منتديات الصايرة
 

عـودة للخلف   منتديات الصايرة المنتديات العامه المنتدى السياسي
التسجيل المساعدة القوانين قائمة الأعضاء التقويم تعليم الأقسام كمقروءة


موضوع مغلق اضف موضوع جديد
 
خيارات الموضوع
  #11  
قديم 06-07-2008, 16:10
الموسوعة الموسوعة غير متصل
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2008
مشاركة: 100
الموسوعة is on a distinguished road
الافتراضي رد : الموسوعة السياسية

السياسة، الشرعية

إن السياسة -في الفكر الإسلامي- هي حركة بما يوافق الشرع، أو هي حركة في إطار توافق القواعد الحاكمة للوجود -السنن- في المجتمع الإنساني، وبالتالي فهي غايتها ضبط كافة الأنشطة والفعاليات السياسية و تحقيق الامتثال للقواعد الشرعية من خلال توجيه سلوك الأفراد والجماعات. ويعني ذلك أن الرؤية الإسلامية تربط بين الشرع والسياسة معاً كأساس لشرعية الحكم. ويعتبر مفهوم السياسة الشرعية مفهومًا مركبًا؛ حيث يعكس إحدى خصوصيات المفاهيم السياسية الإسلامية الجامعة على نحو يجمع بين الفكر والحركة، وبين السياسة والشرع.
السياسة الشرعية..هروب من الجمود:
سارت التجربة الإسلامية الأولى ممثلة في أعمال الرسول -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين على أن الشرع كفيل بتحقيق متطلبات السياسة العادلة، فلا يضيق عن حاجة، ولا يقصر عن إدراك مصلحة. وأختلف الأمر في العصور التالية، حيث أدى التزام المجتهدون العديد من الشروط الصارمة والمعقدة للمصالح الواجبة؛ سواء أكان الباعث لهم على هذا زيادة حرصهم على ألا يتعدوا شرع الله أم غير ذلك، إلى ظهور مقدمات لجمود القواعد الفقهية وعدم قدرتها على مسايرة ظروف الواقع.
وقد قاد ذلك الجمود إلى محاولة ولاة الأمور تلافي الخلل ومواجهة المستجدات عن طريق تدخلهم في حركة التشريع تنظيمًا لأحوال المجتمع، ووضعًا لمقاصد الشرع موضع الممارسة الفعلية، وإن خالفت أقوال الفقهاء المتبوعين واجتهاداتهم، ومن ثم كانت الجدلية في عدم تفهم المجتهدين لحقيقة الشرع عن طريق الاجتهاد، وإلى جهل السياسيين بموضع السياسة ومنزلتها في منظومتها الشرعية، و ما زال هذا الصدع حتى الآن.
ويلفت د.عز الدين فودة -أستاذ القانون الدولي- النظر إلى تزامن نشأة السياسة الشرعية اصطلاحًا مع سيادة الاعتقاد بالأصل المغولي للسياسة فكرًا ومنهاجًا، في عصر تغلب المغول على ديار الشام، فقضي لهم في بعض الأحكام بالمصلحة على حساب العقل وعدم مخالفة الشرع، مما جعل بعض الفقهاء يضيقون بالتوسع في الأحكام بالسياسة، والبحث في مسائلها كي لا يكون ذريعة إلى المظالم، وقصور الفهم عن إدراك رخص الشرع الشريف.
السياسة الشرعية ... توسعة على الولاة:
بداية التعريف بالسياسة الشرعية هي ما أورد ابن عقيل الحنبلي في موسوعته الفنون: "للسلطان سلوك السياسة، وهي الحزم عندنا، ولا تقف السياسة على ما نطبق به الشرع" وقد فصل ذلك بقوله: "السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس به أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك: لا سياسة إلا ما وافق الشرع: أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة".
والواقع أن السياسة الشرعية من حيث الممارسة العملية هي التوسعة على ولاة الأمور في أن يعملوا ما تقضي به المصلحة مما لا يخالف أصول الشرع، وإن لم يقم على كل تدبير دليل جزئي، فهي إعمال للاجتهاد وتمكين للحاكم في أن يعمل بما غلب على ظنه أنه مصلحة من الأحكام. وذلك أن الأحكام الشرعية ليست كلها منطوقًا للشرع، بل من مفهومه الموافق المعتمد على قواعده الكلية ومبادئه وغاياته.
مقومات شرعية السياسة الشرعية:
تصبح السياسة شرعية بشرط مراعاة اعتبارين أساسيين:
1 - الاعتبار الأول: شرعية التأسيس بمعنى موافقة الأصول العقائدية للسياسة الشرعية. وفي هذا الصدد، تطرح علاقة الإنسان بالكون من حيث ضرورة إحداث التناسق بين حركة الإنسان بما يوافق الشرع كما أرادها الله وبين حركة الكون كما أبدعه الخالق، في إطار من فهم امتلاك الإنسان لقدرة ذاتية متميزة على الحركة والاختيار والتفاعل الواعي مع معطيات الكون سعيًا وراء أداء أمانة الاستخلاف.
وتؤكد أيضاً علي علاقة الإنسان بالإنسان من خلال ضرورة الإخلاص في النية والحركة كاملة للخالق - عز وجل - في كل مستوى من مستويات الولاية بعناصرها:
- العقيدة والتي تشكل الأساس في المعرفة والحركة والمقوم التابع لتحقيق مقاصد شرعية.
- الوظيفة التي هي الممارسة على أساس البينات التي تحددها العقيدة.
- درجة تأثير الأحكام والسياسات على الفرد وحده ثم المجتمع بأسره باعتبار أن الأمة هي أساس المنظومة الإسلامية.
وينسحب ذلك على كافة الولايات والأحكام في مجال السياسة الشرعية باعتبارها شكلاً من أشكال النهي عن المنكر والأمر بالمعروف.
ويلاحظ أن مفهوم السياسة الشرعية يختلف في ذلك عن مفهوم السياسة في الفكر الغربي، حيث يتمحور الثاني حول السلطة والنخبة المسيطرة عليها، مستنداً إلى مرجعية التشريع البشري وحده، مهملاً بذلك تفاعل الفرد مع مجتمعه من جانب، ومع العناصر الأخرى في الكون. وتقود تلك الرؤية المبتسرة إلى الإخلال بالتوازن الدقيق في الكون، والذي نظمه الخالق-عز وجل- لتحقيق مصالح العباد.
2 - الاعتبار الثاني: المقاصد الشرعية وشرعية المصالح، حيث تشكل المصلحة العامة المعيار الأساسي لتحديد ميدان السياسة، الأمر الذي يفرض الصلة بين العقل الذي يحاول تفهم السياسة وبين الحقائق التي يجب فهمها.
ويمكن الإشارة إلى المصلحة الشرعية أو مقصود الشارع كما قدم الغزالي في أن "يحفظ عليهم دينهم وأنفسهم ومالهم وعقلهم ونسلهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعه مصلحة". فالمقصود من شرع الحكم إما جلب مصلحة أو دفع مفسدة أو مجموع الأمرين معًا.
وتوجد ضوابط أساسية لمفهوم المصلحة:
1 - أن المصلحة ليست بحد ذاتها دليلاً شرعيًّا بل يجب تتبع الأحكام الجزئية المختلفة والمبنية على الأدلة الشرعية لتوضيح المصلحة منها.
2 - عدم مخالفة المصلحة للنص: لا يمكن الاستناد إلى مصلحة خالفت نصًا سواء بشكل كلي أم جزئي ويبرز الخلاف بين الفقهاء حول مجال المصلحة التي يسعى الحاكم إلى تحقيقها عن طريق تدخله في الأحكام الشرعية بالسياسة، وينبغي التمييز بصدد الأحكام الشرعية بين نوعين أساسيين:
الأول: الأحكام التي لا تتبدل فيها علة المصلحة باختلاف الأزمان والأحكام؛ وهي من الفقه الثابت الذي يشكل قواعد السياسة ومقاصدها في الأحوال العادية.
الثاني: الأحكام الجزئية الاجتهادية التي روعيت فيها ومناط أعمالها مصالح الناس المشروعة وأعرافهم، ومدى تأثير تغير الأحوال والأزمان على تلك المصالح والأعراف؛ فهي سياسة جزئية بحسب المصلحة، تختلف باختلاف الأزمنة.
السياسة الشرعية بين النص والمصلحة:
واستنادًا إلى ذلك فإن السياسة الشرعية بشكل عام هي تطبيق لأحكام الشرع فيما ورد فيه نص، ومراعاة المصالح ودرء المفاسد فيما ليس فيه نص، ومن ثم تصبح شرعية مبنى ومعنى إذا روعي في أصل بنائها وإعمالها أمران:
الأول: موافقة حكم السياسة الشرعية لمقاصد الشرع وغاياته وكلياته وقواعده العامة الحاكمة للسياسة مبدأ ومسارًا وغاية.
الثاني: عدم مخالفة أي دليل شرعي ولو كان فرعيًّا ثبت بدليل عام لجميع الأزمنة والأحوال أو أي دليل من أدلة الشريعة التفصيلية.
ويعد القياس - وهو إلحاق حكم غير منصوص عليه بحكم منصوص عليه للاشتراك في العلة-أحد المداخل الاجتهادية الأساسية، والذي اعتمد عليه الفقهاء في تصورهم للتوسعة على الحكام في الأخذ بمتطلبات السياسة الشرعية وظروف ملابسات صنع القواعد والتشريعات المحققة للمقاصد الشرعية؛ استنادا إلى تبدل الأحكام وتغير العمل بها بتغير الأحوال في الزمان والمكان أو تغير العادات والأعراف أو من قبل التوسعة في الأحكام الشرعية في حالة ضيق الحال.
لا شك أن السياسة الشرعية تعبير صادق عن خصوصية المفهوم السياسي والإسلامي، على النحو الذي يجعلها فن الممكن الذي يستخدم كل ما هو متاح من الأدوات والنظريات والأساليب بقدر ما هي متكاملة منضبطة ابتداء ومسارًا ومقصدًا، رعاية لكل الشئون وقيامًا على كل الأمور بما يصلحها، فالاستصلاح هو جوهر السياسة مثلما هو مقصدها ومنتهاها


