدب العربي. وجد جبران الفكرة ممتازة ودعا الأعضاء للاجتماع عنده بعد أسبوع لاحق.
اجتمعوا في 28 التالي وحددوا أهداف التنظيم الذي أسموه "الرابطة القلمية"، التي ضمت جبران، و"إيليا أبو ماضي" و"ميخائيل نعيمة" و"عبد المسيح حداد" صاحب مجلة "السايح" وآخرين، في نشر أعمال أعضائها وأعمال الكتاب العربي الآخرين وتشجيع تعريب أعمال الأدب العالمي، فضلاً عن أهداف أخرى. انتخب جبران رئيساً، وميخائيل نعيمة أميناً للسر.
بقيت الرابطة تجتمع دورياً تقريباً حتى وفاة جبران. نشر الأعضاء مقالات في مجلة "السايح" وكرسوا عدداً في العام للمختارات. وأضحت الرابطة بأفكارها المتمردة رمزاً لنهضة الأدب العربي. رأى جبران أنه لن يكون للغته العربية مستقبل إذا لم تتحرر من القوالب القديمة ومن "عبودية الجمل الأدبية السطحية"، وإذا لم تتمكن من إرساء حوار حقيقي مع الغرب وتتمثل تأثير الحضارة الأوروبية دون أن تجعلها تهيمن عليها.
في آب 1920، أصدرت منشورات الهلال القاهرية مجموعة تضم 31 مقالة لجبران كانت قد ظهرت في صحف مختلفة ناطقة بالعربية. حملت "العواصف" على عيوب الشرقيين ـ تعلقهم بالماضي بالتقاليد القديمة ـ، رافضة حالة خنوع المضطهدين وضعفهم، داعيةً إياهم إلى الطموح والرفعة.
بعد أسابيع لاحقة، نشر جبران كتابه الثاني بالإنكليزية، "السابق" الذي زينه بخمسة من رسومه. وقد جاء على شكل أمثال وحكايات صغيرة مفعمة بالحكمة والتصوف، وكان بمثابة تهيئة لكتاب جبران الأهم، "النبي".
سنة 1923 نشر كتاب جبران باللغة الإنكليزية، وطبع ست مرات قبل نهاية ذلك العام ثم ترجم فورا إلى عدد من اللغات الأجنبية، ويحظى إلى اليوم بشهرة قل نظيرها بين الكتب.
في هذه الأثناء، حينما كان يعمل بمثابرة على مخطوطة "النبي"، ساءت صحته، ولم يداوها الفرار إلى الطبيعة برفقة الأصدقاء. آثر البقاء في بوسطن قرب شقيقته "ماريانا"، ولم يعد يطمح إلا إلى إنهاء مخطوطته والعودة إلى مسقط رأسه، غير أن أمنية العودة اصطدمت بمشكلة كبيرة: ملاحقة دائني والده القضائية لاسترجاع ديونهم ممن تبقى من أفراد الأسرة، جبران وماريانا.

رائعة جبران الكبيرة.. النبي :

سنة 1923 ظهرت إحدى روائع جبران وهي رائعة (النبي) ففي عام 1996، بيعت من هذا الكتاب الرائع، في الولايات المتحدة وحدها، تسعة ملايين نسخة. وما فتئ هذا العمل، الذي ترجم إلى أكثر من أربعين لغة، يأخذ بمجامع قلوب شريحة واسعة جداً من الناس. وفي الستينيات، كانت الحركات الطلابية والهيبية قد تبنت هذا المؤلف الذي يعلن بلا مواربة: "أولادكم ليسوا أولاداً لكم، إنهم أبناء وبنات الحياة المشتاقة إلى نفسها...". وفي خطبة شهرية له، كرر جون فيتزجرالد كندي سؤال جبران: "هل أنت سياسي يسأل نفسه ماذا يمكن أن يفعله بلده له [...]. أم أنك ذاك السياسي الهمام والمتحمس [...] الذي يسأل نفسه ماذا يمكن أن يفعله من أجل بلده؟".
حمل جبران بذور هذا الكتاب في كيانه منذ طفولته. وكان قد غير عنوانه أربع مرات قبل أن يبدأ بكتابته. وفي تشرين الثاني 1918، كتب إلى "مي زيادة" يقول "هذا الكتاب فكرت بكتابته منذ ألف عام..". ومن عام 1919 إلى عام 1923، كرس جبران جل وقته لهذا العمل، الذي اعتبره حياته و"ولادته الثانية". وساعدته "ميري" في التصحيحات، إلى أن وجد عام 1923 أن عمله قد اكتمل، فدفعه إلى النشر، ليظهر في أيلول نفس العام.
"النبي" كتاب ممتميز جداً ممن حيث أسلوبه وبنيته ونغمية جمله، وهو غني بالصور التلميحية، والأمثال، والجمل الاستفهامية الحاضة على تأكيد الفكرة نفسها، من يستطيع أن يفصل إيمانه عن أعماله، وعقيدته عن مهنته؟، أو ليس الخوف من الحاجة هو الحاجة بعينها؟.
أمكن أيضاً إيجاد تشابه بين "النبي" و"هكذا تكلم زرادشت" لنيتشه. من المؤكد أن جبران قرأ كتاب المفكر الألماني، وثمّنه. اختار كلاهما حكيماً ليكون لسان حاله. الموضوعات التي تطرقا إليها في كتابيهما متشابهة أحياناً: الزواج، والأبناء، والصداقة، والحرية، والموت.... كما نعثر على بعض الصور نفسها في العملين، كالقوس والسهم، والتائه..... مع ذلك، ففي حين تتسم الكتابة النيتشوية برمزية شديدة وفصاحة تفخيمية، تمتاز كتابة "النبي" بالبساطة والجلاء وبنفحة شرقية لا يداخلها ضعف. ونيتشه أقرب بكثير إلى التحليل الفلسفي من جبران، الذي يؤثر قول الأشياء ببساطة.
"النبي" هو كتاب في التفاؤل والأمل. وبطريقة شاعرية، وأسلوب سلس، يقدم لنا جبران فيه برسالة روحية تدعونا إلى تفتح الذات و"إلى ظمأ أعمق للحياة".
ماذا يقول لنا جبران في "النبي" على لسان حكيمه؟. عندما طلبت منه المطرة، المرأة العرافة، خطبة في المحبة، قال: "المحبة لا تعطي إلا نفسها، ولا تأخذ إلا من نفسها. المحبة لا تملك شيئاً، ولا تريد أن يملكها أحد، لأن المحبة مكتفية بالمحبة". ولما طلبت رأيه في الزواج، أجاب: "قد ولدتم معاً، وستظلون معاً إلى الأبد. وستكونون معاً عندما تبدد أيامكم أجنحة الموت البيضاء.. أحبوا بعضكم بعضاً، ولكن لا تقيدوا المحبة بالقيود.. قفوا معاً ولكن لا يقرب أحدكم من الآخر كثيراً: لأن عمودي الهيكل يقفان منفصلين، والسنديانة والسروة لا تنمو الواحدة منهما في ظل رفيقتها". وفي الأبناء، يقول: أولادكم ليسوا أولاداً لكم. إنهم أبناء وبنات الحياة المشتاقة إلى نفسها، بكم يأتون إلى العالم ولكن ليس منكم. ومع أنهم يعيشون معكم فهم ليسوا ملكاً لكم". وفي العمل: "قد طالما أُخبرتم أن العمل لعنة، والشغل نكبة ومصيبة. أما أنا فأقول لكم إنكم بالعمل تحققون جزءاً من حلم الأرض البعيد، جزءاً خصص لكم عند ميلاد ذلك الحلم. فإذا واظبتم على العمل النافع تفتحون قلوبكم بالحقيقة لمحبة الحياة. لأن من أحب الحياة بالعمل النافع تفتح له الحياة أعماقها، وتدنيه من أبعد أسرارها".......
في عام 1931، كتب جبران بخصوص "النبي": "شغل هذا الكتاب الصغير كل حياتي. كنت أريد أن أتأكد بشكل مطلق من أن كل كلمة كانت حقاً أفضل ما أستطيع تقديمه". لم تذهب جهوده عبثاً: بعد سبعين سنة على وفاته، ما يزال يتداوله ملايين القراء في أنحاء العالم.
بقي جبران على علاقة وطيدة مع ماري هاسكال، فيما كان يراسل أيضا الأديبة مي زيادة التي أرسلت له عام 1912 رسالة معربة عن إعجابها بكتابه " الأجنحة المتكسرة". وقد دامت مراسلتهما حتى وفاته رغم أنهما لم يلتقيا أبدا.

مؤلفاته :
دمعة وابتسامة. 1914
الأرواح المتمردة. 1908
الأجنحة المتكسرة. 1912
العواصف / المواكب 1918
البدائع والطرائف: مجموعة من مقالات وروايات تتحدث عن مواضيع عديدة
لمخاطبة الطبيعة ومن مقالاته "الأرض". نشر في مصر عام 1923.
ألّف باللغة الإنجليزية:
النبي مكون من 26 قصيدة شعرية وترجم إلى ما يزيد على 20 لغة. 1923
المجنون. 1918
السابق 1920
رمل وزبد. 1926
يسوع ابن الإنسان. 1928
حديقة النبي. 1933
آلهة الأرض. 1931
الأعلام للزركلي.
التائه 1932
وفاته :
كانت صحة جبران قد بدأت تزداد سوءاً. وفي 9 نيسان، وجدته البوابة يحتضر فتوفي جبران في 10 نيسان 1931 في إحدى مستشفيات نيويورك وهو في الثامنة والأربعين بعد أصابته بمرض السرطان فنقل بعد ثلاثة أيام إلى مثواه الأخير في مقبرة "مونت بنيديكت"، إلى جوار أمه وشقيقته وأخيه غير الشقيق. ونظمت فوراً مآتم في نيويورك وبيونس آيرس وساوباولو حيث توجد جاليات لبنانية هامة. وبعد موافقة شقيقته "ماريانا"، تقرر نقل جثمان جبران في 23 تموز إلى مسقط رأسه في لبنان. واستقبلته في بيروت جموع كبيرة من الناس يتقدمها وفد رسمي. وبعد احتفال قصير حضره رئيس الدولة، نقل إلى بشري، التي ووري فيها الثرى على أصوات أجراس الكنائس. وإلى جوار قبره، نقشت هذه العبارة: "كلمة أريد رؤيتها مكتوبة على قبري: أنا حي مثلكم وأنا الآن إلى جانبكم. أغمضوا عيونكم، انظروا حولكم، وستروني....". عملت شقيقته على مفاوضة الراهبات الكرمليات واشترتا منهما دير مار سركيس الذي نقل إليه جثمان جبران، وما يزال إلى الآن متحفا ومقصدا للزائرين.
وفضلاً عن الأوابد التي كرست للفنان في وطنه الأم (متحف جبران، وساحة جبران التي دشنت في وسط بيروت عام 2000)، هنالك مواقع، وتماثيل، ولوحات تذكارية تكرم ذكراه: في الولايات المتحدة نصبان تذكاريان لجبران، أحدهما في بوسطن، والآخر في واشنطن. ويضم عدد من أشهر المتاحف الأمريكية العديد من لوحات جبران. وكانت الجالية اللبنانية في البرازيل قد دشنت أيضاً مركزاً ثقافياً سمي "جبران".

صوت الايمان
08-08-2011, 23:08
الأديب الرّاقي
" الحقيقة وبس "


بارك الله فيك وفي وعيك الكبير يا أستاذنا
صدقاً وبدون مجاملة أثريتَ الموضوع
بهذه الإضافة القيّمة الرّائعة , وخاصّة أنّني قمتُ
بالتركيز على نتاجه الأدبيّ فقط , ولم أتطرّق
لمسيرة حياته الملئية بالأحداث , شاكرة لك
تفهّمك ووعيك بضرورة الفصل بين ما ننقل وبين
ما نؤمن ....
فهناك فرق بين أن يقرأ المرء حبّاً للمعرفة , وبين أن يقرأ
بحثاً عن المعرفة ,, وفي حال كان هناك بعض التّجاوز بالنقل
فالقارئ العربيّ المثقّف أمثالك والكثير يعي هذا بالتأكيد .

أطلعتنا على حياته ونلحظ أن الآلام والشّقاء و...غطّت
مساحات واسعة منها , عاش حياة مريرة غير أنّ والدته كان لها
الدّور الإيجابيّ في إبراز وتنمية مواهبه , وهذا جليّ في كتاباته
كان يمتلك القدرة على دخول عالم المرأة الخاص واصفاً مشاعرها ,
رغباتها .... الخ في حين قد تعجز ذاتها عن التّعبير عن هذا ,
وربّما لعلاقاته النسائيّة أيضاً دور كبير بهذا :)

وضعتنا أمام " جبران الرّسّام "
اطّلعتُ حقيقة على بعض رسوماته
معظمها رمزيّة , وربّما قد لا يفسّر مضمونها إلاّ
المختصّون ,
كان يُسقط فيها رؤيته العميقة للحياة والأشياء
وهناك بعض الرسومات برسائله " لمي "
" كانت إهداء منه إليها " , وقد كتبت " ميّ " مرّة
عن رسوم كتاب " المواكب " قائلة :

(( أنتم أهل الفنّ تبرزون هذه البدائع بقوى أثيريّة
احنفظتكم عليها ملوك الجوزاء فنأتي نحن الجمهور
وليس لدينا ما نتفهّمها سوى العجز والدّعوى , فأنتم
بغباوتنا أشقياء مظلومون , ونحن بها أشقياء خاسرون )) .



أشكرك يا أستاذنا من قلبي لحضورك الرّائع المميّز
والدّعوة موجّهة لك و لكل من يرغب بالإضافة
لإغناء الموضوع بكل ما هو جديد ومفيد و ممتع
مع التّوثيق فضلاً لا أمراً .
دام لنا ألق حضورك أديبنا الرّاقي .








