عرض مشاركة مفردة
 
  #104  
قديم 10-02-2016, 14:18
أم فرحي أم فرحي غير متصل
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jan 2016
مشاركة: 105
أم فرحي is on a distinguished road
الافتراضي رد : رواية التاج المفقود/ تأليف سعد فهيد العجمي

كانت الشمس قد بدأت تميل للرحيل عنا.. قرصها الأحمر يذكرني بلون الدّم في السرداب، وتغوص في أعماقي تلك الصور الكئيبة.
بدأنا نتهيأ للعودة ونحن نجرجر أذيال الخيبة.. اتّجهوا إلى السيارات، كلٌّ يحمل وجعه بين جنبيه، الغريب في الأمر وما أزعجني حقًا؛ أنّ عليّا لم يهتزّ له جفن، بعد ذلك الحماس وتلك اللهفة للتوصل لمعرفة مصير أخيه راشد، بل قال فجأة وهو يقلب شفته السفلى:
- "حزن مصطفى مصطنع ومبالغ فيه جدًا! لا أفهم علامَ كلّ هذا العويل؟!"
ذهلت! كنت لا أزال متوترًا مما حدث فلم أصدّق ما أسمع! صحت بغضب وأنا أحملق فيه بشدّة:
- " كفاك جحودًا! لم تنزل منك دمعة واحدة؛ لمنظر مآسٍ تهتزّ لها الرجال!"
انقلبت ملامحه فجأة؛ اختفت سمة الحزن، وببرود قاتل تساءل:
-" رويدك لم كل هذا الانفعال!؟ فعلت ما بوسعي ولم أفلح في شيء، كل إنسان ينال نصيبه من هذه الدنيا، وراشد قد شبع منها!"
بدأ نبضي يزداد وأنفاسي تتسارع، تداخلت في مسامعي أوركسترا الدخول الى الجنة؛ لتصف ما يجيش بقلبي، تسمّرت حدقتا عيني وأنا أصرخ فيه بجنون:
-"ماذا؟! ماذا أسمع؟ أتشمت في أخيك؟"
تعالت أصوات الكورال مع صوت علي؛ وهو يبتعد بظهره إلى الوراء، ويردّد:
- "لم أصدّق أني ارتحت من تأنيب الضمير! أتريدني أن أحاسب نفسي كلّ العمر عن غيابه؟"
أغمضت عيني، ورفعت رأسي عاليًا الى السماء؛ أتنسّم أنغامًا تطفئ غيظي:
- "أيّها المأفون! أيؤنّبك ضميرك حقًا؟ هل تملك هذا الضمير!؟"
توقّف بغتة، كانت النيران تخرج من فِيهِ وتشتعل حولي، وهو يصرخ بنبرات حاقدة:
- "لا، ولا أريد له أن يعذّبني؛ كما عذّبني الجميع؛ فليذهب راشد بلا عودة! لن أفني عمري لإرضائكم؛ اذهبوا جميعًا إلى الجحيم! ليتك قُتلت في انفجار ذلك اللغم!"
ملأني كلامه قهرًا! أيقنت أنّه هو الذي كان يشي بنا طوال الرحلة! لحقت به بلا وعي؛ أَودُّ الأخذ بتلابيبه:
- "أيّها الوغد الجبان! تتمنّى موتنا ونحن في مهمّة إنسانية؟"
فجأة توقف! وراح يدور حولي في دائرة واسعة؛ مثيرًا الغبار والأتربة حوله، وهو يصيح بتشفٍّ:
- "أتمنى لو قضوا عليكم جميعًا! كان غباء منهم ألا يحدّدوا التوقيت المناسب؛ مع أنّي أخبرتهم بدقّة!"
- "أوقعتَ بنا أيّها التعس!"
خالط صوت الكورال المتحمّس صوت عليّ، وتوالت اعترافات أذهلتني؛ وهو يصرخ بشكل هستيري:
- "راشد كان غبيًا.. صدّقني وذهب لينقذني.. فأخذوه! طلبته في الهاتف.. صرخت بخوف: أنقذني يا راشد أنا في ورطة .. حضر بسرعة.. إنّه غبي فهو دائمًا يصدقني! انسحبت أنا ووقع هو.. أخذوه معهم!"
قهقه بأعلى صوته:
- ذهب راشد؛ وبقي والدي وحيدًا!"
كان يواصل دورانه حولي، بدأت الدنيا تدور بي؛ والدماء تصعد إلى رأسي بقوة:
- "لا أصدّق ما أسمع!"
صاح بصوت أعلى.. تعالت الأصوات وهو يدور، ويكمل تفاصيل مكيدته:
- "وخالد كان أشدّ غباءً.. أحبَّ الفتاة الجميلة أميرة.. كنتُ أولى بها منه، أنا من ساعده في زواجه.. أتسمع؟ أنا ساعدته.. وأنا حرمته منها.. قتلتها الصور!"
عجزت حتى عن الكلام! كان بودي لو أمسك بخناقه، لكنّي لم أنَل منه.. سارع بالجري رافعًا ذراعيه باتجاه قرص الشمس الأحمر؛ والنيران تزداد توهجًا، وهو يقهقه بجنون:
- "كلّكم عاجزون! أنا فقط .. أنا أفعل ما أريد!"
ظلّ يجري.. ويجري أمامي باتجاه الشمس، وبقايا أشعتها الباهتة تحيط به وتسحبه إليها؛ حتى اختفى بين ثناياها!

(يا إلهي! أجئتُ في رحلة البحث عن الأسرى حاملاً معي حقيبة الكراهية هذه؟!)

بدأت أعصابي تتآكل قهرًا! سقطت على الأرض أمام نيران عليّ.. وهي تتفجّر في السماء!

خلف الأفق.. هناك.. حيث غابت شمس ذلك اليوم، كما غاب عليّ.. انهارت كل أحلامي!
***
الرد باقتباس