الكاتب: [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل لمشاهدة الرابط للتسجيل اضغط هنا]

مراجع و مصادر:

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل لمشاهدة الرابط للتسجيل اضغط هنا]
وصلات دعم الموقع
  #12  
قديم 06-07-2008, 16:26
الموسوعة الموسوعة غير متصل
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2008
مشاركة: 100
الموسوعة is on a distinguished road
الافتراضي رد : الموسوعة السياسية

السياسة، الشرعية

كلمة السياسة في تراثنا الإسلامي
إذا عرفنا مفهوم كلمة السياسة لغة واصطلاحا، فينبغي أن نبحث عنها في تراثنا الإسلامي، وفي فقهنا وفكرنا الإسلامي، وفي مصادرنا الإسلامية.
هل نجدها في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية، وفي فقه المذاهب المتبوعة، أو غيره من الفقه الحر؟ وهل نجدها عند غير الفقهاء من المتكلمين والمتصوفة والحكماء والفلاسفة؟
وكيف تحدث هؤلاء وأولئك عن السياسة؟ وما الموقف الشرعي المستمد من الكتاب والسنة من هذا كله؟
كلمة السياسة لم ترد في القرآن:
كلمة السياسة لم ترد في القرآن الكريم، لا في مكيِّه، ولا في مدنيِّه، ولا أي لفظة مشتقة منها وصفا أو فعلا. ومن قرأ (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم) يتبين له هذا. ولهذا لم يذكرها الراغب في (مفرداته). ولا (معجم ألفاظ القرآن) الذي أصدره مجمع اللغة العربية.
وقد يتخذ بعضهم من هذا دليلا على أن القرآن -أو الإسلام- لا يعني بالسياسة ولا يلتفت إليها.
ولا ريب أن هذا القول ضَرْب من المغالطة، فقد لا يوجد لفظ ما في القرآن الكريم، ولكن معناه ومضمونه مبثوث في القرآن.
أضرب مثلا لذلك بكلمة (العقيدة) فهي لا توجد في القرآن، ومع هذا مضمون العقيدة موجود في القرآن كله، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، بل العقيدة هي المحور الأول الذي تدور عليه آيات القرآن الكريم.
ومثل ذلك كلمة (الفضيلة) فهي لا توجد في القرآن، ولكن القرآن مملوء من أوله إلى آخره بالحثِّ على الفضيلة، واجتناب الرذيلة.
فالقرآن وإن لم يجئ بلفظ (السياسة) جاء بما يدل عليها، وينبئ عنها، مثل كلمة (المُلك) الذي يعني حكم الناس وأمرهم ونهيهم وقيادتهم في أمورهم.
جاء ذلك في القرآن بصيغ وأساليب شتَّى، بعضها مدح، وبعضها ذم. فهناك المُلك العادل، وهناك المُلك الظالم، المُلك الشُورِي، والمُلك المستبد.
ذكر القرآن في المُلك الممدوح: {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً} [النساء:54].
وذكر من آل إبراهيم: يوسف الذي ناجى ربه فقال: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ} [يوسف:101]، وإنما قال من المُلك، لأنه لم يكن مستقلا بالحكم، بل كان فوقه مَلِك، هو الذي قال له: {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف:54].
وممَّن آتاهم الله المُلك: طالوت، الذي بعثه الله مَلِكا لبني إسرائيل، ليقاتلوا تحت لوائه، {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً} [البقرة:247].
وذكر القرآن من قصته مع جالوت التي أنهاها القرآن بقوله: {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} [البقرة:251].
وكذلك سليمان الذي آتاه الله مُلْكا لا ينبغي لأحد من بعده.
وممَّن ذكره القرآن من الملوك: ذو القرنين الذي مكَّنه الله في الأرض وآتاه الله من كل شيء سببا، واتسع مُلكه من المغرب إلى المشرق، وذكر الله تعالى قصته في سورة الكهف، مثنيا عليه.
وممَّن ذكره القرآن: مَلِكة سبأ التي قام مُلْكها على الشورى لا على الاستبداد {مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ} [النمل:32].
وفي مقابل هذا ذم القرآن المُلك الظالم والمتجبر، المسلط على خَلق الله، مثل: مُلك النمروذ، الذي حاجَّ إبراهيم في ربه أن آتاه الله المُلك.
ومثل: مُلك فرعون الذي علا في الأرض وجعل أهلها شِيَعًا، يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، إنه كان من المفسدين.
وبعض الملوك لم يمدحهم القرآن ولم يذمهم، مثل مَلِك مصر في عهد يوسف، وهو الذي ولَّى يوسف على خزائن الأرض. وإن كان في حديث القرآن عن بعض تصرفاته ما ينبني عن حسن سياسته في مُلكه.
فهذا كله حديث عن السياسة والسياسيين تحت كلمة غير (السياسة).
ومثل ذلك: كلمة (التمكين) كما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ}(يوسف: 56)، وقوله عن بني إسرائيل{وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}(القصص:5)، وقوله تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ }(الحج:41).
ومثل ذلك: كلمة (الاستخلاف)، وما يشتق منها، مثل قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور:55). وقوله تعالى: {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} (لأعراف:129).
ومثل كلمة (الحُكْم) ومايشتق منها، مثل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} (النساء:58) وهي الآية التي أدار عليها ابن تيمية نصف كتابه السياسة الشرعية. وقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} (المائدة:49)، وقوله تعالى: { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (المائدة:50) ، وقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة:45]، وفي آية:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة:47]، وفي آية ثالثة:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44].
ما ورد عن السياسة في السنة:
على أن السنة النبوية قد وجدت فيها حديثا تضمَّن ما اشتقَّ من السياسة، وهو الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون". قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "فُوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم الذي جعل الله لهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم"[1].
أول استخدام لكلمة سياسة في معنى الولاية والحكم في تراثنا:
وقد جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية في مادة (سياسة)[2] قولها: لعل أقدم نص وردت فيه كلمة (السياسة) بالمعنى المتعلِّق بالحكم هو: قول عمرو ابن العاص لأبي موسى الأشعري في وصف معاوية: إني وجدته ولي عثمانَ الخليفة المظلوم، والطالب بدمه، الحسن السياسة، الحسن التدبير[3].
وهذا مقبول إن كان المقصود كلمة (السياسة) مصدرا. أما المادة نفسها باعتبارها فعلا، فقد وردت كما ذكرناه في الحديث السابق المتفق عليه عن أبي هريرة، وكما وردت بعد ذلك منذ عهد سيدنا عمر رضي الله عنه، بوصفها فعلا مضارعا.
روى ابن أبي شيبة في مصنفه، والحاكم في مستدركه، عن المستظل ابن حصين، قال: خطبنا عمر بن الخطاب فقال: قد علمتُ -ورب الكعبة- متى تهلك العرب! فقام إليه رجل من المسلمين، فقال: متى يهلكون يا أمير المؤمنين؟ قال: حين يسوس أمرهم من لم يعالج أمر الجاهلية، ولم يصحب الرسول[4].
وكذلك رويت نفس الصيغة (صيغة الفعل المضارع) عن سيدنا علي رضي الله عنه. روى ابن أبي شيبة في مصنفه وابن الجعد في مسنده: قال علي: يا أهل الكوفة! والله لَتَجِدُّنَّ في أمر الله، ولتُقاتِلُنَّ على طاعة الله، أو ليَسُوسَنَّكم أقوام أنتم أقرب إلى الحق منهم، فليعذبنكم ثم ليعذبنهم[5].
-----------
هوامش:
[1]- رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3455) عن أبي هريرة، ومسلم في الإمارة (1842)، وأحمد في المسند (7960)، وابن ماجه في الجهاد (2871).
[2]- الموسوعة الفقهية الكويتية (25/295، 296).
[3]- تاريخ الطبري (5/68) طبعة دار المعارف. القاهرة.
[4]- رواه ابن أبي شيبة في المصنف كتاب الفضائل (6/410) عن المستظل بن حصين، والحاكم في المستدرك كتاب الفتن والملاحم (4/475)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في الشعب (6/69).
[5]- رواه ابن أبي شيبة في المصنف كتاب الفتن (7/504) عن المستظل بن حصين، ووقع في المصنف (ليسوا منكم) وهو تصحيف، وابن الجعد في مسنده (1/327) بتحقيق عامر أحمد حيدر. وابن الجعد هو علي ابن الجعد بن عبيد، أبو الحسن الجوهري البغدادي.