" صوت الإيمان "

صوت الايمان
10-08-2011, 22:45
(( حفنة من رمال الشّاطئ ))



- كآبةُ الحُبّ تترنم. وكآبة المعرفة تتكلم. وكآبة الرغائب تهمس. وكآبة الفقر
تندب. ولكن هناك كآبة أعمق من الحب, وأنبل من المعرفة, وأقوى من الرغائب, وأمرُّ
من الفقر.... غير أنها خرساء لا صوت لها; أما عيناها فمشعشعتان كالنجوم.
- عندما تشكو مُصَابًا لجارك تَهَبهُ جزءًا من قلبك, فإن كان كبير النفس
شكرك. وإن كان صغيرها احتقرك.
-ليس التقدُّم بتحسين ما كان بل بالسير نحو ما سيكون.



- المسكنة نقابُ ملامِحِ الكبرياء. والدعوى قِناعٌ يغشِّي وجه البلاء.
- الفنُّ خطوة من المعروف الظاهر نحو المجهول الخفي. .
- ما أدركت طوية امرئ إلاّ حسبني مديونًا له.
- تتنفّس الأرض فنولد ثمّ تستريح أنفاسها فنموت .
- عين الإنسان مجهر تُبَيِّن له الدنيا أكبَرَ ممَّا هي حقيقة .
- أنا بريء من قومٍ يحسبون القحة شجاعة واللِّين جبانة ,
وأنا بريء مِمن يتوهَّم الثّرثرة معرفة والصمت جهالة والتصنُّع فنًّا.
- قد يكون في استصعابنا الأمر أسهل السّبل إليه.



- المُعاكسةُ أدنى مراتب الذكاء.
- الجميل يأسرنا أما الأجمل فيُعْتِقُنَا حتى ومن ذاته.
- الحماسة بركان لا تنبت على قِمَّتِه أعشابُ التَّردُّد .
- صُنع الأديب من الفكر والعاطفة ثمّ وُهب الكلام . أمّا الباحث فقد
صُنع من الكلام ثمّ أعطي قليلاً من الفكر والعاطفة .
- تأكلُ مسرِعًا وتمشي متباطئًا, فهلاَّ أَكَلْتَ برجلِك وَمَشَيْتَ على كفَّيك!



- ما تَعاظَم فرحك أو حزنُكَ إِلاَّ صَغُرَتِ الدُّنيا في عينيك.
- العِلمُ يستنِبتُ بذورَك ولا يُلقي بك بذورًا.
- ما أَبْغَضْتُ إلاَّ وكان البُغْضُ سِلاَحًا أدافِعُ بهِ عَن نفسي, ولكن: لو لم أكن
ضعيفًا لما اتَّخَذْتُ هذا النوع من السلاح .
- يحسبونني حَادَّ النَّظَر ثاقِبه لأنَّني أَراهُم من خلال شبكة الغربال.
- لم أشعر بألم الوحشة حتى مدح الناس عيوبي الثَّرثارَة وطعنوا في
حسناتي الخرساء.
- الحقيقة التي تحتاج إلى برهان هي نصف حقيقة.



- ألا فأبعدوني عن الحكمة التي لا تبكي, وعن الفلسفة التي
لا تضحك وعَنِ العَظَمَةِ التي لا تحني رأسها أمام الأطفال.
-أيُّها الكونُ العاقل, المحجوب بظواهر الكائنات, الموجود بالكائنات
وفي الكائنات وللكائنات... أنت تسمعني لأنك حاضري ذاتي. وإنك تراني لأنك
بصيرَة كلِّ شيءٍ حيّ. ألْقِ في روحي بذرة من بذورِ حكمتك لتنبُتَ نَصْبَةً في
غابتك وتُعطي ثمرًا من أثمارك .آمين .






عن كتاب
" البدائع والطّرائف "
للأديب
" جبران "







" صوت الإيمان "

صوت الايمان
13-08-2011, 23:22
(( الشّعلة البيضاء ))


وانقضى ( نيسان ) وأنا أزور منزل " فارس كرامة " وألتقي " بسلمى " وأجلس قبالـتها في تلك الحديقة متأمّلاً محاسنها، معجباً بمواهبها، مصغياً لسكينة كآبتها، شاعراً بوجود آيادٍ خفيّة تجتذبني إليها. فكلّ زيارة كانت تبيّن لي معنى جديداً من معاني جمالها وسراً علويّاً من أسرار روحها حتى أصبحت أمام عينيّ كتاباً أقرأ سطوره وأستظهر آياته وأترنم بنغمته ولا أستطيع الوصول إلى نهايته.
إن المرأة التي تمنحها الآلهة جمال النفس مشفوعاً بجمال الجسد هي حقيقة ظاهرة غامضة نفهمها بالمحبة ونلمسها بالطهر، وعندما نحاول وصفها بالكلام تختفي عن بصائرنا وراء ضباب الحيرة والالتباس.


و" سلمى كرامة " كانت جميلة النفس والجسد فكيف أصفها لمن لا يعرفها؟ هل يستطيع الجالس في ظل أجنحة الموت أن يستحضر تغريدة البلبل وهمس الوردة وتنهدة الغدير؟ أيقدر الأسير المثقل بالقيود أن يلاحق هبوب نسمات الفجر؟ ولكن أليس السكوت أصعب من الكلام؟ وهل يمنعني التهيّب عن إظهار خيال من أخيلة سلمى بالألفاظ الواهية إذا كنت لا أستطيع أن أرسم حقيقتها بخطوط من الذهب؟
إن ّالجائع السائر في الصحراء لا يأبى أكل الخبز اليابس إذا كانت السماء لا تمطره المنّ والسّلوى.

كانت سلمى نحيلة الجسم تظهر بملابسها البيضاء الحريرية كأشعة قمر دخلت من النّافذة. وكانت حركاتها بطيئة متوازنة أشبه شيء بمقاطيع الألحان الأصفهانيّة ، وصوتها منخفضاً حلواً تقطعه التّنهدات فينسكب من بين شفتيها القرمزيّتين مثلما تتساقط قطرات النّدى عن تيجان الزهور بمرور تموجات الهواء. ووجهها ــ ومن يا ترى يستطيع أن يصف وجه سلمى كرامة؟

بأيّة ألفاظ نقدر أن نصوّر وجهاً حزيناً هادئاً محجوباً وليس محجوباً بنقاب من الاصفرار الشّفاف؟ بأيّة لغة نقدر أن نتكلّم عن ملامح تعلن في كل دقيقة سرّاً من أسرار النّفس الكبيرة المتألّمة في داخل الجسد، وتذكّر الّناظرين إليها بعالم روحي بعيد عن هذا العالم !
إن الجمال في وجه " سلمى " لم يكن منطبقاً على المقاييس التي وضعها البشر للجمال، بل كان غريباً كالحلم أو كالرؤيا أو كفكر علوي لا يقاس ولا يحد ولا ينسخ بريشة المصوّر، ولا يتجسّم برخام الحفّار.


جمال " سلمى " لم يكن في شعرها ا لذّهبي بل في هالة الطهر المحيطة به. ولم يكن في عينيها الكبيرتين بل في النّور المنبعث منهما. ولا في شفتيها الورديّتين بل في الحلاوة السائلة عليهما. ولا في عنقها العاجيّ بل في كيفية انحنائه قليلاً إلى الأمام.
جمال سلمى لم يكن في كمال جسدها بل في نبالة روحها الشبيهة بشعلة بيضاء متّقدة سابحة بين الأرض واللانهاية. جمال سلمى كان نوعاً من النبوغ الشعري الذي نشاهد أشباحه في القصائد السّامية والرسوم والأنغام الخالدة
، وأصحاب النبوغ تعساء مهما تسامت أرواحهم تظل مكتنفة بغلاف من الدموع.

وكانت " سلمى " كثيرة التّفكير قليلة الكلام، ولكن سكوتها كان موسيقيّاً ينتقل بجليسها إلى مسارح الأحلام البعيدة، ويجعله يصغي لنبضات قلبه ويرى أخيلة أفكاره وعواطفه منتصبة أمام عينيه.
أما الصّفة التي كانت تعانق مزايا سلمى وتساور أخلاقها فهي الكآبة العميقة الجارحة، فالكآبة كانت وشاحاً معنويّاً ترتديه فتزيد محاسن جسدها هيبة وغرابة، وتظهر أشعة نفسها من خلال خيوطه كخطوط شجرة مزهرة من وراء ضباب الصباح.
وقد أوجدت الكآبة بين روحي وروح " سلمى " صلة المشابهة فكان كلانا يرى في وجه الثاني ما يشعر به قلبه ويسمع بصوته صدى مخبآت صدره فكأن الآلهة قد
جعلت كل واحد منا نصفاً للآخر يلتصق به بالطّهر فيصير إنساناً كاملاً، وينفصل عنه فيشعر بنقص موجع في روحه.


إنّ النّفس الحزينة المتألّمة تجد راحة بانضمامها إلى نفس أخرى تماثلها بالشّعور وتشاركها بالإحساس مثلما يستأنس الغريب بالغريب في أرض بعيدة عن وطنيهما ــ فالقلوب التي تدنيها أوجاع الكآبة بعضها مع بعض لا تفرقها بهجة الأفراح وبهرجتها، فرابطة الحزن أقوى في النفوس من روابط الغبطة والسرور؛ والحب الذي تغسله العيون بدموعها يظل طاهراً وجميلاً وخالداً.







عن كتاب
" الأجنحة المتكسّرة "
للأديب
" جبران "







" صوت الإيمان "

صوت الايمان
18-08-2011, 01:11
(( الحديث ))


ثم قال له عالم : هات حدّثنا عن الكلام.
فأجاب وقال:
إنّكم تتكلّمون عندما توصد دونكم أبواب السلام مع أفكاركم.
وعندما تعجزون عن السكنى في وحدة قلوبكم، تقطنون في شفاهكم ، والصوت يلهيكم ويسلّيكم.
وفي الكثير من كلامكم يكاد فرحكم يقضي ألماً وكآبة.
لأنّ الفكر طائر من طيور الفضاء، يبسط جناحيه في قفص الألفاظ ولكنه لا يستطيع أن يحّلق طائراً.

إن ّبينكم قوماً يقصدون الثّرثار المهذار، ضجراً من الوحدة والإنفراد.
لأنّ سكينة الوحدة تبسط أمام عيونهم صورة واضحة لذواتهم العارية يرتعدون لدى رويتها فيهربون منها.
ومنكم الذين يتكلّمون، ولكنهم عن غير معرفة، وبدون سابق قصد، يظهرون حقيقة لا يدركونها هم أنفسهم.
منكم الذين أودع الحقّ قلوبهم ، ولكنهم يأبون أن يلبسوه حلّة اللفظ
. وفي أحضان هؤلاء تقطن الروح في هدوء وسكون .


فإذا رأيت صديقك على جادّة الطّريق ، أو جمعتك به ساحة المدينة، فدع الرّوح التي فيك تحرّك شفتيك
وتدير لسانك.
افسح المجال للصوت الذي في أعماق صوتك فيخاطب أذن أذنه.
لأنّ نفسه تحتفظ بسرّ قلبك كما يتذكّر فمه طعم الخمرة الطيّبة، وإن نسي الفكر
لونها وتحطّمت الكأس التي حملتها.






عن كتاب
" النّبيّ "
للأديب
" جبران "






" صوت الإيمان "

صوت الايمان
23-08-2011, 00:27
سبع مرّات احتقرتُ نفسي :
أولاً ـ عندما رأيتها تتلبّس بالضّعة لتبلغ الرّفعة .
ثانياً ـ عندما رأيتها تقفز أمام المخلصين .
ثالثا ـ عندما خُيّرت بين السّهل والصّعب فاختارت السهل .
رابعاً - عندما اقترفت إثماً ثم جاءت تعزي ذاتها بأنّ غيرها يقترف الإثم مثلها .
خامساً ـ عندما احتملت ما حلّ بها لضعفها.ولكنهّا نسبت صبرها للقوة .
سادساً ـ عندما احتقرت بشاعة وجه ما ،هو عند التحقيق برقع من براقعها .
سابعاً ـ عندما أنشدَت أغنية ثناء ومديح ، وحسَبَتها فضيلة .
أنا لا أعرف الحقيقة المجرّدة، ولكّنني أركع متواضعاً أمام جهلي،
وفي هذا فخري وأجري .



********


لا يحسدني ولا يبغضني إلا الذين دوني.
ولكن لم يحسدني ولم يبغضني أحد قط، فأنا إذن لست فوق أحد.
ولا يمدحني ولا يصغرني إلا الذين فوقي.
ولكن لم يمدحني ولم يصغرني أحد قط، فأنا إذاً لست فوق أحد.
قولك لا تفهمني ...
مديح لا أستحقّه أنا وإهانة لا تستحقّها أنت .





عن كتاب
" رمل وزبد "
للأديب
" جبران "






" صوت الإيمان "

صوت الايمان
12-09-2011, 21:27
(( الصّحيفة البيضاء ))


قالت صحيفة ورق بيضاء كالثلج :
(( قد برئت ُنقيّة طاهرة وسأظلّ نقيّةً إلى الأبد .
و إنّني لأوثر أن احرق وأتحول إلى رماد أبيض ، على أن آذن للظلمة
فتدنو مني وللأقذار فتلامسني )).

فسمعت قنينة الحبر قولها وضحكت في قلبها القاتم المظلم
ولكنها خافت ولم تدنُ منها .

وسمعت الأقلام أيضاً على اختلاف ألوانها ولم تقربها قط .

وهكذا ظلت صحيفة الورق بيضاء كالثلج ــــ نقيّةً طاهرة

ــــ ولكن ... فارغة .






عن كتاب
" السّابق "
للأديب
" جبران "






" صوت الإيمان "

صوت الايمان
04-10-2011, 15:03
(( زيارة الحكمة ))


في هدوء الليل جاءت الحكمة ووقفت بقرب مضجعي,ونظرت إليّ نظرة الأم الحنون
,ومسحت دموعي وقالت :
سمعت صراخ نفسك فأتيت لأعزّيها,ابسط قلبك أمامي فأملأه نوراً ,سلني
فأريك سبيل الحق .

فقلت : من أنا أيّتها الحكمة , وكيف سرت إلى هذا المكان المخيف ؟
ما هذه الأماني العظيمة والكتب الكثيرة والرسوم الغريبة ؟
ماهذه الأفكار التي تمر كسرب الحمام ؟
ماهذا الكلام المنظوم بالميل , المنثور باللذة؟
ما هذه النتائج المحزنة, المفرحة, المعانقة روحي, المساورة قلبي؟
ما هذه العيون المحدّقة إليّ , المنصرفة عن آلامي ؟
ما هذه الأصوات النائحة على أيامي,المترنّمة بصغري؟
ما هذا الشّباب المتلاعب بميولي , المستهزئ بعواطفي , الناسي أعمال الأمس
,المستنكف ببطء الغد؟
ما هذا العالم السائر بي إلى حيث لا ادري, الواقف معي موقف الهوان؟
ما هذه الأرض الفاغرة فاها لابتلاع الأجسام, المفرجة صدرها
لسكنى المطامع؟
ما هذا الإنسان الرّاضي بمحبة السعادة , الطالب قبلة الحياة والموت
يصفعه,الشّاري دقيقة اللذة بعام الندامة, المستسلم للكرى والأحلام
تناديه , السّائر مع سواقي الجهالة إلى خليج الظلمة؟ما هذه الأشياء
أيّتها الحكمة ؟


فقالت:أنت تريد أيّها البشري أن ترى العالم بعين إله,وتريد أن تفقه مكنونات
العالم الآتي بفكرة بشريّة, وهذا منتهى الحماقة
,اذهب إلى البريّة,تجد النّحلة حائمة حول الزّهور,والنّسر ينقضّ على الفريسة
ادخل بيت جارك,ترَ الطفل مدهوشاً بأشعة النّار,والوالدة مشغولة بأعمال منزلها
كن أنت كالنحلة ولا تصرف أيّام الرّبيع ناظراً أعمال النسر,كن كالطّفل وافرح
بأشعة النار,ودع والدتك وشانها.
كل ما تراه كان ويكون من أجلك


الكتب والرسوم الغريبة والأفكار الجميلة,هي أشباح نفوس اللذين تقدّموك
الكلام الذي تحوكه هو الواصل بينك وبين إخوانك البشر
النتائج المحزنة المفرحة,هي البذور التي ألقاها الماضي في حقل النّفس...وسوف
يستغلها المستقبل
إنّ هذا الشباب المتلاعب بميولك هو هو الفاتح باب قلبك لدخول النور
ان هذه الأرض الفاغرة فاها,ه التي تخلص نفسك من عبودية جسدك
إنّ هذا العالم السّائر بك هو قلبك , فقلبك هو كلّ ما تظنّه عالماً .
إنّ هذا الإنسان الّذي تراه جاهلاً وصغيراً هو الّذي جاء من لدن الله ليتعلّم الفرح
بالحزن والمعرفة من الظّلمة ...

ووضعت الحكمة يدها على جبهتي الملتهبة وقالت:
سر إلى الأمام ولا تقف البتة,فالأمام هو الكمال
سر ولا تخشَ أشواك السبيل,فهي لا تستبيح إلا الدماء الفاسدة .






عن كتاب
" دمعة وابتسامة "
للأديب
" جبران "








" صوت الإيمان "

صوت الايمان
16-10-2011, 21:58
مقتطفات من
(( يوم مولدي ))




في هذا اليوم تنتصب أمامي معاني حياتي الغابرة
كأنَّها مرآة ضئيلة أنظر فيها طويلاً فلا أَرَى سوى أوجُه
السنين الشاحبة، وملامحِ الآمالِ والأحلامِ والأماني
المتجعِّدة كملامِحِ الشيوخ. ثم أغمض عيني وأنظر ثانية
في تلك المرآة فلاَ أرى غير وجهي. ثم أُحدِّق إلى وجهي
فلا أرى فيه غير الكآبة. ثم أستنطقُ الكآبة فأَجدها خرساء
لا تتكلَّم. ولو تكلّمَتِ الكآبة لكانت أكثَرَ حلاَوة من الغبطة.


....قد أحببت كثيرًا
وكثيرًا ما أحببتُ ما يكرهه الناس وكرِهتُ ما يستحسنونه.
والذي أَحببته عندما كنتُ صبِيًّا ما زلت أحبُّه الآن.
والذي أحبُّه الآن سأحبُّه إلى نهاية الحياة.
فالمحبَّة هي كل ما أستطيع أن أحصل عليه
ولا يقدر أَحدٌ أَنْ يُفْقدَني إِيَّاه .


قد أحببت الموت مرّات عديدة ، فدعوته بأسماء عذبة وتشبّبت
به سرّاًً وعلناًً.
ولئن لم أسلُ الموت ولانقضت له عهداً، فإنّني صرتُ أحبّ الحياة أيضاً .
فالموت والحياة قد تساويا عندي بالجمال، وتضارعا باللذة، وتشاركا
بإنماء شوقي وحنيني، وتساهما محبّتي وانعطافي .

أحببتُ السعادة مثل جميع البشر , فكنت أستيقظ كلّ
يوم وأطلبها كما يطلبونها , لكنّني
لم أجدها قطّ في سبيلهم , ولا رأيتُ أثر أقدامها على الرّمال
المحيطة بقصورهم , ولا سمعت صدى صوتها خارجاً من
نوافذ هياكلهم ,
ولما انفَرَدتُ بطلبها سمعت نفسي تهمس في أذني قائلة :
السعادة صَبِيَّةٌ تولَدُ وتحيا في أعماق القلب ولن
تجيء إليه من محيطه.
ولمَّا فتحتُ قلبي لكي أرى السعادة
وجدت هناك مرآتها وسريرها وملابسها، لكنّني لم أجدها !!


وقد أحببت الناس. أحببتهم كثيرًا.
والناس في شرعي ثلاثة:
واحد يلعن الحياة،
وواحد يباركها،
وواحد يتأمل بها.
فقد أحببت الأول لتعاسته،
والثاني لسماحته،
والثالث لمداركه...







عن كتاب
" دمعة وابتسامة "
للأديب
" جبران "









" صوت الإيمان "

صوت الايمان
17-10-2011, 22:50
مقتطفات من
(( سفينة في ضباب ))



- إنّ الحياة ، كلّ الحياة، هي في ما نختبره بأرواحنا. والوجود، كلّ الوجود، هو في ما
نعرفه ونتحقّقه فنبتهج به أو نتوجّع لأجله.



- ليتني لم أبلغ الثلاثين من عمري ...
ليتني متّ ألف مرة ومرّة قبل أن أبلغ تلك السّنة التي سلبتني لباب حياتي واستنزفت دماء
قلبي وأوقفتني أمام الأيّام والليالي شجرة يابسة عارية مستوحدة فلا ترقص أغصانها
لأغاني الهواء ولا تحوك الأطيار أعشاشها بين أوراقها وأزهارها.



- هناك بعض الاختبارات التي نستغربها بل وننكرها لأنّها تظهر لنا بمظاهر المستحيل
ولكن استغرابنا ونكراننا لا يمحوان حقيقتها في نفوسنا.



- إنّ في الحياة فسحات تجتازها أرواحنا ولكنّنا لا نستطيع أن نقيسها بالمقاييس
الزمنية التي ابتدعتها فكرة الإنسان.



- يا إلهي ...
يا إله الحب والحياة والموت، أنت الّذي كوّنت أرواحنا ثم سيّرتها في هذه الأنوار وهذه الظلمات
. أنت الذي فطرت قلوبنا ثم جعلتها تنبض بالأمل والألم
. أنت، أنت الذي أريتني رفيقتي جسداً بارداً
. أنت الذي قدتني من أرض إلى أرض لتظهر لي مراد الموت
بالحياة ومشيئة الوجع بالفرح .... أنت الذي أنبت في صحراء وحدتي وانفرادي زنبقة بيضاء
ثم سيّرتني إلى واد بعيد لتبينها لي زنبقة ذابلة ذاوية فانية !

نعم، يا رفاقي، يا رفاق وحشتي واغترابي، إن الله قد شاء فسقاني الكأس العلقميّة
لتكن مشيئة الله. نحن البشر، نحن الذرّات المرتعشة في خلاء لا حد له ولا مدى،
نحن لا نستطيع سوى الخضوع والامتثال.
فإن أحببنا فحبنا ليس منا وليس لنا. وإن سررنا فسرورنا ليس فينا بل في الحياة نفسها.
وإن تألّمنا فالألم ليس بكلومنا بل بأحشاء الطبيعة بأسرها.






عن كتاب
" البدائع والطّرائف "
للأديب
" جبران "






" صوت الإيمان "

kamissi
18-10-2011, 21:16
ما شاء الله قد عجز العقل والقلب لإستخراج جملة من الكلمات لكي أشكركي بها علي هذه الأبيات الشعرية التي فاقة الروعة بل كلمة روعة أحقر من تلك التي كتبتيها في أبياتكي أهنئكي أختاه ومشوار موفق بإذن الله

atif26
18-10-2011, 21:56
تحميل كتب جبران خليل جبران
xxxxxxxxxx
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar] 1.pdf
xxxxxxxxxx
xxxxxxxxxx
xxxxxxxxxx
xxxxxxxxxx
xxxxxxxxxx

مع الشكر والتقدير لمجهودك أخي الكريم
القوانين تمنع الروابط التي تؤدي لمنتديات أخرى
المشرف/ الحقيقة وبس

صوت الايمان
19-10-2011, 16:40
ما شاء الله قد عجز العقل والقلب لإستخراج جملة من الكلمات لكي أشكركي بها علي هذه الأبيات الشعرية التي فاقة الروعة بل كلمة روعة أحقر من تلك التي كتبتيها في أبياتكي أهنئكي أختاه ومشوار موفق بإذن الله





الأخ الكريم
" kamissi "

حيّاك الله أخي الفاضل
أشكرك لحضورك وثنائك
على هذه المختارات المنتقاة
من قلم الأديب ( جبران )

أمنياتي لك بالمتعة والفائدة
تحيّاتي وتقديري .





" صوت الإيمان "

صوت الايمان
19-10-2011, 16:46
تحميل كتب جبران خليل جبران
xxxxxxxxxx
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar] 1.pdf
xxxxxxxxxx
xxxxxxxxxx
xxxxxxxxxx
xxxxxxxxxx
xxxxxxxxxx

مع الشكر والتقدير لمجهودك أخي الكريم
القوانين تمنع الروابط التي تؤدي لمنتديات أخرى
المشرف/ الحقيقة وبس


بارك الله فيكم جميعاً
مع الشّكر والتّقدير
وكلّ الاحترام .





" صوت الإيمان "

صوت الايمان
21-10-2011, 21:57
مقاطع وجمل من
(( خليل الكافر ))



- النور الحقيقيّ هو ذاك الذي ينبثق من داخل الإنسان , ويبيّن سرائر النّفس للنفس , ويجعلها
فارحة بالحياة مترنّمة باسم الرّوح . أمّا الحقيقة فهي كالنجوم لا تبدو الا من وراء ظلمة الليل .
الحقيقة هي مثل جميع الاشياء الجميلة في هذا العالم لا تظهر تفاعيلها المستحبّة إلاّ لمن شعر
بتأثيرات البُطل القاسية . الحقيقة هي تلك العاطفة الخفيّة التي تعلّمنا أن نفرح بأيّامنا وتجعلنا نتمنّى
ذلك الفرح نفسه لجميع النّاس .


- كثار هم الذين يعيشون حسب العاطفة الخفيّة الكائنة في قلوبهم , وكثار هم الذين يعتقدون أنّ
هذه العاطفة هي ظلّ الناموس الذي سنّه الله للإنسان . ولكنّهم لا يفرحون البتّة بأيّامهم بل يظلّون
تعساء حتّى الموت .


- إنّ العواصف والثلوج تفني الزهور لكنّها لا تميت بذورها .


- لا يوجد في داخل الإنسان عاطفة أنقى وأعذب من تلك العاطفة التي تستفيق على حين غفلة
في قلب الصبيّة وتملأ خلايا صدرها بالأنغام السحريّة , وتجعل أيّامها شبيهة بأحلام الشّعراء ,
ولياليها مثل الأنبياء , ولا يوجد بين أسرار الطبيعة سرّ أقوى وأجمل من ذلك الميل الذي يحوّل
سكينة نفس العذراء إلى حراك مستمرّ يميت بعزمه ذكرى الأيّام الغابرة , ويحيي
بحلاوته الآمال بالأيّام الآتية .



- أنا واحد منكم أيّها الجمع , وقد عاش آبائي وجدودي بين هذه الأودية التي تستفرغ قواكم ,
وماتوا تحت هذا النير الذي يلوي أعناقكم . أنا أؤمن بالله الذي يسمع نداء نفوسكم المتوجّعة ويرى
صدوركم المقروعة . وأؤمن بالكتاب الذي يجعلني ويجعلكم إخوة متساوين أمام وجه الشّمس .
وأؤمن بالتعاليم التي تحرّرني وتحرّركم من عبوديّة البشر , وتوقفنا جميعا بغير قيود على الأرض
موطئ أقدام الله .



ما هذه الأسرار الخفيّة الّتي تتلاعب بنا ونحن غافلون ؟؟
وما هذه النّواميس الّتي تسيّرنا تارة على سبل وعرة فنسير
منقادين
وتوقفنا طوراً أمام وجه الشّمس فنقف فرحين , وتبلغنا مرّة قمّة
الجبل فنبتسم متهلّلين
وتهبط بنا أخرى إلى أعماق الوادي فنصرخ متوجّعين ؟؟
ما هذه الحياة الّتي تعانقنا يوماً كالحبيب
ويوماً
تصفعنا كالعدو ؟؟





عن كتاب
" الأرواح المتمرّدة "
للأديب
" جبران "








" صوت الإيمان "

صوت الايمان
31-10-2011, 19:02
هل يضمّ الفجر قلب الليل إلى صدره ؟

أم هل يعبأ البحر بأجسام موتاه؟

كالفجر تنهض نفسي في أعماقي ,

عارية غير متحيّرة .

وكالبحر الذي لا يستريح

يطرح قلبي عنه النّفاية الزائلة من الأرض والإنسان .