الكاتب: [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل لمشاهدة الرابط للتسجيل اضغط هنا]

مراجع و مصادر:

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل لمشاهدة الرابط للتسجيل اضغط هنا]

آخر تعديل بواسطة الموسوعة ، 06-07-2008 الساعة 16:36.
  #13  
قديم 06-07-2008, 23:43
الموسوعة الموسوعة غير متصل
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2008
مشاركة: 100
الموسوعة is on a distinguished road
الافتراضي رد : الموسوعة السياسية

السياسة، نظرية

النظرية السياسية: باب أساسي من أبواب علم السياسة. و هي مجموعة تحليلات و فروض و تصورات للنتائج، تفسر في ضوئها الظواهر السياسية، أي حول هوية الدولة: نشأتها و تطورها و وظائفها و نظمها و أهدافها. و ترتبط النظرية السياسية بفهم معين للتاريخ و الأخلاق و السلوك السياسي كما أنها تضع في اعتبارها القيم و المبادئ السائدة و التكوين النفسي و التركيب الاجتماعي و التفاعل و الصراع السائد فيه لتحديد مسائل النظرية و غايتها


الكاتب: الموسوعة

مراجع و مصادر:

موسوعة السياسة للدكتور عبد الوهاب الكيالي و آخرون – ص 587– المجلد السادس- المؤسسة العربية للدراسات و النشر – بيروت لبنان - 1985
  #14  
قديم 07-07-2008, 00:50
الموسوعة الموسوعة غير متصل
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2008
مشاركة: 100
الموسوعة is on a distinguished road
الافتراضي رد : الموسوعة السياسية

السياسة، عقيدة سياسية

العقيدة السياسية هي مجموعة أفكار و تصورات و مقترحات مترابطة تشكل تفسيرا للحركة التاريخية و تقدم خطة عمل لتحقيق الانسجام و التوفيق بين المصالح الاجتماعية بطريقة مرغوبة، تؤمن أهدافاً سياسية تحظى بتأييد عام أو لدى الأغلبية أو بجاذبية لقطاعات قوية و مؤثرة في الهرم الاجتماعي.


الكاتب: الموسوعة

مراجع و مصادر:

موسوعة السياسة للدكتور عبد الوهاب الكيالي و آخرون – ص 126– المجلد الرابع- المؤسسة العربية للدراسات و النشر – بيروت لبنان – 1985
  #15  
قديم 07-07-2008, 00:52
الموسوعة الموسوعة غير متصل
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2008
مشاركة: 100
الموسوعة is on a distinguished road
الافتراضي رد : الموسوعة السياسية

السياسة، فلسفة

تعرف الفلسفة السياسية منذ بدايتها في اليونان بأنها محاولة لفهم طبيعة الدولة أي بنيتها الأساسية كتنظيم لجماعة تاريخية تسمح لهذه الجماعة باتخاذ قرارات تؤثر على حياتها و استمرارها.
فهي ليست علماً وضعياً للظواهر السياسية و للوقائع الإحصائية كما هو الحال في علم السياسة أو علم الاجتماع السياسي بل هي معيارية تنطلق من مفهوم عام للإنسان و أحياناً للألوهية لتعكسها في الحقل السياسي من أجل تشكيل نموذج مثالي لا يصلح كمعيار و حسب و إنما كهدف لتعديل سلوك الحكومة و الحاكمين.

إنها تتساءل بشكل رئيسي عما يجعل واقعة ما أو نسيجاً من الوقائع شأناً سياسياً أو له علاقة بالسياسة فتركز انتباهنا على الخيارات السياسية الأساسية و تهتم بطبيعة السلطة فتتساءل عن الشروط التي تسمح لسلطة ما أن تكون شرعية و مم تستمد الدولة سلطتها و لخدمة أية أهداف تستخدم و كيف يعطى الحق لأبناء الجماعة و ما هي أفضل أشكال الحكم؟ هذه الأسئلة و غيرها كانت مدار صراعات فكرية حادة انقسم حولها الفلاسفة الى تيارات و فرق متعددة ظهرت في فترات و مراحل تاريخية مختلفة.

و تدرجت هذه الفلسفة السياسية في الفكر وفق المراحل الزمنية المختلفة، فهناك الفلسفة السياسية عند اليونان و ما دار بين السفسطائيين و تصدي سقراط و أفلاطون و أرسطو لها و كان أرسطو يرى أن الحكومة الارستقراطية التي تعمل للخير العام و هي الحكومة المثلى و عارض السلطة الاوليغارشية (حكم القلة لنفسها) و الديمقراطية (حكم الشعب) على السواء و بعد أرسطو لم يعرف الفكر السياسي اليوناني فلسفات متكاملة. فقد ظهرت فرق مثل (الكلبية) و التي تدعو للعودة الى الطبيعة و رفض القوانين لأنها تقف حائلاً بين الإنسان و بينها. و (الرواقية) التي اعتبرت الإنسان مكوناً من هوى و عقل و الكون يسير وفق نظام مرسوم لذا ينبغي على الإنسان ان يحترم هذا النظام الإلهي، و يسير وفقاً لقواعده، فالحكم المثالي هو الذي يأخذ بالاعتبار الطبيعة المزدوجة للإنسان.

ثم جاءت الفلسفة السياسية المسيحية في مرحلة الإمبراطورية الرومانية حيث انتظم المسيحيون في الكنيسة و أصبح شعب الله هو شعب الإمبراطور لأن خالق البشر هو نفسه خالق الحياة الاجتماعية و السلطة مصدرها الله و يعهد بها للإنسان ضمن حدود و احترام هذا الأخير للقانون الطبيعي، و بذلك أصبح الإمبراطور همزة الوصل بين الله و بين مخلوقاته إلا أن الإنجيل يميز بشكل واضح بين السلطتين الزمنية و الروحية عندما يقول "أعطوا ما لقيصر لقيصر و ما لله لله". و مع ذلك فان وجود مؤسستين الكنيسة من جهة و الدولة (ملك، إمبراطور......) من جهة تتوليان شئون المسيحيين طرح مسألة العلاقة بينهما. لمن تعطى الأولوية للكنيسة أم للدولة؟ و هل انتماء المؤمن لواحدة يتعارض مع انتمائه للأخرى؟ لقد أثار ذلك نقاشات و صراعات عديدة و كان من الطبيعي ان ترى الكنيسة ان الجسم الاجتماعي هو عبارة عن هرم يقف البابا على رأسه و أن تأتي الدولة في المرتبة الثانية من هذا الهرم.

أما الفلسفة الإسلامية فهي على عكس المسيحية فهي لا تفرق بين السلطتين الزمنية و الروحية و ترى أن كل سلطة تأتي من عند الله و ليس هناك من مندوب عن الله عز و جل. فالله يحكم وحده لا شريك له في حكمه. المبادئ التي تحكم علاقات المسلمين في الامة الاسلامية ليست من صنع الحكام و انما مستوحاه من القرأن الكريم و ما الخليفة أو الإمام سوى أداه تحكم بأمر الله و عليه مشورة المؤمنين و تركز الفلسفة الاسلامية على سلوك الحاكم و صفاته فالحاكم يجب أن يحكم بالعدل لأن المسلمين متساوون أمام الله و فيما بينهم.

الفلسفة في عصر النهضة الحديثة و ما تلاه حتى الثورة الفرنسية عرفت تطورات جديدة لم تشهدها من قبل فهي تعترف بالفرد كطاقة قادرة على تنظيم المجتمع دون العودة الى القوى الغيبية و الماورائية.

يعتبر مكيافيلي الفيلسوف الايطالي من أهم فلاسفة هذه المرحلة و كان يرى أن دولة قوية داخليا و خارجياً هي التي تكفل للمواطنين حقوقهم و لتحقيق ذلك على الحاكم أن يلجأ إلى كل الأساليب و الوسائل الممكنة بما فيها الوسائل اللا اخلاقية كما عليه أن يجمع بين القوة و الحيلة. بهذا أصبحت السلطة هي الهدف بذاته. و ما على الساعي اليها أو الممسك بها سوى تبرير سيطرته و سلطته لا عن طريق تأييد شعبه له فقط بل عن طريق المهارة و النفوذ.

لا يختلف هوبز عن مكيافيلي اذ يرى أن الانسان عبر سعيه الى تحقيق حاجاته و رغباته يدخل في صراع مع الاخرين فالتنافس و عدم الثقة و البحث عن المجد هي التي تخلق التنابذ و الصراع و كي لا يعيش في حالة خوف دائم من الأخر عليه ان يتنازل عن حريته لحاكم يحفظ له حياته و ممتلكاته و بهذا عمل على تبرير الدولة المطلقة.

ثم جاء مونتسكيو بمبدأ فصل السلطات الى سلطة تشريع و سلطة تنفيذ و سلطة تقاضي لعلاج ما ذهب إليه مكيافيلي و هوبز.

و مسألة الحرية دفعت روسو الى التفكير بالعقد الاجتماعي بين الأفراد فيرى لن الفرد عاقل و مدرك لمصلحته و أن الأفراد متساوون بالطبيعة و أحرار بالطبيعة لا تنازلون عن حريتهم لسلطة خارجية دون مقابل و اذا تنازلوا عن هذا الحق الطبيعي فهذا يكون لكي يحصلوا على حقوق مدنية بديلة و الدولة تقوم من عقد بين افراد متساوين يعمل على ايجاد ارادة مشتركة و يصبح الفرد فيها مشرعاً و موضوع تشريع في آن واحد أي بمعنى أخر يصبح الشعب هو مصدر السيادة. مهدت هذه الافكار لقيام الثورة الفرنسية و سيطرة الفكر الليبرالي و الفلسفة الحديثة من هيجل و ماركس و تناوله مفصلاً في هذه الموسوعة بمشيئة الله.


الكاتب: الموسوعة

مراجع و مصادر:

موسوعة السياسة للدكتور عبد الوهاب الكيالي و آخرون – ص (586-587) – المجلد الرابع- المؤسسة العربية للدراسات و النشر – بيروت لبنان – 1985
  #16  
قديم 23-07-2008, 20:35
الموسوعة الموسوعة غير متصل
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2008
مشاركة: 100
الموسوعة is on a distinguished road
الافتراضي رد : الموسوعة السياسية

الدولة، تعريف عام

إتفق فلاسفة السياسة علي أن الدولة هي الذروة التي تتوج البنيان الاجتماعي الحديث وتكمن طبيعتها التي تنفرد بها في سيادتها علي جميع أشكال التجمعات الأخرى
فالدولة وسيلة لتنظيم السلوك البشري وفرض المبادئ السلوكية التي ينبغي أن ينظم الأفراد حياتهم علي أساسها. فهي التي تصدر القوانين وتعاقب من يخرج عليها كما أنها تملك فرض النظام لضمان طاعتها من قبل الأفراد والجماعات المندرجة تحت ظلها .
وإذ كان هذا هو شأن الدولة فقد كانت موضع اهتمام ودراسة معظم فروع العلوم الانسانية من علوم الاجتماع والسياسة والقانون والاقتصاد والتاريخ … الخ .
فعلم التاريخ يحكي تطور الدولة كفكرة ونظام ويتناول حال ومصير الدول وأشكالها في مختلف الاوقات والعصور. وعلم السياسة يدرس الدولة من حيث القواعد النظرية والعملية التي يقوم عليها نظام الحكم في الدول المختلفة وأكثرها جدوى وثباتاً واستقراراً .
وعلم القانون يدرسها من حيث القواعد الملزمة التي تدور في اطارها أعمال الدولة ونشاطها ووسائلها لتحقيق أهدافها وإلزام رعاياها بطاعتها والنزول علي أوامرها. كما يعني علم القانون الدولي بدراستها كأحد شخصيات هذا القانون .
أما دور الدولة في الشئون الاقتصادية لإشباع الحاجات المختلفة لشعبها وحدود هذا الدور في ضيقه أو اتساعه وكونه مباشراً أو غير مباشر واقتصاره علي مجرد التنظيم أو امتداده إلي الفعل المباشر كدخول الدولة طرفاً في عمليات الإنتاج والتوزيع … الخ ، فهذا كله من مواضيع علم الاقتصاد .
كذلك فإن الدولة كحقيقة اجتماعية راسخة هي من المواضيع الهامة في دراسات علم الاجتماع والاخلاق وعلم النفس الاجتماعي ومختلف فروع العلوم الانسانية. ولعلنا نراهن علي أنه في عصر التكنولوجيا الحالي فإن علم الدولة سوف يمتد بتأثيره إلي مجال الدراسات المتعلقة بثورة التكنولوجيا والمعلومات والاتصالات لما سيكون للأغراض التي تستهدفها الدول في هذا المجال والوسائل والآليات التي تضعها لتحقيق هذه الأغراض في الداخل والخارج من تأثير واضح علي التطور التكنولوجي في مداه وتأثيره ومجالاته المتعددة خصوصاً في المجالات المتعلقة بالاجتماع والاخلاق كالتناسخ البشري ، وتكنولوجيا الانتاج الصناعي والزراعي والهندسة الوراثية … الخ .
وكان من الطبيعي في ظل هذا المدى الذي يصل إليه تأثير علم الدولة بين سائر العلوم الانسانية أن تتنوع وتختلف التعريفات التي أعطاها الفلاسفة والعلماء لفكرة الدولة سواء في الفكر العالمي أو الفكر المصري .
ومن هذه التعريفات علي سبيل المثال من :
1 - جماعة مستقلة من الأفراد يعيشون بصفة مستمرة علي أرض معينه بينهم طبقة حاكمة وأخرى محكومة .
2 - مجموعة من الأفراد مستقرة علي إقليم معين ولها من التنظيم ما يجعل للجماعة في مواجهه الافراد سلطة آمرة عليا وقاهرة .
3 - وحدة قانونية دائمة تتضمن وجود هيئة اجتماعية لها حق ممارسة سلطات قانونية معينة في مواجهه أمة مستقرة علي إقليم محدد وتباشر حقوق السيادة بارادتها المنفردة عن طريق استخدام القوة المادية التي تحتكرها وحدها .
4 - التشخيص القانوني لأمة من الأمم .
5 - مجموعة من الافراد يقطنون إقليماً معيناً ويخضعون لسلطان الاغلبية منهم .
6 - شعب منظم خاضع للقانون يقطن أرضاً معينة .
7 - وفي مصر عرفها البعض بأنها الشخص المعنوي الذي يمثل قانوناً أمة تقطن أرضاً معينة والذي بيده السلطة العامة. وعرفها آخرون بأنها جماعة كبيرة من الناس تقطن علي وجه الاستقرار أرضاً معينة من الكرة الأرضية وتخضع لحكومة منظمة تتولى المحافظة علي كيان هذه الجماعة وتدير شئونها ومصالحها العامة .
ومن مجمل التعريفات السابقة وغيرها يمكن أن نستخلص اتفاقاً عاماً علي الاركان الاساسية للدولة، كما نلاحظ في الوقت نفسه تباينا في المعيار الذي وضعه كل فقيه أو مفكر لتمييز الدولة عن غيرها من الكيانات والجماعات الاجتماعية .
أما الاركان الاساسية للدولة من وجهة نظر القانون الداخلي فهى ثلاثة الشعب والإقليم والسلطة السياسية. ويحاول بعض فقهاء القانون الدولي إضافة ركن آخر هو الاعتراف بالدولة من قبل الدول الأخرى