إنّني لن أعلق بكلّ من يعلق بي

لكنّني أريد أن أسمو إلى ذلك المتسامي فوق ما تصل إليه
قوتي .






عن كتاب
" آلهة الأرض "
للأديب
" جبران "





" صوت الإيمان "

صوت الايمان
02-11-2011, 18:53
قصّة
" مرتا " البانية


الأحبّة القرّاء :
نظراً لطول القصّة
سيتم عرضها على
أجزاء .




( 1 )


مات أبوها وهي في المهد, وماتت أمها قبل بلوغها العاشرة فتُركَت يتيمة في بيت جار فقير يعيش مع رفيقته وصغاره من بذور الأرض وثمارها في تلك المزرعة المنفردة بين أودية لبنان الجميلة...


مات والدها ولم يورثها غير اسمه وكوخ حقير قائم بين أشجار الجوز والحور وماتت أمّها ولم تترك لها سوى دموع الأسى وذل اليتم فباتت غريبة في أرض مولدها , وحيدة بين تلك الصخور العالية والأشجار المحتبكة , وكانت تسير في كل صباح عارية القدمين رثّة الثّوب وراء بقرة حلوب إلى طرف الوادي حيث المرعى الخصيب , وتجلس بظلّ الأغصان مترنّمة مع العصافير باكية مع الجداول حاسدة البقرة على وفرة المآكل متأمّلة نمر الزهور ورفرفة الفراش .

وعندما تغيب الشمس ويضنيها الجوع ترجع نحو ذلك الكوخ وتجلس مع صبية وليّها ملتهمة خبز الذرة مع قليل من الثمّار المجفّفة والبقول المغموسة بالخل والزيت...ثم تفترش القشّ اليابس مسندة رأسها بساعديها وتنام متنهدة متمنية لو كانت الحياة كلهّا نوماً عميقاً لا تقطعه الأحلام ولا تليه اليقظة وعند مجيء الفجر ينتهرها وليّها لقضاء حاجة فتهب من رقادها مرتعدة خائفة من سخطه وتعنيفه.


كذا مرت الأعوام على " مرتا" المسكينة بين تلك الروابي والأودية البعيدة فكانت تنمو بنمو الأنصاب وتتولّد في قلبها العواطف على غير معرفة منها مثلما يتولّد العطر في أعماق الزهرة وتنتابها الأحلام والهواجس مثلما تتناوب القطعان على مجاري المياه فصارت الصبيّة ذات فكرة تشابه تربة جيّدة عذراء لم تلقٍ بها المعرفة بذوراً ولا مشت عليها أقدام الاختبار وذات نفس كبيرة طاهرة منفيّة بحكم القدر إلى تلك المزرعة حيث تتقلب الحياة مع فصول السنة كأنها ظل إله غير معروف جالس بين الأرض والشمس...


نحن الذين صرفوا معظم العمر في المدن الآهلة نكاد لا نعرف شيئاً عن معيشة سكّان القرى والمزارع المنزوية في لبنان قد سرنا مع تيار المدينة الحديثة حتى نسينا أو تناسينا فلسفة تلك الحياة الجميلة البسيطة المملوءة طهراً ونقاوة وتلك الحياة إذا ما تأمّلناها وجدناها مبتسمة في الربيع مثقلة في الصيف مستغلة في الخريف مرتاحة في الشتاء متشبهة بأمنا الطبيعة في كل أدوارها .

نحن أكثر من القرويين مالاً وهم أشرف منا نفوساً نحن نزرع كثيراً ولا نحصد شيئاً أما هم فيحصدون ما يزرعون
نحن عبيد مطامعنا وهم أبناء قناعتهم نحن نشرب كأس الحياة ممزوجة بمرارة اليأس والخوف والملل وهم يرشفونها صافية...


بلغت " مرتا " السادسة عشرة وصارت نفسها مثل مرآة صقيلة تعكس محاسن الحقول وقلبها شبيهاً بخلايا الوادي يرجع صدى كل الأصوات, .ففي يوم من أيّام الخريف المملوءة بتأوّه الطبيعة جلست بقرب العين المنعتقة من أسر الأرض انعتاق الأفكار من مخيلة الشاعر تتأمّل باضطراب أوراق الأشجار المصفرّة وتلاعب الهواء بها مثلما يتلاعب الموت بأرواح البشر ثم تنظر نحو الزهور فتراها قد ذبلت ويبست قلوبها حتى تشقّقت واصبحت تستودع التراب بذورها مثلما تفعل النّساء بالجواهر والحلي أيام الثورات والحروب...


وبينما هي تنظر إلى الزهور والأشجار وتشعر معها بألم فراق الصّيف سمعت وقع حوافر على حصباء الوادي فالتفتت وإذا بفارس يتقدّم نحوها ببطء ولما اقترب من العين وقد دلت ملامحه وملابسه على ترف وكياسة ترجّل عن ظهر جواده وحيّاها بلطف ما تعودته من رجل قط....ثم سألها قائلاً :

_ قد تهت عن الطريقة المؤدّية إلى السّاحل فهل لك أن تهديني أيّتها الفتاة؟؟

فأجابت وقد وقفت منتصبة كالغصن على حافة العين:

_ لستُ أدري يا سيدي ولكنّي أذهب وأسأل وليي فهو يعلم...

قالت هذه الكلمات بوجل ظاهر وقد أكسبها الحياء جمالاً ورقة وإذ همّت بالذهاب أوقفها الرجل وقد سرت في عروقه خمرة الشبيبة وتغّيرت نظراته وقال:

_ لا , لا تذهبي...

فوقفت في مكانها مستغربة شاعرة بوجود قوّة في صوته تمنعها عن الحراك ولما اختلست من الحياء نظرة إليه رأته يتأمّلها باهتمام لم تفقه له معنى ويبتسم لها بلطف سحريّ يكاد يبكيها لعذوبته وينظر بمودّة وميل لقدميها ومعصميها الجميلين وعنقها وشعرها الكثيف الناعم ويتأمل بافتنان وشغف كيف لوحت الشمس بشرتها وقوت الطبيعة ساعديها أما هي فكانت مطرقة خجلاً لا تريد الإنصراف ولا تقوى على الكلام لأسباب لا تدركها...

في ذلك المساء رجعت البقرة الحلوب وحدها إلى الحظيرة أما " مرتا " فلم ترجع ولما عاد وليّها من الحقل بحث عنها بين تلك الوهاد ولم يجدها فكان يناديها باسمها ولا تجيبه غير الكهوف وتأوهات الهواء بين الأشجار...فرجع مكتئباً إلى كوخه وأخبر زوجته فبكت بسكينة طول ذلك الليل وكانت تقول في سرها: رأيتها مرّة في الحلم بين أظافر وحش كاسر يمزق جسدها وهي تبتسم وتبكي !!



هذا إجمال ما عرفته عن حياة " مرتا " في تلك المزرعة الجميلة ،وقد تخبرته من شيخ قروي عرفها مذ كانت طفلة
حتى شبت واختفت من تلك الأماكن غير تاركة خلفها سوى دموع قليلة في عيني امرأة وليّها ،وذكرى رقيقة
مؤثّرة تسيل مع نسيمات الصباح في ذلك الوادي ، ثم تضمحل كأنها لهاث طفل على بلّور النافذة.







يتبع بإذن الله .....






عن كتاب
" عرائس المروج "
للأديب
" جبران "







" صوت الإيمان "

صوت الايمان
03-11-2011, 20:53
( 2 )


جاء خريف سنة 1900 فعدتُ إلى بيروت بعد أن صرفت العطلة المدرسيّة في شمال " لبنان " وقبل دخولي
إلى المدرسة قضيت أسبوعاً كاملاً أتجوّل مع أترابي في المدينة متمتّعين بغبطة الحـريّة التي تعشقها الشّبيبة
وتحرمها في منازل الأهل وبين جدران المدرسة ،فكنّا أشبه بعصافير رأت أبواب الأقفاص مفتوحة أمامها
فصارت تشبع القلب من لذّة التّنقل وغبطة التّغريد ، و الشّبيبة حلم جميل تسترق عذوبته معميات الكتب و
تجعله يقظة قاسية ،

فهل يجئ يوم يجمع فيه الحكماء بين أحلام الشبيبة و لذّة المعرفة مثلما
يجمع العتاب بين القلوب المتنافرة ؟
هل يجئ يوم تصبح فيه الطبيعة معلّمة ابن آدم ، و الإنسانية كتابه ، و الحياة مدرسته ؟
هل يجئ هذا اليوم ؟

لا ندرى ، و لكنّنا نشعر بسيرنا الحثيث نحو الارتقاء الروحى ، و ذلك الارتقاء هو إدراك جمال
الكائنات بواسطة عواطف نفوسنا و استدرار السّعادة بمحبتنا ذلك الجمال .


ففي عشيّة يوم وقد جلست على شرفة المنزل أتأمّل العراك المستمر في ساحة المدينة ، وأسمع جلبة
باعة الشوارع ومناداة كلّ منهم عن طيب ما لديه من السلع والمآكل ،اقترب مني صبي ابن خمس يرتدي أطماراً
بالية ويحمل على منكبيه طبقاً عليه طاقات الزهور ، وبصوتٍ ضعيف يخفضه الذلّ الموروث و الانكسار الأليم .


قال:
- أتشتري زهراً يا سيّدي ؟
فنظرتُ إلى وجهه الصّغير المصفرّ ، وتأمّلت عينيه المكحولتين بأخيلة التّعاسة والفاقة ، وفمه المفتوح قليلاً
كأنّه جرح عميق في صدر متوجع وذراعيه العاريتين النحيلتين وقامته الصغيرة المهزولة المنحنية على طبق
الزهور كأنها غصن من الورد الأصفر الذابل بين الأعشاب النّضرة ، تأمّلت كلّ هذه الأشياء بلمحة مظهراً
شفقتي بابتسامات هي أمرّ من الدّموع ،

تلك الابتسامات التي تنشقّ من أعماق قلوبنا وتظهر على شفاهنا ولو
تركناها وشأنها لتصاعدت وانسكبت من مآقينا .

ثم ابتعت بعض زهوره و بغيتى ابتياع محادثته لأنّنى شعرتُ بأنّ من وراء نظراته المحزنة قلباً
صغيراً ينطوى على فصل من مأساة الفقراء الدائم تمثيلها على ملعب الأيّام ،
و قلّ من يهتم بمشاهدتها لأنّها موجعة . و لمّا خاطبته بكلمات لطيفة استأمن و استأنس و نظر إلىّ
مستغرباً لأنّه مثل أترابه الفقراء لم يتعوّد غير خشن الكلم من أولئك الذين ينظرون غالباً إلى صبية الأزقّة
كأشياء قذرة لا شأن لها ، و ليس كنفوسٍ صغيرة مكلومة بأسهم الدّهر . و سألته إذ ذاك قائلاً :

- ما اسمك؟
فأجاب وعيناه مطرقتان إلى الأرض :
- اسمي "فؤاد " !
قلت : ابن من أنت وأين أهلك ؟
قال: أنا ابن "مرتا " البانّية.
قلت : وأين والدك؟
فهزّ رأسه الصّغير كمن يجهل معنى الوالد . فقلت:
- وأين أمك يا " فؤاد " ؟
قال : مريضة في البيت.




يتبع بإذن الله ....






عن كتاب
" عرائس المروج "
للأديب " جبران "






" صوت الإيمان "

صوت الايمان
04-11-2011, 23:16
( 3 )


تجرّعت مسامعي هذه الكلمات القليلة من فم الصّبي وامتصّتها عواطفي مبتدعة صوراً وأشباحاً غريبة محزنة
لأني عرفت بلحظة أن " مرتا " المسكينة التي سمعت حكايتها من ذلك القروي هي الآن في بيروت مريضة .تلك
الصبيّة التي كانت بالأمس مستأمنة بين أشجار الأودية هي اليوم في المدينة تعاني مضض الفقر والأوجاع ،
تلك اليتيمة التي صرفت شبيبتها على أكفّ الطبّيعة ترعى البقر في الحقول الجميلة قد انحدرت مع جرف نهر
المدينة الفاسدة وصارت فريسة بين أظفار التّعاسة والشّقاء .


كنت أفكر وأتخيّل هذه الأشياء والصّبيّ ينظر إليّ كأنّه رأى بعين نفسه الطاهرة انسحاق قلبي . ولمّا أراد
الانصراف أمسكت بيده قائلاً :
- سر بي إلى أمّك لأني أريد أن أراها ! .
فسار أمامي متعجباً صامتاً ، و من حين لآخر كان ينظر إلى الوراء ليرى إذا كنت بالحقيقة متبعاً خطواته .


في تلك الأزقّة القذرة حيث يختمر الهواء بأنفاس الموت ،بين تلك المنازل البالية حيث يرتكب الأشرار جرائمهم
مختبئين بستائر الظّلمة ، وفي تلك المنعطفات الملتوية إلى اليمين وإلى الشمال التواء الأفاعي السوداء كنت
أسير بخوف وتهيّب وراء صبيّ من حداثته ونقاوة قلبة شجاعة لا يشعر بها من كان خبير اً بمكايد أجلف القوم
فى مدينة يدعوها الشّرقيون عروس "سوريـا "و درّة تاج السلاطين ، حتّى إذا ما بلغنا أذيال الحي دخل الصبي
بيتاً حقيراً لم تبقِ منه السّنون غير جانب متداعٍ .

فدخلت خلفه وطرقات قلبي تتسارع كلما اقتربت حتى صرت في وسط غرفة رطبة الهواء ليس فيها من الأثاث غير
سراج ضعيف يغالب بسهام أشعته الصفراء ، وسرير حقير يدلّ على عوز مبرح وفقر مدقع منطرحة عليه امرأة
نائمة قد حولت وجهها نحو الحائط كأنها تحتمي به من مظالم العالم أو كأنّها وجدت بين جدرانه قلباً أرق وألين
من قلوب البشر .ولما اقترب الصبي منها منادياً :
"يا أماه !..."