الكاتب: الموسوعة

مراجع و مصادر: كتاب الدولة - أ. أحمد عبد الحفيظ - موسوعة الشباب السياسية - العدد العاشر - الفصل الأول- مركز الأهرام للدراسات السياسية و الاستراتيجية .

آخر تعديل بواسطة الموسوعة ، 23-07-2008 الساعة 21:22.
  #17  
قديم 23-07-2008, 21:00
الموسوعة الموسوعة غير متصل
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2008
مشاركة: 100
الموسوعة is on a distinguished road
الافتراضي رد : الموسوعة السياسية

الدولة، تعريف عام


اذا كان اسم الدولة ETAT-STATE بمعناه الحالي، لم يظهر في اللغات العربية إلاّ في عصرنا الحالي، إلاّ أن هذا المفهوم ظهر بمسميات مختلفة في فكرنا الشرقي بصفة عامة والعربي بصفة خاصة، سواء كان ذلك في جاهليتهم أو بعد بزوغ الإسلام، بما جد فيه من أنماط السلطة والحكم، ففكرة الدولة قديمة: فقد عرفها العالم منذ آلاف السنين.
وقد كان للشرق -كما ألمحت- قصب السبق على الغرب في تنظيم أوجه السلطات، وإن كان ذلك تحت مسميات وعبارات لم تشر الى كلمة الدولة مباشرة وان استعاضت عنها بعبارات اخرى مثل الامارة والخلافة والأمر والسلطان. وقد عرف العرب مفهوم الدولة قبل الإسلام في ممالك اليمن في سبأ وحمير ومعين، وفي دولتي المناذرة والغساسنة وقد تلازم هذا المعنى عندهم بالسلطان حتى غدا اسم الدولة او المملكة ملازماً لكلمة السلطان في الفكر السياسي العربي، لاسيما في عصوره الوسيطة التي اعقبت انهيار الامبراطوريات الإسلامية الكبرى.
وقد أشار الإمام الطبري إلى ورود هذا المعنى في التراث الإسلامي، وأن أول مرة استعمل فيها العرب هذا المصطلح ما جاء في خطبة الحسن بن علي إلى أهل الكوفة يدعوهم الى بيعته بقوله: «.. وإن لهذا الأمر مدة، والدنيا دول....... إن أساس ما قام عليه الفكر القديم من الجمع بين صاحب السلطة والسلطان او الحاكم وسلطة الحكم، إذ ان الدولة تتمثل في شخصه وفق ما صدح به أحد أباطرة فرنسا JE SUIS LETAT وذلك بالطبع قبل ظهور التفرقة بين صاحب السلطة ومن يمارسها، وقيام الفصل بين الحاكم وسلطة الحكم، وهو ما يسميه العلامة هوريو تأسيس السلطة LINSTITUTIONNALISTION DU POUVOIR بمعنى قيام الدولة صاحبة السلطة السياسية، وأن الحاكم مجرد أداة في يد الدولة تمارس عن طريقه سلطاتها(1)، وهي مرحلة سنراها لاحقاً في تطور الفكر السياسي وبالتالي في تطور مفهوم الدولة.
واذا كان ابن خلدون قد عرف الدولة بأنها مجتمع انساني او جماعة انسانية يحكمها وازع قانوني وارادة حازمة معتمدة في ذلك الحكم لا على ما يعن لها او ما يسوّل لها هواها، بل يكون حكمها بشرع مفروض، فإن الدولة كما يراها أفلاطون هي: «جماعة من أناس متساوين أحرار.. يرتبطون فيما بينهم بأواصر الأخوة، ويطيعون لبقاء النظام في المدينة الحكام المستنيرين أولى الرعاية والحزم الذين اتخذوهم رؤساء، ويخضعون للقوانين التي ليست إلاّ قواعد العدل ذاته»(2).
ويرى أفلاطون أن مسؤولية السلطان (الدولة) المرتبة على سائر الدرجات هي تحقيق انتظام الادارة بتحقيق اركان السلطان واقامة الامن باقامة العدل المنظم الأعلى للدولة، كما هو الفرد، ثم النزاهة والمعرفة والاعتدال والمسؤولية واحترام القانون(3). ويؤكد جان دابان JEAN DABIN ان الانسان قد دخل عصر الدولة بخطوات بطيئة وطويلة خضعت لمؤثرات مختلفة ومتشابكة من النواحي الدينية والاجتماعية والعسكرية(4)، وان كانت في خلاصتها قد أفضت الى الدولة الانسانية المعاصرة في أوضاعها وأشكالها المتباينة. وترد الدولة المعاصرة الى أواخر القرن الخامس عشر ومطلع القرن السادس عشر بعيد تفكك الامبراطورية الرومانية ونشوء الدويلات المعاصرة في اوروبا الغربية، والتي كانت في الاساس موحدة وخاضعة لسلطان الامبراطورية الرومانية.
واذا كانت الدولة الحديثة THE STATE قد بدأت تأخذ ملامحها، وتأخذ بأسباب التطور الدستوري والاداري، بل والسياسي منذ ذلك الوقت، فقد اجمع الفقه على تعريفات متشابهة ومتقاربة لفكرة الدولة، وإن كان ثمة اختلافات قد ظهرت لدى بعضهم حول مدى شخصية الدولة كما فعل العلامة دوجى DUGUIT عند إنكاره لشخصية الدولة، وكما أتضح لدى الفكر المادي في تعريفه المتمايز لمفهوم الدولة. إلاّ أن تعريف الدولة لدى الفكر الغربي اللاتيني والجرماني والأنجلوسكسوني وما تبعه من آراء لفقهاء وشراح القانون في بلادنا، بل وفي كثير من الأقطار من حولنا متشابه للغاية، خاصة وان منابع هذا الفقه واحدة، ذلك أنها تنهل من منابع ومناهل الفكر الغربي المعاصر.
وبالرغم من هذا التقارب لوحدة المنبع في الغالب الأعم إلاّ أن اجتهاد الفقهاء وتأثرهم بكثير من النظريات القديمة والمستحدثة في الفقه القانوني، جعل من غير الميسور اتفاقهم على تعريف موحد للدولة، وانما نحا كل فقيه منحىً خاصاً يتمشى مع فكرته القانونية والسياسية، بل والعقائدية عن الدولة. وان كانت هذه الاخيرة تختص بمن يحاولون معالجة الفكر الديني محاولين استخلاص تعريفات معاصرة للدولة تتماشى مع معطيات هذا الفكر ومع ايضاح تثبيت فكرة الحاكمية ومنابع السلطة في هذا الفكر أو ذاك.
واذا رجعنا الى فقهاء الفكر القانوني المعاصر وتعريفهم للدولة، فإننا نجد الكثيرين منهم قد خصوا الدولة بتعريفاتهم. ومن الذين عرفوا الدولة الاستاذ بونار BONNAR الذي عرفها بأنها وحدة قانونية دائمة تتضمن وجود هيئة اجتماعية لها حق ممارسة سلطات قانونية معينة على شعب أو أمة مستقرة على إقليم محدد، وتباشر الدولة حقوق السيادة بارادتها المنفردة عن طريق استخدام القوة المادية التي تحتكرها(5).
ويعرفها العلامة دوجى DUGUIT بأنها كل تنظيم للجماعة السياسية القديم منها والحديث، المتأخر والمتمدين، أي أن كل مجتمع سياسي أياَ كانت صورته، يسمى «دولة»(6). وعلى ذلك فإن الدولة توجد حيث تقوم داخل جماعة معينة التفرقة بين الحكام والمحكومين، وما يترتب على ذلك من نشأة سلطة حاكمة تحكم هذه الجماعة(7). ويعرفها الاستاذ اسمان ESMEIN(8) بأنها «التشخيص القانوني لأمة ما..» L,ETAT EST LAPERSONNIFICATIOND,UNENATION ويعرفها العلامة الفرنسي كاريه دي مالبير CARRE DE MALDERG(9) بأنها مجموعة من الافراد مستقرة على إقليم معين، ولها من التنظيم ما يجعل للجماعة في مواجهة الافراد سلطة عليا آمرة وقاهرة(10).
ويعرفها الرئيس الامريكي الأسبق ودرو ولسن WILSON بأنها «شعب منظم خاضعة للقانون، يقطن ارضاً معينة»(11)، ويعرفها الاستاذ الانجليزي هولاند HOLLAND(12) بأنها مجموعة من الافراد يقطنون إقليماً معيناً ويخضعون لسلطان الأغلبية، أو سلطان طائفة منهم.
ويعرفها الاستاذ السويسري بلنتشلي bluntshli بأنها جماعة مستقلة من الافراد، يعيشون بصفة مستمرة على ارض معينة بينهم طبقة حاكمة وأخرى محكومة(13).
ويعرفها فوشى(14) بأنها مجموعة دائمة مستقلة من أفراد يملكون إقليماً معيناً، وتضمهم سلطة مشتركة منظمة بغرض أن يكفل لأفرادها في مجموعهم، ولكل واحد منهم التمتع بحرية ومباشرة حقوقه.
وقد عرف اوبنهايم الدولة بقوله: «توجد الدولة تمييزاً لها عن المستعمرات والممتلكات، عندما يستقر أناس في مملكة تحت ظل حكومة خاصة هي صاحبة السيادة عليها..»(15).
وفي فقهنا العربي المعاصر عرفها الاستاذ الدكتور وحيد رأفت بأنها «جماعة كبيرة من الناس، تقطن على وجه الاستقرار أرضاً معينة من الكرة الأرضية، وتخضع لحكومة منظمة تتولى المحافظة على كيان تلك الجماعة وتدير شؤونها ومصالحها العامة»(16).
وعرفها الدكتور عبدالحميد متولي بأنها عبارة عن ذلك الشخص المعنوي الذي يمثل قانوناً أمة تقطن أرضاً معينة، والذي بيده السلطة العامة(17).
أما الاستاذ الدكتور فؤاد العطار فيعرف الدولة بأنها ظاهرة سياسية وقانونية، تعني جماعة من الناس يقطنون رقعة جغرافية معينة بصفة دائمة ومستقرة، ويخضعون لنظام سياسي، وهذا ما يطلق عليه اصطلاحاً تعبير سيادة الدولة داخلياً وخارجياً»(18).
وتعرفها الدكتورة سعاد الشرقاوي بقولها: «لاصطلاح الدولة عدة معان، ففي معنى أول وهو أوسع المعاني تعني كلمة الدولة «مجموعة منظمة قاعدتها الاجتماعية الأمة» والمعنى الثاني أضيق، ويراد به الحكام بالمقابلة مع المحكومين داخل المجتمع السياسي، وهذا هو المعنى المقصود عندما نتحدث عن سيطرة الدولة. والدولة بمعناها الواسع هي تجمع بشري مرتبط بإقليم، يسوده نظام اجتماعي وسياسي وقانوني يوجه لمصلحة مشتركة، وتسهر على المحافظة على هذا المجتمع سلطة مزودة بقدرات تمكنها من فرض النظام ومعاقبة من يهدده بالقوة»(19).


الكاتب: [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل لمشاهدة الرابط للتسجيل اضغط هنا]
مراجع و مصادر:

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل لمشاهدة الرابط للتسجيل اضغط هنا]

(1) G.VEDEL MANUEL ELEMENTALRE DEDROIT CONSTITUTIONNEL. 1949P.110.
(2) د. ثروت بدوي: النظم السياسية، دار النهضة العربية 1989 ص24 وما بعدها.
- السياسة لأرسطو: ترجمة احمد لصقي السيد، الهيئة العامة المصرية العامة للكتاب، القاهرة سنة 1979م ص23.
(3) السياسة لأرسطو: مرجع سابق، مقدمة العلامة بارظمي سانتييلير، ص17 وما بعدها.
(4) J.DUBIN, L,ETATLA POLITIQUE, QUE, 1957. P. 14.
(5) انظر في تعريف الدولة: بيردو، مطول العلوم السياسية، الجزء الثاني، 1949 ص143.
وشارل، روسو، القانون الدولي العام، 1953، ص177 وما بعدها، ودلييز DELBFZ في القانون الدولي العام، سنة 1948، ص27، ودي لوبادير، محاضرات في القانون الدستوري ط سنة 1954 ص5 وما بعدها.
(6) DUGUIT TRAITE DE DROIT CONSTITUIONNEL, 2 EME EDITION, 1021, P. 393.
(7) د. ثروت بدوي، مرجع سابق، ص23.
(8) انظر مؤلفة في مبادئ القانون الدستوري، الطبعة الثامنة، سنة 1927، الجزء الأول، ص1.
(9) انظر كاريه دي ملبير، النظرية العامة للدولة، الجزء الأول، سنة 1920 ص7.
(10) انظر مؤلفة عن الدولة، الجزء الأول، ط1902، ص11.
(11) انظر د. سعد عصفور، القانون الدستوري، 1954، ص224 وما بعدها.
(12) BLUNTSCHLI THEORIE GENERAL DE LETAT, PARIS, 1977,P.18.
(13) أ. د. كامل ليلة، النظم السياسية، دار الفكر العربي، (بدون) ص21 وما بعدها.
(14) د. وايت ابراهيم ود. وحيد رأفت، القانون الدستوري، 1973، ص19، ود. كامل ليلة مرجع سابق، ص21،22.
(15) أ. د. بطرس غالي ود. محمود خيري عيسى: مبادئ العلوم السياسية، مكتبة الإنجلو المصرية، سنة 1963، ص182 وما بعدها.
(16) د. وحيد رأفت، مرجع سابق، ص19.
(17) د. عبدالحميد متولي: المفصل في القانون الدستوري، ط الاسكندرية سنة 1952، الجزء الأول، ص205 وما بعدها.
(18) د. فؤاد العطار، النظم السياسية والقانون الدستوري، دار النهضة العربية، القاهرة، سنة 1965 - 1966، ص124 وما بعدها.
(19) د. سعاد الشرقاوي، النظم السياسية في العالم المعاصر، الجزء الأول، 1982، ص23.