التفتت إليه فرأته يومئ نحوي فتحركت إذ ذاك بين اللحف الرثّة ، وبصوت موجع يلحقه ألم النّفس
والتنهيدات المرّة قالت:
- ماذا تريد أيّها الرّجل ؟
هل جئت لتبتاع حياتي الخيرة وتجعلها دنسة بشهواتك ؟
اذهب عني فالأزقة مشحونة بالنساء اللواتي يبعنك أجسادهن ونفوسهن بأبخس الأثمان .
أمّا أنا فلم يبق لي ما أبيعه غير فضلات أنفاس متقطّعة ، عمّا قريب يشتريها الموت براحة القبر !


فاقتربت من سريرها وقد آلمت كلماتها قلبي لأنّها مختصر حكايتها التّعسة ، وقلت متمنّياً لو كانت عواطفي
تسيل مع الكلام :
- لا تخافي منّي يا "مرتا "
فأنا لم أجيء إليك كحيوان جائع بل كإنسان متوجّع .أنا لبناني عشت زمناً في تلك الأودية والقرى القريبة من
غابة الأرز . لا تخافي مني يا مرتا !


سمعت كلماتي وشعرت بأنّها صادرة من أعماق نفس تتألّم معها ، فاهتزّت على مضجعها مثل القضبان العارية
أمام رياح الشتاء ، ووضعت يديها على وجهها كأنّها تريد أن تستر ذاتها من أمام الذكرى الهائلة بحلوتها
المرّة بجمالها . و بعد سكينة ممزوجة بالتأوّه ظهر وجهها من بين كتفيها المرتجفتين فرأيت عينين غائرتين
محدقتين إلى شئ غير منظور منتصب فى فضاء الغرفة ، و شفتين يابستين تحركهما ارتعاشات اليأس ، و
عنقاً تتردّد فيه حشرجة النزع المصحوبة بأنين عميق متقطّع ، وبصوت يبثّه الالتماس والاستعطاف
ويسترجعه الضّعف والألم قالت :


- جئت محسناً مشفقاً فلتجزك السّماء عني إن كان الإحسان على الخطاة برّاً والشّفقة على المرذولين صلحاً ،
ولكنّي أطلب إليك أن تعود من حيث أتيت لأنّ وقوفك في هذا المكان يكسبك عاراً ومذمّة ، وحنانك علي يثمر لك
عيباً ومهانة .
ارجع قبل أن يراك أحد في هذه الغرفة المملوءة بأقذار الخنازير ، وسر مسرعاً ساتراً وجهك بأثوابك كيلا يعرفك
عابرو الطّريق
.إنّ الشّفقة التي تملأ نفسك لن تعيد إليّ طهارتي ، و لن تمحو عيوبى ، و لن تزيل يد الموت القويّة عن قلبى .


أنا منفيّة بحكم تعاستى و ذنوبى إلى هذه الأعماق المظلمة ، فلا تدع شفقتك تدنيك من العيوب .
أنا كالأبرص الساكن بين القبور فل تقترب مني ، لأنّ الجامعة تحسبك دنساً و تقصيك عنها
إذا فعلت. ارجع الآن و لاتذكر اسمي فى تلك الأودية المقدّسة ، لأنّ النّعجة الجرباء ينكرها راعيها خوفاً على
قطيعه . وإذا ذكرتني قل قد ماتت " مرتا " البانية و لا تقل غير ذلك .



يتبع بإذن الله ...






عن كتاب
" عرائس المروج "
للأديب
" جبران "







" صوت الإيمان "

صوت الايمان
05-11-2011, 20:58
( 4 )




ثم أخذت يدي ابنها الصّغيرتين وقبّلتهما بلهفة وقالت متنهدة :
- سوف ينظر النّاس إلى ولدي بعينيّ السّخرية والاحتقار قائلين:
هذا ثمرة الإثم , ،هذا ابن " مرتا " الزّانية ، هذا ابن العار هذا ابن الصدف
.سوف يقولون عنه أكثر من ذلك ؛ لأنّهم عميان لا يبصرون ، وجهلاء لا يدرون أنّ أمّه
قد طهّرت طفولته بأوجاعها ودموعها ، وكفّرت عن حياته بتعاستها وشقائها .

سوف أموت و أتركه يتيماً بين صبيان الأزقّة وحيداً فى هذه الحياة القاسية ، غير تاركة
له سوى ذكرى هائلة تخجله إن كان جباناً خاملاً و تهيّج دمه إن كان شجاعاً عادلاً ،
فإن حفظته السماء و شبّ رجلاً قويّاً ساعد السّماء على الذى جنى عليه و
على أمه ، و إن مات و تملّص من شبكة السّنين وجدني مترقّبة قدومه هناك حيث
النّور و الرّاحة !


فقلت وقلبي يوحي إليّ :
" لستِ كالأبرص يا " مرتا " وان سكنتِِ بين القبور ،ولستِ دنسة وإن وضعتك الحياة بين أيدي الدّنسين
.إن أدران الجسد لا تلمس النّفس النّقية ، والثّلوج المتراكمة لا تميت البذور الحيّة ، وما هذه الحياة
سوى بيدر أحزان تدرس عليه أغمار النّفوس قبل أن تعطي غلّتها , ولكن ويل للسنابل المتروكة خارج
البيدر لأنّ نمل الأرض يحملها وطيور السّماء تلتقطها ،فلا تدخل أهراء ربّ الحقل.

. أنتِ مظلومة يا "مرتا "
وظالمك هو ابن القصور ذو المال الكثير والنّفس الصّغيرة , . أنت مظلومة و محتَقرة ، و خير للإنسان أن يكون
مظلوماً من أن يكون ظالماً ، و أخلق به أن يكون شهيد ضعف الغريزة الترابيّة من أن يكون قويّاً ساحقاً
بمقابضه زهور الحياة ، مشوّهاً بميوله محاسن العواطف .


النفس يا "مرتا "هى حلقة ذهبية مفروطة من سلسلة الإلوهيّة ، فقد تصهر النّار الحامية هذه الحلقة
و تغير صورتها و تمحو جمال استدارتها ، لكنها لا تحيل ذهبها
إلى مادّة أخرى ، بل تزيده لمعاناً ، و لكن ويل للهشيم إذ تأتي النّار و تلتهمه و تجعله رماداً ثم
تهبّ الرياح وتذريه على وجه الصحراء .

. إي " مرتا " .. ،
أنت زهرة مسحوقة تحت أقدام الحيوان المختبيء في الهياكل البشريّة .قد داستك تلك النعال بقسوة
لكنّها لم تخفِ عطرك المتصاعد مع نواح الرامل وصراخ اليتامى وتنهيدات الفقراء نحو السّماء
مصدر العدل والرحمة .
تعزّي يا "مرتا "بكونك زهرة مسحوقة ولست قدماً ساحقة !"

كنت أتكلّم و هى مصغية وقد أنارت التّعزية وجهها المصفرّ مثلما تنير أشعة المغرب اللطيفة خلايا الغيوم .
ثمّ أومأت إليّ أن أجلس بجانب السرير ، ففعلت مسائلاً ملمحها المتكلّمة عن مخبّآت نفسها الحزينة . ملمح من
عرف أنه مائت . ملمح صبيّة فى ربيع العمر قد شعرت بوقع أقدام الموت حول فراشها البالي . ملمح امرأة
متروكة كانت بالأمس بين أودية لبنان الجميلة مملوءة حياة و قوّة ، فصارت اليوم مهزولة تترقّب الانعتاق من
قيود الحياة . و بعد سكينة مؤثّرة جمعت فضلت قواها و قالت ودموعها تتكلّم معها ونفسها تتصاعد مع
أنفاسها :
نعم أنا مظلومة ، أنا شهيدة الحيوان المختبيء في الإنسان ، أنا زهرة مسحوقة تحت الأقدام .كنت جالسة على
حافّة ذلك الينبوع عندما مرّ راكباً .. قد خاطبني بلطف ورقّة وقال لي إني جميلة وإنه قد أحبني فلن يتركني ،
وإنّ البرية مملوءة وحشة و الأودية هي مساكن الطيور وبنات آوى , ثم ألوي علّي وضمّني إلى صدره
وقبلني ، وكنت لم أذق حتى تلك الساعة طعم القبلة , لأني كنت يتيمة متروكة .أردفني على ظهر جواده وجاء بي
إلى بيت جميل منفرد . ثم أتى بالملبس الحريريّة والعطور الزكيّة والمآكل اللذيذة والمشارب الطيّبة , فعل كل
ذلك مبتسماً وساتراً بشاعة ميوله وحيوانية مرامه بالكلم اللطيف والشارات المستحبة , و بعد أن أشبع
شهواته من جسدي وأثقل بالذلّ نفسي غادرني تاركاً في أحشائي شعلة حيّة ملتهبة تغذّت من كبدي ونمت
بسرعة ثم خرجت إلى هذه الظّلمة من بين دخان الأوجاع ومرارة العويل .

و هكذا قسمت حياتى إلى شطرين :
شطر ضعيف متألّم ، و شطر صغير يصرخ فى هدوء الليل طالباً الرجوع إلى الفضاء الواسع . في ذلك البيت
المنفرد تركني الظّلوم ورضيعي نقاسي مضض الجوع والبرد والوحدة ، لا معين لنا غير البكاء والنّحيب ، ولا
سمير سوى الخوف والهواجس ...


وعلم رفاقه بمكاني وعرفوا بعوزي وضعفي فجاء الواحد بعد الآخر وكل يبتغي ابتياع العرض بالمال وإعطاء
الخبز لقاء شرف الجسد .
آه كم قبضت على روحي بيدي لتقديمها للأبديّة ، ثم أفلتها لأنّها لم تكن لى وحدى ، فشريكى
بها كان ولدى الذى أبعدته السماء عنها إلى هذه الحياة و ألقتنى فى أعماق هذه الهاوية ... و
الن ها هي الساعة قد دنت وعريسي الموت قد جاء بعد هجرانه ليقودني لمضجعه الناعم !


وبعد سكينة عميقة تشابه مس الرواح المتطايرة ، رفعت عينيها المحجوبتين بظل المنية وقالت بهدوء :
- أيها العدل الخفىّ ، الكامن وراء هذه الصور المخيفة ، أنت أنت السامع عويل نفسي المودعة ونداء قلبي
المتهامل ، منك وحدك أطلب وإليك أتضرّع ، فارحمني و ارعَ بيمناك ولدي ، و تسلّم بيسراك روحى !


وخارت قواها وضعفت تنهداتها ، ونظرت إلى ابنها نظرة حزن وحنو ، ثم ميّلت عينيها ببطء و بصوت يكاد
يكون سكينة قالت : " أبانا الذى فى السموات ... ليتقدّس اسمك ... ليأتِ ملكوتك ... لتكن مشيئتك كما فى
السماء كذلك على الأرض .. اغفر لنا ذنوبنا " .
وانقطع صوتها ،وبقيت شفتاها متحركتين هنيهة وبوقوفهما همدت كل حركة في جسدها .ثم اختلجت وتأوّهت
وابيضّ وجهها وفاضت روحها .وظلت عيناها محدقتين إلى ما لا يرى.



عندما جاء الفجر وُضعت جثّة "مرتا " البانية في تابوت خشبيّ ، وحملت على كتفيّ فقيرين ودُفنت في حقل
مهجور بعيد عن المدينة . وقد رفض الكهان الصلة على بقاياها ولم يقبلوا أن ترتاح عظامها في الجبانة حيث
الصّليب يخفر القبور.ولم يشيّعها إلى تلك الحفرة البعيدة غير ابنها وفتى آخر كانت مصائب هذه الحياة قد
علمته الشّفقة.




تمّت .



عن كتاب
" عرائس المروج "
للأديب
" جبران "






" صوت الإيمان "

صوت الايمان
07-11-2011, 20:10
احبس صراخك اللجوج ،
وأنفاس قلبك الملتهب ،
لأنّ أذن اللانهاية صمّاء، وغافلة هي عين السماء.
فنحن كل ما وراء العالم وما فوقه،
وبيننا وبين الأبدية غير المحدودة لا يوجد شيء غير
أهوائنا التي لم تتشكّل ، وغاياتها التي
لم تتكمّل.

أنت تستهوي غير المعروف ،
وغير المعروف ، المرتدي بالضّباب المتحرك،
إنّما يقطن في أعماق نفسك .
نعم في أعماق نفسك يضطجع منقذك نائماً
وهو يرى في نومه ما لا تراه عيناك المستيقظتان
وهذا هو سرّ كياننا .

فهل تُعرض عن جمع حصادك
لتلقي بذارك بعجلةٍ في أثلام أحلامك؟
وعلامَ تبسط سُحبك في الحقول الخربة.
في حين أن قطيعك يفتّش عنك
وأنت عبثاً تجمع في خيالك ؟
فتأنّ . وأنعم نظرك في العالم .

انظر إلى أولاد محبتك غير المفطومين.
إنّ الأرض هي مسكنك , والأرض هي عرشك ,
وفوق أرفع آمال الإنسان تقبض يدك على قسمته ,
أنت لا تريد أن تتركه ,
- وهو المجاهد – أن يصل إليك بمسرّاته وآلامه.
- وأنت لا تحوّل عينيك عن الحاجة التي في عينيه .








عن كتاب
" آلهة الأرض "
للأديب
" جبران "






" صوت الإيمان "

صوت الايمان
09-11-2011, 19:48
(( على باب الهيكل ))



ما هذا الذي ندعوه حبّاً ؟

أخبِروني ما هذا السر الخفيّ

الكامِن خلف الدّهور,

المختبِئ وراء المرئيَّات,

السَّاكِن في ضمير الوجود ؟

ما هذه الفكرة المطلقة التي تجيء سببًا

لجميع النتائج

وتأتي نتيجة لجميعِ الأسباب ؟


ما هذه اليقظة التي تتناول الموت والحياة,

وتبتَدِع منهما حلمًا أغرب من الحياة

وأعمق من الموت ؟


أخبروني أيّها الناس.

أخبروني هل بينكم من لا يستيقظ من رقدة الحياة

إذا ما لمس الحبُّ روحَه بأطرافِ أصابعه ؟

هل بينكم من لا يترك أباه وأمَّه ومسقط رأسه

عندما تناديه الصَّبِيَّةُ التي أحبَّها قلبه ؟

هل فيكم من لا يمخر البحر ويقطع الصحاري, ويجتاز

الجبال والأودية ليلتقي المرأة التي اختارتها روحه ؟


أيُّ فتى لا يتبع قلبه إلى أقاصي الأرض إذا

كان له في أقاصي الأرض حبيبة

يستطيب نكهة أنفاسها,

ويستلطف ملامس يديها,

ويستعذب رنَّة صوتها ؟

أيُّ بشريّ لا يحرق نفسه بخورًا أمام إله

يسمعُ ابتهاله ويستجيبُ صلواتِه ؟





عن كتاب
" العواصف "
للأديب
" جبران "




ملحوظة :
هذا جزء مقتبس من النّص
وليس كاملاً .






" صوت الإيمان "

صوت الايمان
12-11-2011, 20:47
مقاطع أدبيّة من
(( بحيرة النّار ))


- فليبقَ هذا الطائر حيّاً...
ليبق هذا البلبل مغرّداً
حتّى المساء،
حتّى ينتهي الربيع،
حتى ينتهي العالم،
حتى تنتهي الدهور ...
لا تخرسه لأنّ صوته يحييني
ولا توقف جناحيه لأنّ حفيفهما
يزيل الضّباب عن قلبي .


- أريدك أن تحبّني...
أريدك أن تحبّني إلى نهاية أيّامي...
أريدك أن تحبّني مثلما يحبّ الشّاعر أفكاره المحزنة.
أريدك أن تذكرني مثلما يذكر المسافر حوض ماء
هادئ رأى فيه خيال وجهه قبل أن يشرب من مائه.
وأريدك أن تذكرني مثلما تذكر الأم جنينًا مات في
أحشائها قبل أن يرى النور.
وأريدك أن تفكّر بي مثلما يفكّر الملك الرؤوف بسجين
مات قبل أن يبلغه عفوه.
أريدك أن تكون لي أخًا وصديقًا ورفيقًا.


-إنّ قلب المرأة لا يتغيّر مع الزمن ولا يتحوّل مع الفصول.
قلب المرأة ينازع طويلا ولكنّه لا يموت.
قلب المرأة يشابه البريّة التي يتخذها الإنسان ساحة
لحروبه ومذابحه،
فهو يقتلع أشجارها ويحرق أعشابها ويلطّخ صخورها
بالدماء ويغرس تربتها بالعظام والجماجم، و
لكنّها تبقى هادئة ساكنة مطمئنة ويظلّ
فيها الربيع ربيعاً والخريف
خريفاً إلى نهاية الدهور...


-أهكذا ينقضي الحلم الجميل وتندثر الحقيقة العذبة؟
أهكذا تبتلع اللجّة نغمة الشحرور وتنثر الرّياح أوراق الوردة
وتسحق الأقدام كأس الخمر؟
أباطلاً أوقفتنا تلك الليلة أمام وجه القمر وباطلاً
ضمّنا الرّوح في ظلال هذه الياسمينة؟
هل تسرّعنا بالصّعود نحو الكواكب فكلّت أجنحتنا وهبطت
بنا إلى الهاوية؟
هل فاجأنا الحبّ نائماً فاستيقظ غاضباً ليعاقبنا أم هيّجت أنفاسنا
نسمات الليل فانقلبت ريحاً شديدة لتمزقنا وتجرفنا
كالغبار إلى أعماق الوادي؟.



-إنّ اللذين لم يهبهم الحبّ أجنحة لا يستطيعون أن يطيروا إلى
ما وراء الغيوم ليروا ذلك العالم السحري الذي طافت فيه روحي
وروح "سلمى "..
إنّ اللذين لم يتخذهم الحبّ أتباعاً لا يسمعون الحبّ متكلماً.
فهذه الحكاية لم تكتب لهم، فهم وإن فهموا معاني هذه الصّفحات
الضئيلة لا يمكنهم أن يروا ما يسيل بين سطورها من الأشباح
والخيالات الّتي لا تلبس الحبر ثوباً ولا تتخذ الورق مسكناً.
ولكن أيّ بشريّ لم يرشف من خمرة الحب في إحدى كاساته؟
أيّة نفس لم تقف متهيّبة في ذلك الهيكل المنير المرصوف بحبّات
القلوب المسقوف بالأسرار والأحلام والعواطف؟
أيّ زهرة لم يسكب الصباح قطرة من الندى بين أوراقها، وأيّ
ساقية تضل طريقها ولا تذهب إلى البحر؟


-تلك الأيّام مضت كالأشباح واضمحلّت كالضّباب ولم يبقَ لي
منها سوى الذّكرى الأليمة ــ فالعين التي كنت أرى بها جمال
الربيع ويقظة الحقول لم تعد تحدق بغير غضب العواطف ويأس
الشتاء. والأذن التي كنت أسمع بها أغنية الأمواج لم تعد تصغي
لغير أنّة الأعماق وعويل الهاوية. والنّفس التي كانت تقف متهيّبة أمام
نشاط البشر ومجد العمران لم تعد تشعر بغير شقاء الفقراء
وتعاسة السّاقطين.
فما أحلى أيّام الحب وما أعذب أحلامها، وما أمرّ ليالي الحزن
وما أكثر مخاوفها !!


-إنّ الملامح التي تبيح أسرار الذات المعنوية تكسب الوجه جمالاً وملاحة
مهما كانت تلك الأسرار موجعة وأليمة. أمّا الوجوه التي لا تتكلّم
بصمتها عن غوامض النّفس وخفاياها فلا تكون جميلة مهما كانت
متناسقة الخطوط متناسقة الأعضاء.


-إنّ ظمأ الرّوح أعذب من ارتواء المادّة وخوف النفس
أحبّ من طمأنينة الجسد .






عن رواية
" الأجنحة المتكسّرة "
للأديب
" جبران "






" صوت الإيمان "

صوت الايمان
17-11-2011, 16:55
قطوف من
(( صوت الشّاعر ))




- البشر يضجّون كالعاصفة, وأنا أتنهّد بسكينة, لأني وجدت عنف العاصفة يزول وتبتلعه لجّة الدّهر,
أما التنهدة فتبقى ببقاء الله.
البشر يلتصقون بالمادّة الباردة كالثّلج, وأنا أطلب شعلة المحبّة لأضمَّها إلى صدري فتتآكل ضلوعي
وتُبرى أحشائي, لأني ألفيتُ المادَّة تُميت الإنسان بلا ألم والمحبَّة تُحييه بالأوجاع !!



- الأرض كلّها وطني
والعائلة البشريّة عشيرتي
لأنّي وجدت الإنسان ضعيفًا ومن الصغر أن ينقسم على ذاته, والأرض ضيّقة ومن الجهل أن تتجزَّأ إلى
ممالك وإمارات.
البشر يتكاتفون على هدم هياكل الرّوح, ويَتَعاوَنُون على بناء معاهد الجسد,
وأنا وحدي واقف في موقف الرثاء, على أنّني أصغي فأسمع من داخلي صوت الأمل قائلاً:
مثلما تحيي المحبة القلب البشري بالأوجاع
كذا تعلّمه الغباوَةُ سُبُلَ المعرفة;
فالأوجاع والغباوة تؤول إلى لذَّةٍ عظيمة ومعرفة كاملة
لأنّ الحكمة السرمديّة لم تخلق شيئًا باطِلاً تحت الشمس !!



-أحن إلى بلادي لجمالها وأحب سكّان بلادي لتعاستهم , ولكن إذا ما هبّ قومي مدفوعين بما يدعونه
وطنية وزحفوا على وطن قريبي وسلبوا أمواله وقتلوا رجاله ويتموا أطفاله ورمّلوا نساءه وسقّوا أرضه
دماء بنيه وأشبعوا ضواريه لحوم فتيانه كرهت إذْ ذاك بلادي وسكان بلادي .



- أشتاق إلى بيت رُبّيت فيه , ولكن إذا مرّ عابر طريق وطلب مأوى في ذلك البيت وقوتاً من سكّانه ومنع
مطروداً استبدلت تشبيبي بالرّثاء وشوقي بالسلوّ وقلت بذاتي
" إنّ البيت الذي يضنّ بالخبر على محتاجه , وبالفراش لهو أحق البيوت بالهدم والخراب "



أنت أخي و أنا أحبّك ...
أحبك ساجداً في جامعك , و راكعاً في هيكلك و مصلّياً في كنيستك , فأنت وأنا ابنا دين واحد هو الرّوح ,
و زعماء فروع هذا الدين أصابع ملتصقة في يد الألوهية المشيرة إلى كمال النفس .
أحبّك لمحبة حقيقتك المنبثقة من العقل العام , تلك الحقيقة التي لا أراها الآن لعماوتي , لكني أعتبرها
مقدّسة لأنّها من أعمال النّفس , تلك الحقيقة ستلتقي بحقيقتي في العالم الآتي فتمتزجان كأنفاس الأزهار
و تصيران حقيقة واحدة كلية خالدة بخلود الحب و الجمال .



-أحبّك لأّني رأيتك ضعيفاً أمام الأقوياء القساة , و فقيراً محتاجاً أمام صروح الأغنياء الطّامعين ,
لذلك بكيت من أجلك , و من وراء دموعي رأيتك بين ذراعي العدل و هو يبتسم لك و يستهزئ
بمضطهديك
أنت أخي و أنا أحبّك ..




-تلك الإنسانيّة الجالسة وحدها تستغيث القوم وهم لا يسمعون - وإن سمعها فرد واقترب منها
ومسح دموعها وعزّاها في شدائدها قال القوم , اتركوه فالدموع لا تؤثّر بغير الضعيف .






عن كتاب
" دمعة وابتسامة "
للأديب
( جبران )








" صوت الإيمان "

صوت الايمان
21-11-2011, 20:21
النّفس زهرة ليّنة في مهب ريح التقادير ، نسيمات الصباح
تهزّها وقطرات الندى تلوي عنقها ،كذا تغريدة عصفور تنبّه
الانسان من غفلته
،فيصغي ,
ويشعر ,
ويمجّد معه الحكمة مبدعة نغمة الطائر العذبة وشعوره الرّقيق .
وتهيّج تلك التغريدة قوى فكرته , فيسأل ذاته , وما يحفّ به ,
عماّ أسرّه لحن ذلك الطّائر الصّغير فحرّك أوتار عواطفه
وأوحى إليه معاني ما حوتها كتب الألى تقدّموه .
يسأل مستفهماً عمّا إذا كان العصفور يناجي زهور الحقل أم يحاكي
أغصان الأشجار أم يقلّد خرير مجاري المياه أم ينادم الطّبيعة
بأسرها ,ولكنّه لا يستطيع إلى الحصول على الجواب سبيلا .


الإنسـان لا يـدري ما يقـوله العصفور فـوق أطراف الأغصـان ،
ولا الجداول على الحصبــاء, ولا الأمواج إذ تأتي الشّواطئ ببطء
وهدوء.
ولا يفقه ما يحكيه المطـر إذ يتسـاقط منهمـلاً على أوراق
الأشجـار,
أو عندمـا يطرق بأنامله اللطيفة بلور نافذته ، ولا يفهم ما
يقوله النسيم لزهــور الحقل،
ولكنّه يشعر أنّ قلبه يفقه ويفهم مفاد جميع هذه الأصوات
فيهتزّ لها تارة بعوامل الطرب ، ويتنهد طوراً بفواعل الأسى
والكآبه ..
أصوات تناجيه بلغة خفيـّة ، وضعتها الحكمة قبل كيانه فتحدّثتْ
نفسه والطبيعة مرّاتٍ كثيرة وهو واقف معقود اللسـان حائراً ،
وربّما نـاب عن لفظه الدمع
والدّمع أفصحُ مترجـم .






عن كتاب
" الموسيقى "
للأديب
( جبران )






" صوت الإيمان "

صوت الايمان
23-11-2011, 21:37
(( في ظلام الليل ))


في ظلام الليل نصرخ ونستغيث,

وخيالُ الموت منتصب في وسطنا,

وأجنحتُه السوداء تُخَيِّم علينا,

ويدُه الهائلة تجرف إلى الهاوية أرواحنا.

أَمَّا عيناه الملتهبتان فمُحَدِّقتان إلى

الشفق البعيد .


في ظلام الليل يسير الموت

ونحن نسير خلفه خائفين منتحبين...

وليس بيننا من يستطيع الوقوف.

وليس فينا من له أمل بالوقوف.


في ظلام الليل يسير الموت ونحن نتبعه.

وكلَّما التفتَ إلى الوراء يسقط منا ألف

إلى جانِبَي الطريق.

ومن يسقط يرقد ولا يستيقظ .

ومن لا يسقط يسر قسر إِرادته عالِمًا بأنه سيسقط

ويرقد مع الذين رقدوا.

أما الموت فيظلّ سائرًا محدِّقًا إلى الشفق البعيد.

في ظلام الليل ينادي الأخ أخاه , والأب أبناءه,

والأم أطفالها...

وكلّنا جائعون, لاغبون , مُتَضَوِّرون .

أما الموت فلا يجوع ولا يعطش.

فهو يلتهم أرواحنا وأجسادنا,

ويشرب دماءنا ودموعنا...

ولكنّه لا يشبع ولا يرتوي.

في الهزيع الأول من الليل ينادي الطفل أمّه

قائلاً : يا أُمَّاه أنا جائع.

فتجيبه الأم قائلة:

اِصبرْ قليلاً يا ولداه .

وفي الهزيع الثاني ينادي الطفل أُمَّه ثانية

قائلاً: يا أمَّاه أنا جائع فأعطني خبزًا .

فتجيبه: ليس لديّ خبز يا ولداه.

وفي الهزيع الثالث يمرّ الموت بالأم وطفلها

ويضمُّهُما بِجناحيه...

فيرقدان على جانب الطريق.

أما الموت فيظل سائرًا محدِّقًا إلى الشفق البعيد.

في الصباح يذهب الرجل إلى الحقول طالبًا القوت

فلا يجد غير التراب والحجارة .

وعند الظهيرة يعود إلى زوجتِه وصغاره خائر

القوي فارغ اليدين .