آخر تعديل بواسطة الموسوعة ، 23-07-2008 الساعة 21:07.
  #18  
قديم 23-07-2008, 21:27
الموسوعة الموسوعة غير متصل
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2008
مشاركة: 100
الموسوعة is on a distinguished road
الافتراضي رد : الموسوعة السياسية

الدولة، نشأة

من الحقائق الأولية بالنسبة للإنسان أنه كائن اجتماعي أي لا يتصور له حياة إلا داخل جماعة يعيش في ظلها ويتبادل مع أفرادها المنافع والخبرات. ومن واقع هذه الحقيقة تولد قول بعض الفلاسفة بأن الإنسان حيوان اجتماعي أو أنه مدني بالطبع أي أنه لا يستطيع أن يشبع بنفسه لنفسه حاجاته الاساسية ولذلك يعيش دائماً ضمن جماعات . ومن هنا أيضاً لم يعترف أكثر الفلاسفة بصفة الإنسان لذلك الكائن الذي يقال إنه كان يشبه الإنسان في تكوينه الجسدي وأنه عاش قديماً يهيم علي وجهه في الاحراش والمستنقعات دون أية علاقات أجتماعية.
وقد أنقسم العلماء والمفكرون والفلاسفة في تحديد طبيعة التجمعات البشرية الأولي بين فريقين يري أولهما أن الأسرة كانت أول شكل للتجمعات البشرية ويري الأخرون أن التجمع البشري أتخذ شكل القطيع .
وسواء كان هذا الشكل أو ذاك فقد كان الأفراد كبار السن هم الأكثر خبرة وألماماً بظروف البيئة ومشاكل الجماعة وطرق الحياة وبالتالي ما يجب الاقدام عليه وما يجب اجتنابه من أعمال، وأخذوا في توجيه الجماعة باتجاه ما لديهم من خبرات ودراية تفوق من هم دونهم سناً وخبرة . ومع مرور الوقت تنامي أحساس الجماعة بضرورة الخضوع لتوجيهات هؤلاء الافراد كبار السن وتعود الصغار علي طاعة الكبار وسؤالهم النصيحة والأمر، فبدأت تتكون بذلك أول ملامح لمفهوم السلطة كضرورة في كل مجتمع بشري ، وأصبحنا بإزاء ما يمكن أعتباره مجتمعاً سياسياً بدائياً لم يلبث أن تنامي بتعقد حياه الجماعة مما أوجب نمو العديد من القواعد التي تبيح أفعالاً معينة وتحرم أفعالاً اخري ثم أزداد نمو هذه القواعد وتأصلها بزيادة حجم العلاقات بين أفراد الجماعة وتشعبها ثم تنامي علاقات أخري موازية بين كل جماعة والجماعة أو الجماعات المحيطة بها أو القريبة منها ، وفي كل الأحوال كان بعض أعضاء الجماعة يمارس سلطة الأمر والنهي علي الأخرين .
وقد وصل البعض، وتدل علي ذلك بعض الأبحاث، الى أنه قبل أن يعرف الإنسان نظام الاسرة ، كان يعيش في جماعات تشكل قطيعاً لا يعرفون ذلك النمط من العلاقات الخاصة التي تربط الرجل بزوجته. فكان الرجال والنساء يعيشون مشاعاً علي السواء وكانت الأم هو واسطة القرابة التي تربط العلاقات داخل الجماعة باعتبارها الصلة الوحيدة المعروفة داخلها في ظل حياة المشاع هذه . ثم تطور هذا الوضع البدائي عندما بدأ الإنسان بترك حياته الأولي في الصيد وجمع الثمار ويشتغل بالرعي ثم بالزراعة بما تنطوي عليه من قدر من الاستقرار في حياة الرعي ثم قدر كبير من الاستقرار مع اكتشاف الزارعة. وحينذاك بدأت حياة المشاع تنحصر بأتجاه أختصاص الرجل بزوجة أو زوجات متعددات ليبدأ بذلك نظام الاسرة بأعتبارها الجماعة الاساسية للمجتمعات البشرية في ذلك الطور من حياتها والذي كان مفتاحاً لسائر تطورات المجتمع البشري وصولاً إلي وقتنا الراهن. علي أن ما تقدم جميعه هي أجتهادات لا تفسر كافة حالات نشأة المجتمع البشري ولاسائر تطورات هذه المنشأة .
وقد عرفت بعض التجمعات البشرية المشار إليها سابقاً نوعاً من حياة الاستقرار مع أكتشاف الزراعة غير أنها كانت تضطر إلي التنقل الدائم كلما ضعفت خصوبة الارض إلي أن أحدثت فيضانات بعض الانهار خصوصاً علي ضفاف النيل وبلاد ما بين الرافدين تجديداً دائماً في خصوبة الارض ساعد الجماعات شبة المستقرة حول ضفاف هذه الانهار إلي التحول إلي حياه الاستقرار الدائم الذي أدي - في رأي بعض مؤرخي وعلماء السياسة - إلي ظهور نمط جديد من التنظيم السياسي أطلقوا عليه أسم المدينة المعبد ، وتمثلت نماذجه الأولي في معبد من الحجر والطين تؤدي فيه الطقوس الدينية وحوله عدد من الاكواخ التي يسكنها الكهان حيث يجئ سكان المنطقة المحيطة في بعض الاوقات أو المناسبات لاداء المناسك الدينية وتقديم القرابين ، ونشأت إلي جوار هذه المعابد بعض الاسواق الصغيرة لتلبية حاجات الكهنة أو المتنسكين ولتبادل السلع . ويري أصحاب هذا الرأي أنه كان من الطبيعي أن تتركز السلطة في هذه المدينة المعبد في أيدي الكهنة باعتبارهم الواسطة بين البشر والالهة وأن يكون كبير الكهان هو الملك الكاهن المتصف بالقداسة باعتباره ألهاً أو سبيلاً للالهة .
وقد أدي الاستقرار حول الانهار وسهولة الانتقال خلالها إلي تكون وحدات سياسية أوسع نطاقاً شملت عدداً من مدن المعبد هذه وخضعت لنظام مركزي موحد وبدأت تتكون في هذه الوحدات طبقة من المحاربين المحترفين شكلت أرستقراطية سياسية وعسكرية كانت كثيراً ما تنتزع الحكم لنفسها من الملك الكاهن بقوة السلاح، ثم بدأ الصراع بين هذه الوحدات السياسية الكبيرة فظهرت الامبراطوريات الكبري مثل الفراعنة والهكسوس والحيثيين والبابليين والفرس، وكانت هذه الامبراطوريات ذات طابع عسكري يقوم علي القوة والغزو . وكانت فلسفة حكمها دينية في الاساس .
هذا الشكل من أشكال المدينة - المعبد في الشرق تطور في الغرب عند الاغريق ثم الرومان في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد إلي شكل المدينة الدولة أو الدولة المدينة حيث بدأت تتبلور أول مفاهيم لعلم السياسة والتنظيم السياسي بعد ان استفادت من التراث البشري المتراكم عبر التاريخ السابق عليها في الحضارات الشرقية القديمة. وكان أبرز ما ميز هذا التطور الجديد في الدولة المدينة هو نمو قواعد مدنية جديدة مما أدي إلي أنحصار الاساس الديني البحت والقوة السافرة التي مثلت اساس الامبراطوريات الشرقية الافلة . كما بدأ الاهتمام بالفرد بوصفه أحد العناصر التي يتحدد بها هدف التنظيم السياسي، وكان الفرد في الامبراطوريات السابقة يذوب داخل الجماعة . ثم تطور نظام الدولة المدينة في ذات الاتجاه الامبراطوري الذي تطور إليه نظام المدينة المعبد السابق وبدأ ذلك بالامبراطورية المقدونية التي أسسها الاسكندر الأكبر والامبراطورية الرومانية من بعده والتي كانت امبراطوريات توسعيه تضم عن طريق القوة والغزو بلاداً متعددة وأجناساً مختلفة من الناس. وقد ظل هذا الشكل هو الشكل السائد من اشكال الدولة حتي مطلع العصر الحديث .
وقد مزجت الامبراطوريات الجديدة بين الاساس الديني لأمبراطوريات الشرق القديمة وما يضفيه من تقديس علي الحكام خصوصاً الحاكم الأعلي وبين ما ورثته من أفكار سياسية عن الأغريق . وقد تحولت الامبراطورية الرومانية إلي حكم عسكري كامل يقوم علي القوة والغزو وتنعقد سائر أموره بيد الامبراطور . ثم إنه مع ضعف الامبراطورية الرومانية بعد القرن الرابع الميلادي بدأت تتعرض للغزوات المتتالية من القبائل التي بسببها تقطعت إلي عدد كبير من الاقطاعيات فدخلت أوربا حينذاك إلي العصر الاقطاعي ثم ما لبثت كل مجموعة من الاقطاعيات أن تجمعت وكونت ممالك تنتخب ملكاً من بين رؤساء القبائل ويخضع الجميع للأعراف والتقاليد السائدة . ومن هذه الممالك نشأت الدول الأوربية بشكلها الحديث الذي يطلق عليه الدولة القومية والذي تميز عن جميع اشكال التنظيمات السياسية القديمة بمقوماته التي سبق شرحها في الفصل الأول من هذه الدراسة .
وهذا التحليل كان هو المدخل الذي حاولت علي أساسه العلوم الفلسفية والقانونية تقديم نظرياتها المفسرة لأصل نشأة الدولة. وتنقسم هذه النظريات إلي أتجاهين اساسيين أولهما يقول بالأساس الديني والآخر بالأساس المدني .