وعندما يجيء المساء يمرُّ الموت بالرجل وزوجته

وصغارِه فيجدهم راقدين فيضحك...

ثم يسير محدِّقًا إلى الشفق البعيد.

في الصباح يترك الفلاح كوخهُ,

ويذهب إلى المدينة,

وفي جيبه حِلَى أمّه وأختيه ليبتاع بها الدّقيق...

وعند العصر يعود إلى قريته بلا قوت ولا حلى,

فيجد أمه وابنتيها راقدات...

أما عيونُهُنَّ فلم تزل شاخصة إلى

اللاشيء... فيرفع ذراعيه نحو السماء,

ثم يهبط إلى الحضيض كطائر رماه الصياد.

وفي المساء يمرُّ الموت بقرب الفلاح وأمه وأختيه

فيجدهم راقدين فيبتسم, ثم يسير محدقًا إلى

الشفق البعيد .


في ظلام الليل,

وليس لظلام اللَّيلِ نهاية,

نناديكم أيها السّائرون في نور النّهار...

فهل أنتم سامعون صراخنا ?

قد بعثنا إليكم أرواحَ أمواتِنَا رسلاً

فهل وعيتم ما قاله الرُّسل ?

وحمَّلنا الهواءَ الشرقيَّ من أنفاسنا حِمْلاً

فهل بلغ الهواء شواطئكم البعيدة

وألقى بين أيديكم أحماله الثقيلة?


هل عرفتم ما بنا فقمتم تسعون لإنقاذنا,

أم وجدتم نفوسكم في سلامة وطمأنينة فقلتم:

ماذا عسى يستطيع الجالسون في النور

أن يفعلوا لأبناء الظّلام?

فلندع الموتى يدفنون أمواتهم ,

ولتكن مشيئة الله .

أيّ, لتكن مشيئة الله ! ولكن:

هلاَّ تستطيعون أن ترفعوا نفوسكم إلى ما فوق نفوسِكم

ليصيّركم الله مشيئة له وعوناً لنا ?

في ظلام الليل ينادي بعضُنَا بعضًا.

في ظلام الليل ينادي الأخ أخاه,

والأم ابنها,

والزوج زوجته,

والمحبّ حبيبته...

وعندما تتمازج أصواتنا

وتتعالى إلى كبد الفضاء...

يقف الموت هنيهة ضاحكًا منَّا, مستهزئًا بنا,

ثم يسير محدقًا إلى الشفق البعيد .







عن كتاب
" العواصف "
للأديب
( جبران )




" صوت الإيمان "

صوت الايمان
07-12-2011, 14:53
أنا لا أبدّل أحزان قلبي بأفراح النّاس ولا أرضى أن تنقلب
الدّموع التي تستدرها الكآبة من جوارحي وتصبح ضحكاً .
أتمنّى أن تبقى حياتي دمعة وابتسامة
دمعة تطهّر قلبي وتفهمني أسرار الحياة وغوامضها
وابتسامة تُدنيني من أبناء بجدتي وتكون رمز تمجيدي
دمعة أشارك بها منسحقي القلب وابتسامة تكون عنوان
فرحي بوجودي .


أريد أن أموت شوقا ولا أحيا مللاً
أريد أن تكون في أعماق نفسي مجاعة للحبّ و الجمال
لأني نظرت فرأيت المستكفين أشقى الناس وأقربهم من
المادّة , وأصغيت فسمعت تنهّدات المشتاق المتمنّي
أعذب من رنّات المثاني والمثالث
يأتي المساء فتضمّ الزهرة أوراقها و تنام معانقة شوقا
و عندما يأتي الصباح تفتح شفتيها لأقتبال قبلة الشمس
فحياة الأزهار شوق و وصال , دمعة وابتسامة .
تتبخّر مياه البحر و تتصاعد ثم تتجمّع و تصير غيمة
وتسير فوق التلال و الأوديه حتى إذا ما لاقت نسيمات لطيفة
تتساقط باكية نحو الحقول وانضمّت إلى الجداول ورجعت
إلى البحر موطنها ,
حياة الغيوم فراق ولقاء , دمعة و ابتسامة .


كذا النّفس تنفصل عن الروح و تسير في عالم المادّة وتمرّ كغيمة
فوق جبال الأحزان وسهول الأفراح فتلتقي بنسيمات الموت
فترجع إلى حيث كانت ..
إلى بحر المحبّة والجمال
إلى الله .






عن كتاب
" دمعة وابتسامة "
للأديب
" جبران "








" صوت الإيمان "

صوت الايمان
27-12-2011, 14:47
اسم المرأه التي أحبّها قلبي فهو الحياة .
فالحياة امرأه ساحرة حسناء تستهوي قلوبنا ، وتستغوي
أرواحنا ،
وتغمر وجداننا بالوعود ، فإن مطلت أماتت فينا الصبر ،
وإن برّت أيقظت فينا الملل .

الحياة امرأة تستحمّ بدموع عشاقها وتتعطّر بدماء قتلاها .
الحياة امرأة ترتدي الأيام البيضاء المبطّنة بالليالي السّوداء .
الحياة امرأه ترضى بالقلب البشري خليلاً وتأباه حليلاً .
الحياة امرأة عاهرة ولكنّها جميلة ومن يرَ عهرها يكره جمالها !







عن كتاب
" العواصف "
للأديب
" جبران "







" صوت الإيمان "

ظميان غدير
31-12-2011, 21:18
اسم المرأه التي أحبّها قلبي فهو الحياة .
فالحياة امرأه ساحرة حسناء تستهوي قلوبنا ، وتستغوي
أرواحنا ،
وتغمر وجداننا بالوعود ، فإن مطلت أماتت فينا الصبر ،
وإن برّت أيقظت فينا الملل .

الحياة امرأة تستحمّ بدموع عشاقها وتتعطّر بدماء قتلاها .
الحياة امرأة ترتدي الأيام البيضاء المبطّنة بالليالي السّوداء .
الحياة امرأه ترضى بالقلب البشري خليلاً وتأباه حليلاً .
الحياة امرأة عاهرة ولكنّها جميلة ومن يرَ عهرها يكره جمالها !







عن كتاب
" العواصف "
للأديب
" جبران "







" صوت الإيمان "


صوت الايمان

لطالما اعجبني وخطر في بالي ان نشبه الحياة بإمراة

لان المرآة كالحياة

فاتنة ساحرة
تغرينا تجعلنا نتعلق بها
تستطيع ان تخلق الامل
تستطيع في لحظات ان تحبطنا وتجعلنا متشائمين


تحيتي لنقولاتك لنا عودة لصفحتك الجبرانية الطويلة

صوت الايمان
02-01-2012, 22:47
صوت الايمان

لطالما اعجبني وخطر في بالي ان نشبه الحياة بإمراة

لان المرآة كالحياة

فاتنة ساحرة
تغرينا تجعلنا نتعلق بها
تستطيع ان تخلق الامل
تستطيع في لحظات ان تحبطنا وتجعلنا متشائمين


تحيتي لنقولاتك لنا عودة لصفحتك الجبرانية الطويلة



أهلاً ومرحباً بالشّاعر المبدع
" ظمآن غدير "


من الطّبيعي أن يكون
تأثيرها بهذا الشّكل
إن استقرّ هواها
بالقلب يا شاعرنا .


ما رأيك أن تجعل ذاك الخاطر والإعجاب
قصيدة ولك أن تُسقط
فيها كلّ ما تريد
ولكن
كن منصفاً

:)


شكراً لمرورك الرّائع دوماً
شاعرنا المتألّق .





" صوت الإيمان "

ظميان غدير
03-01-2012, 19:03
أهلاً ومرحباً بالشّاعر المبدع
" ظمآن غدير "


من الطّبيعي أن يكون
تأثيرها بهذا الشّكل
إن استقرّ هواها
بالقلب يا شاعرنا .


ما رأيك أن تجعل ذاك الخاطر والإعجاب
قصيدة ولك أن تُسقط
فيها كلّ ما تريد
ولكن
كن منصفاً

:)


شكراً لمرورك الرّائع دوماً
شاعرنا المتألّق .





" صوت الإيمان "


اهلا بك يا صوت الايمان

لو انها انصفتني

لكنها لم تنصفنا لننصفها


فكرة واقتراح جميل
سأعمل على القصيدة قريبا

:)

صوت الايمان
04-01-2012, 16:52
اهلا بك يا صوت الايمان

لو انها انصفتني

لكنها لم تنصفنا لننصفها


فكرة واقتراح جميل
سأعمل على القصيدة قريبا

:)

اغتنام فرصة الانتقام يعني
الله يستر

:)

بانتظار رائعتك شاعرنا المبدع
" ظمآن غدير "
مودّتي وتقديري دائماً .





" صوت الإيمان "

صوت الايمان
04-01-2012, 17:07
قطوف من :
بين " عشتروت "
و " المسيح "




- كم يصعب عليّ الآن أن أدوّن بالكلام ذكرى تلك السّاعات التي كانت تجمعني
" بسلمى"
تلك الساعات العلويّة المكتنفة باللّذة والألم , والفرح والحزن , والأمل واليأس , وكلّ
ما يجعل الإنسان إنساناً , والحياة لغزاً أبدياً . كم يصعب عليّ أن أذكرها ولأرسم
بالكلام الضئيل خيالاً من خيالاتها ليبقى مثلاً لأبناء الحبّ والكآبة.



- لم تكن اجتماعاتنا مقتصرة على مبادلة العواطف وبثّ الشّكوى , بل كنّا ننتقل
على غير معرفة بنا إلى العموميّات فنتبادل الآراء والأفكار في شؤون هذا العالم الغريب
, ونتباحث في مرامي الكتب التي كنّا نقرؤها ذاكرين حسناتها وسيّئاتها وما تنطوي عليه من
الصّور الخياليّة والمبادئ الاجتماعيّة ، فتتكلّم " سلمى " عن منزلة المرأة في الجامعة
البشريّة وعن تأثير الأجيال الغابرة على أخلاقها وميولها وعن العلاقة الزوجيّة في أيامنا
هذه وما يحيط بها من الأمراض والمفاسد وإنّي أذكر قولها مرّة :

"إن الكتّاب والشّعراء يحاولون إدراك حقيقة المرأة ولكنّهم للآن لم يفهموا أسرار
قلبها ومخبّآت صدرها لأنّهم ينظرون إليها من وراء نقاب الشّهوات , فلا يرون غير خطوط
جسدها , أو يضعونها تحت مكبّرات الكره , فلا يجدون فيها غير الضّعف والاستسلام".



- إنّ الرّجل يشتري المجد والعظمة والشّهرة , ولكن هي المرأة التي تدفع الثّمن .



- لم نخف قط عين الرقيب ولا شعرنا بوخز الضّمير , لأنّ النّفس إذا تطهّرت بالنّار
واغتسلت بالدّموع تترفّع عمّا يدعوه الناس عيباً وعاراً , وتتحرّر من عبوديّة الشّرائع
والنّواميس التي سنّتها التّقاليد لعواطف القلب البشريّ , وتقف برأس مرفوع أمام عروش
الآلهة.



-إنّ السّـجين المظـلوم الّذي يستطيع أن يهدم جدران سـجنه ولا يفعل يكون جباناً , و
"سلمى كرامة " كانت سجينة مظلومة ولم تستطع الانعتاق , فهل تُلام لأنّها كانت
تنظر من وراء نافذة السّجن إلى الحقول الخضراء والفضاء الوسيع .



- ليقل الناس ما أرادوا عنّي
فالنّفس الّتي شاهدت وجه الموت لا تذعرها وجوه اللصوص، والجندي الّذي رأى السّيوف
محتبكة فوق رأسه , وسواقي الدّمـاء تحت قدميه لا يحفل بالحجارة التي يرشقه
بها صبيان الأزقّة.









عن رواية
" الأجنحة المتكسّرة "
للأديب ( جبران ) .








" صوت الإيمان "

ظميان غدير
04-01-2012, 21:30
اغتنام فرصة الانتقام يعني
الله يستر

:)

بانتظار رائعتك شاعرنا المبدع
" ظمآن غدير "
مودّتي وتقديري دائماً .





" صوت الإيمان "

لا والله يا صوت

سأحاول ان اكون منصفا

لكنني أعلم مهما كان سأبدو غير منصف

لأن الحياة والمرآة يطلبون منا الكثير ولا يعطوننا شيئا بالمقابل

ستبدو المعادلة كلها غير عادلة

وسأبدو ربما ربما ساخطا :)


ولا سبيل سوى بالرضا بقضاء الله وقدره :)

لأنه هو الذي خلق النساء وخلق الحياة والدنيا

صوت الايمان
05-01-2012, 18:30
لا والله يا صوت

سأحاول ان اكون منصفا

لكنني أعلم مهما كان سأبدو غير منصف

لأن الحياة والمرآة يطلبون منا الكثير ولا يعطوننا شيئا بالمقابل

ستبدو المعادلة كلها غير عادلة

وسأبدو ربما ربما ساخطا :)


ولا سبيل سوى بالرضا بقضاء الله وقدره :)

لأنه هو الذي خلق النساء وخلق الحياة والدنيا




أهلاً ومرحباً شاعرنا القدير
أنا أحترم جدّاً محاولتك للإنصاف
فقمّة العدل " أن ننصف الآخر ونحن
في أقصى درجات غضبنا أو سخطنا "

ولكن :
(( لأن الحياة والمرآة يطلبون منا الكثير
ولا يعطوننا شيئا بالمقابل ))
هل هذا حكم عادل برأيك يا شاعرنا ؟؟!!
عموماً يا شاعرنا
في( الحياة والمرأة )
ولكي لا تظلّ ساخطاً عليهما ,, :)
ليس لنا أن نحصل على كلّ ما نريد منهما
والرّضا فيهما أبلغ معاني الإيمان والقوّة
مودّتي وتقديري دائماً شاعرنا القدير .







" صوت الإيمان "

ظميان غدير
06-01-2012, 00:56
أهلاً ومرحباً شاعرنا القدير
أنا أحترم جدّاً محاولتك للإنصاف
فقمّة العدل " أن ننصف الآخر ونحن
في أقصى درجات غضبنا أو سخطنا "

ولكن :
(( لأن الحياة والمرآة يطلبون منا الكثير
ولا يعطوننا شيئا بالمقابل ))
هل هذا حكم عادل برأيك يا شاعرنا ؟؟!!
عموماً يا شاعرنا
في( الحياة والمرأة )
ولكي لا تظلّ ساخطاً عليهما ,, :)
ليس لنا أن نحصل على كلّ ما نريد منهما
والرّضا فيهما أبلغ معاني الإيمان والقوّة
مودّتي وتقديري دائماً شاعرنا القدير .







" صوت الإيمان "

هههه

لو اقتنعت بالكلام هذا
لن يكون هنالك قصيدة.....

لا بد من مشاعر سلبية ..دون الابتعاد عن الواقع

شكرا لك يا صوت
مودتي الخالصة

صوت الايمان
06-01-2012, 17:22
هههه

لو اقتنعت بالكلام هذا
لن يكون هنالك قصيدة.....

لا بد من مشاعر سلبية ..دون الابتعاد عن الواقع

شكرا لك يا صوت
مودتي الخالصة


حسناً يا شاعرنا
لا تقتنع به ريثما تتمّ القصيدة
وبعدها عليك الاقتناع به
كرهاً أو طوعاً

:)

وفّقك الله في رائعتك يا شاعرنا
ولك مودّتي وتقديري .






" صوت الإيمان"

صوت الايمان
18-01-2012, 20:26
(( متّى ))
العظة عن الجبل





.... طوبى للرصينين بالرّوح.
طوبى لمن لا تقيدهم مقتنياتهم، لأنهم سيكونون أحـراراً.
طوبى لمن يتذكّرون ألامهم ، وفي آلامهم يرقبون أ فراحهم.
طوبى للجياع إلى الحق والجمال، لأنّ مجاعتهم ستحمل
لهم خبزاً ، وعطشهم ماءً عذبا ً.
طوبى للرؤوفين، لأنّهم سيتعزّون بلطفهم ورأفتهم.
طوبى لأنقياء القلب , لأنّهم سيكونون واحداً مع الله .
طوبى للرحماء، لأنّ الرّحمة ستكون في نصيبهم.
طوبى لصانعي السّـلام، لأنّ أرواحهم ستقطن فوق المعركة
وسيحوّلون حقل الخزّاف إلى جنّة غنّاء.
طوبى للمطاردين، لأنّ أقدامهم ستكون سريعة
وسيكونون مجنّحين.






عن كتاب
" يسوع ابن الإنسان "
للأديب ( جبران )







"صوت الإيمان "

صوت الايمان
23-01-2012, 14:35
يا " مي " :

الحياة يا مي لا تقف في مكان من الأمكنة , وهذا الموكب الهائل بجماله لا يستطيع سوى المسير
من لا نهاية إلى لا نهاية .
ونحن , ونحن الذين نقدّس الحياة ونميل بكل قوانا إلى الصالح والمبارك والعذب والنبيل في الحياة , نحن الذين
نجوع ونعطش إلى الّثابت الباقي في الحياة لا نريد أن نقول أو نفعل ما يوعز الخوف أو ما "يملأ الروح شوكاً
وعلقماً" .
نحن لا نريد ولا نقدر أن نلمس جوانب المذبح إلا بأصابع طهرت بالنار . ونحن إذا أحببنا شيئاً يا ميّ نحسب
المحبة نفسها محجّة لا واسطة للحصول على شيء آخر , وإذا خضعنا خاشعين أمام شيء علوي نحسب الخضوع
رفعة والخشوع ثواباً
وإذا تشوّقنا إلى شيء نحسب الشّوق بحد ذاته موهبة ونعمة . ونحن نعلم أن أبعد الأمور هو أخلقها وأحقها
بميلنا وحنيننا ,
ونحن – أنت وأنا- لا نستطيع حقيقةً أن نقف في نور الشمس قائلين " يجب أن نوفر على نفوسنا عذاباً نحن
بغنى عنه " لا يا ميّ ,

نحن لسنا بغنى عما يضع في النّفس خميرة قدسيّة , ولسنا بغنى عن القافلة التي تسير بنا إلى مدينة
الله , ولسنا بغنى عما يقربنا من ذاتنا الكبرى , ويرينا بعض مافي أرواحنا من القوى والأسرار والعجائب
. وفوق كلّ ذلك فنحن نستطيع أن نجد السّعادة الفكرية في أصغر مظهر من مظاهر الروح ,
ففي الزهرة الواحدة نشاهد كل ما في الربّيع من الجمال والبهاء , وفي عيني الطفل الرضيع نجد كل ما في البشرية
من الآمال والأماني . لذلك لا نريد أن نتخذ أقرب الأشياء وسيلة أو مقدّمة للوصول إلى أبعدها ,

كما أننا لا نريد ولا نقدر أن نقف أمام الحياة ونقول مشترطين "أعطنا ما نريد أو لا تعطينا شيئاً
– إما ذاك وإما لا شيء" لا يامي ,
نحن لا نفعل ذلك لأنّنا نعلم أن الصالح والمبارك والثابت في الحياة لا يسير كما نشاء بل يسيرنا كما يشاء
. وأيّ مطمع لنا وسبعة آلاف ميل تفصلنا , في إعلان سرّ من أسرار أرواحنا سوى التمتّع بإعلان ذلك السّر ؟
وما هي غايتنا من الوقوف بباب الهيكل سوى مجد الوقوف ؟
ماذا يا ترى يبغي الطائر إذا ترنّم والبخور إذا احترق ؟
أو ليس في هذه النفوس المستوحدة سوى المنازع المحدودة ؟





ملحوظة :
الرّسالة طبعاً مجتزأة وليست كاملة
من ضمن رسالة بعثها " جبران" إلى
" مي " في
11 كانون الثّاني 1921 .







عن كتاب
" الشّعلة الزّرقاء "
بتحقيق " سلمى الكزبري "








" صوت الإيمان "

صوت الايمان
28-01-2012, 15:02
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar] pg ([Link nur für registrierte Benutzer sichtbar])




(( الشّحرور ))



أيّها الشّحرور غرّد
فالغنا سرّ الوجود



ليتني مثلك حـرّ
من سجون وقيود



ليتني مثلك روحاً
في فضا الوادي أطير



أشرب النّور مداماً
في كئوس من أثير



ليتني مثلك طهراً
و اقتناعاً و رضا



معرِضاً عمّا سيأتي
غافلاً عمّا مضى




ليتني مثلك ظرفاً
و جمالاً و بها



تبسط الريح جناحي
كي يوشّيه النّدى



ليتني مثلك فكراً
سابحاً فوق الهضاب



أسكب الأنغام عفواً
بين غابٍ و سحاب



أيهّا الشّحرور غنِّ
واصرف الأشجان عنّي



إن في صوتك صوتاً
نافخاً في أذن أذني






عن كتاب
" البدائع والطّرائف "
للأديب ( جبران )







" صوت الإيمان "

الحقيقة وبس
01-02-2012, 13:38
معك متابعاً أختي العزيزة صوت الايمان
رسم هذه اللوحة الرائعة والتي تتزين بانتقاءاتك
الاكثر من روعة لحياة هذا الانسان الذي عاش الحياة وفلسفها عبر كلماته..
هل تصدقين يا عزيزتي ..أن الانسان عندما يزور متحف جبران في مدينة بشري
يشعر بقشعرية تسري في دمائه .. فهو يقف أمام أحد عظماء الأدب العربي
والأدب المهجري خاصة
ربما كان للغربة وما توالت عليه من فواجع الأثر الكبير في هذا العطاء الرائع..
فالحرمان والألم يفجر تألقاً وأبداعاً.

ما زلت وسأبقى متابعاً معك ,,,,
مع خالص تحياتي

صوت الايمان
05-02-2012, 17:51
معك متابعاً أختي العزيزة صوت الايمان
رسم هذه اللوحة الرائعة والتي تتزين بانتقاءاتك
الاكثر من روعة لحياة هذا الانسان الذي عاش الحياة وفلسفها عبر كلماته..
هل تصدقين يا عزيزتي ..أن الانسان عندما يزور متحف جبران في مدينة بشري
يشعر بقشعرية تسري في دمائه .. فهو يقف أمام أحد عظماء الأدب العربي
والأدب المهجري خاصة
ربما كان للغربة وما توالت عليه من فواجع الأثر الكبير في هذا العطاء الرائع..
فالحرمان والألم يفجر تألقاً وأبداعاً.

ما زلت وسأبقى متابعاً معك ,,,,
مع خالص تحياتي



الأستاذ الكبير
" الحقيقة وبس "

وهل تصدّق يا أستاذنا أنّك حين
امتنعت التعليق هنا قلتُ في نفسي
أنّه لم يرق لك ما أنتقيه :)

أهلاً بحضورك الغالي ورأيك بهذا الأديب
العظيم الّذي يحمل في داخله الإنسان أوّلاً
فاستحقّ أدبه هذا التخليد

وبالفعل كان زاد إبداعه الألم فكانت نظرته
الفلسفيّة بالحياة ذات قراءة ثاقبة
ترى المستقبل بأفقٍ واسع !!

أشكرك جدّاً أديبنا العزيز ... لا حرمنا الله
روعة حضورك وألق إبداعك ..مودّتي
والاحترام .






" صوت الإيمان "

صوت الايمان
25-02-2012, 16:05
(( العطاء ))



ثمّ قال له رجل غني : هات حدّثنا عن العطاء
فأجاب قائلا:
إنك إذا اعطيت فإنما تعطي القليل من ثروتك
و لكن لا قيمة لما تعطيه ما لم يكن جزءاً من ذاتك لأنه أي شيء هي ثروتك ؟؟
أليست مادّة فانية تخزنها في خزائنك و تحافظ عليها جهدك خوفا من أن تحتاج إليها غدا ؟
و الغد , ماذا يستطيع الغد أن يقدم للكلب البالغ الفطنة الذي يطمر العظام في الرّمال غير المطروقة و هو يتبع الحجاج إلى المدينة المقدسة ؟
أو ليس الخوف هو الحاجة هو الحاجة بعينها ؟
أو ليس الظّمأ الشديد للماء عندما تكون بئر الظامئ ملآنة هو العطش الذي لا تروى غلّته ؟


من الناس من يعطون قليلاً من الكثير عندهم وهم يعطونه لأجل الشّهرة و رغيتهم الخفيّة في الشّهرة الباطلة تضيع الفائدة من عطاياهم
و منهم من يملكون قليلاً و يعطونه بأسره
ومنهم المؤمنون بالحياة و بسخاء الحياة هؤلاء لا تفرغ صناديقهم و خزائنهم ممتلئة أبدا ,
ومن النّاس من يعطونه بفرح و فرحهم مكافأة , و منهم من يعطونه بألم و ألمهم معموديّة لهم
و هنالك الذين يعطون ولا يعرفون معنى الألم في عطائهم و لا يتطلّبون فرحاً و لا يرغبون في إذاعة فضائلهم هؤلاء يعطون مما عندهم كما يعطي الريحان عبيره العطر في ذلك الوادي .
بمثل أيدي هؤلاء يتكلّم الله و من خلال عيونهم يبتسم على الأرض !!


جميل أن تعطي من يسألك ما هو في حاجة إليه , ولكن أجمل من ذلك أن تعطي من لا يسألك و أنت تعرف حاجته
فإن من يفتح يديه و قلبه للعطاء يكون فرحه بسعيه إلى من يتقبّل عطاياه و الاهتداء إليه أعظم منه بالعطاء نفسه
وهل في ثروتك شي تقدر أن تستبقيه لنفسك ؟
فإن كل ما تملكه اليوم سيفترق ولا شكّ يوماً ما , ذلك أعط منه الآن ليكون فصل العطاء من فصول حياتك أنت دون ورثتك
وقد طالما سمعتك تقول متبجّحاً إّنني أحبّ أن أعطي و لكن المستحقّين فقط
فهل نسيت يا صاح أنّ الأشجار في بستانك لا تقول قولك و مثلها القطعان في مراعيك ؟
فهي تعطي لكي تحيا لأنّها إذا لم تعط عرضت حياتها للتهلكة


الحق أقول لك إن الرجل الذي استحقّ أن يقتبل عطيّة الحياة و يتمتّع بأيّامه و لياليه هو مستحق لكل شيء منك
و الذي استحقّ أن يشرب من أوقيانوس الحياة يستحق أن يملأ كأسه من جدولك الصّغير
لأنه أي صحراء أعظم من الصحراء ذات الجرأة و الجسارة على قبول العطية بما فيها من الفضل و المنّة ؟


و أنت من أنت حتى أنّ الناس يجب أن يمزّقوا صدورهم و يحسروا القناع عن شهامتهم و عزّة نفوسهم لكي ترى جدارنهم لعطائك عارية و أنفتهم مجرّدة عن الحياء ؟
فانظر أولا هل أنت جدير بأن تكون معطاء و آلة عطاء
لأنّ الحياة هي التي تعطي الحياة في حين أنك و أنت الفخور بأن قد صدر العطاء منك لست بالحقيقة سوى شاهد بسيط على عطائك


أما أنتم الذين يتناولون العطاء و الإحسان و كلكم منهم فلا تتظاهروا بثقل واجب معرفة الجميل لئلا تضعوا بأيدكم نيراً ثقيل الحمل على رقابكم و رقاب الذين أعطوكم
بل فلتكن عطايا المعطي أجنحة ترتفعون بها معه
لأنّكم إذا أكثرتم من الشّعور بما أنتم عليه من الدّين فإنّكم بذلك تظهرون الشّك و الرّيبة في أريحية المحسن الذي أمّه الأرض السّخية و أبوه الرّب الكريم .






عن كتاب
" النّبي "
للأديب
( جبران خليل جبران )







" صوت الإيمان "

صوت الايمان
10-04-2012, 23:24
" ليس ألمي الأكبر بدنيّاً
فهناك شيء كبير بداخلي ..
وكنتُ دائماً على علم بذلك
ولا أستطيع التّخلّص منه . "



جبران
1922








" صوت الإيمان "