أولاً : الأساس الديني لنشأة الدولة (نظرية الحق الألهي)
عاش أنسان ما قبل التاريخ أفراداً وجماعات في مواجهه قوي الطبيعة الشرسة من عواصف ورمال ، ورياح وأمطار ، كما أنه عاش بين الجبال العالية والوديان المنخفضة والأراضي السهلة ، في الغابات والأحراش ، والبرك والمستنقعات ، بين الحيوانات البرية المفترسة والحشرات السامة القاتلة … الخ وهو يعيش علي ما تطاله يداه من جني الثمار أو الصيد . فكانت حياته رهن قوته أو قوة الجماعة التي يعيش معها وقدرتها علي مواجهه قوي الطبيعة ودرء أخطارها . وكانت هذه الأخطار المحيطة بالإنسان من كل جانب تهدد حياته في كل وقت وقد تتسبب في هلاكه وفنائه أو علي الأقل هجرته وتركه للمكان بحثاً عن مكان جديد أكثر أمناً وهكذا دواليك .
وكان من الطبيعي أن يؤمن الإنسان بوجود قوي ألهية مطلقة القدرة والأرادة هي التي تتحكم في قوي الطبيعة هذه وتوجه سلوكها وتحركها في عنف أو تقيد حركتها . و كان من الطبيعي أيضاً أن يلحظ الإنسان البدائي أن قوي الطبيعة هذه ليست من شكل واحد ولا طبيعة واحدة وأن قدراتها علي تدمير حياته وأهلاك ثروته هي قدرة تختلف بين كل عنصر وأخر من عناصر الطبيعة. فما تحدثه الرياح غير ما تحدثه الأمطار ، وما ينتج عن الفيضان هو غير ما تخلفه الزلازل والبراكين ، وكل هذا يختلف عن أفتراس الأسد أو لثغة الثعبان أو العقرب … الخ .
كما كان من الطبيعي أن يلحظ هذا الإنسان البدائي أن القدرة التي يمتلكها تختلف من فرد لأخر فليس القوي الشديد كالضعيف الواهن ، وليس الذي يتقن حرفة الصيد كالذي يملك القدرة علي الجري من أمام السباع المهاجمة وليس هذا وذاك كالذي يسقط بين أنياب الوحوش هلعاً . وقد أنتقلت هذه المشاعر والخبرات جميعاً مع الإنسان حين بدأت ملامح تطوره الأجتماعى مع حياة الأستقرار بعد أن أنتقل من طور الصيد وجمع الثمار إلي حياة الرعي ثم حياة الزراعة. فلما بدأ أنقسام البشر إلي حكام ومحكومين بفعل تطور حياة الجماعات البشرية وتشابك وتعقد مصالحها كان من الطبيعي أن يلحظ الإنسان من واقع خبراته السابقة أن الحكام يختلفون في طبائعهم وقدراتهم عن المحكومين . وأن للحكام أراده حرة تجعلهم يتصرفون كما يشاؤون وينفذون ما يرونه صالحاً، أما المحكومون فهم بلا حيله وليس عليهم إلا الخضوع للحكام وتنفيذ اوامرهم .
ولم يجد الإنسان من واقع خبراته في ذلك الوقت إلا تفسيراً واحداً هو أن الحكام والمحكومين ليسوا من طبيعة بشرية واحدة ، وكما أن القوة التي تحرك الطبيعة المحيطة بالإنسان وتخضعها لأرادتها هي قوة ألهية مطلقة الإرادة والحرية فلابد أن تكون هذه القوة هي التي تحرك البشر أيضاً وتخضعهم لأرادتها لحكم البشر وذلك من خلال الأفراد اللذين تصطفيهم للحكم . ومن هنا ظهرت نظريات الحق الألهي لتفسير نشأة الدولة والسلطة السياسية ، حيث أن السلطة مصدرها الله الذي يختار لممارستها من يشاء . ولما كان الحاكم يستمد سلطته من الله فإنه لابد أن يسمو علي الطبيعة البشرية وتكون طبيعته علوية ألهية تسمو فوق إرادة المحكومين .
وقد شهدت هذه النظرية عدة تطورات. ففي البداية أعتبر الحاكم من طبيعة ألهية بل هو الأله نفسه أو أبن الأله في بعض المعتقدات ومع ظهور المسيحية تم الفصل بين الأله والحاكم وأصبح الحاكم أنساناً يصطفيه الله للسلطة والحكم ولا يستمد سلطته من أي مصدر أخر فهو يحكم بمقتضي الحق الألهي المباشر .
وتصبح الدولة بالتالي في رأي هذا الفريق من خلق الله تعالي وهو الذي يختار الملوك مباشرة لحكم الشعوب لأنه خالق كل شئ ولأن ارادة تعلو كل أرداه لأنه خالق كل أراده وهو يصطفي بعض البشر ويلقي فيهم روحاً من عنده ويوجب علي باقي البشر طاعتهم والانصياع لهم باعتبار ذلك من طاعته وبالتالي فلا يسئل هؤلاء الملوك عن أفعالهم إلا أمام الله وحده وقد ظلت هذه النظرية سائدة لوقت طويل ولكنها فكرة الحق الألهى المباشر.
ولما وقع الصراع بين الكنيسة والملوك في أوروبا في العصور الوسطي بدأت تظهر فكرة جديدة للفصل بين السلطة والحكام اللذين يمارسون هذه السلطة . فالسلطة هي من عند الله ولكن الحاكم الذي يمارسها لا يكون من أختيار الله مباشرة بل إنه تعالي يوجه الأمور وإرادات البشر نحو أختيار هذا الحاكم بالذات. وبالتالي فإن الحاكم يتولى السلطة بواسطة الشعب ولكن من خلال الأرادة الألهية وقد عرفت هذه الفكرة الجديدة بنظرية الحق الألهي غير المباشر .
وهو الحق الناتج من العناية الالهية التي توجه الأمور والاحداث وارادات الافراد بأتجاه معين يسير علي مقتضي العناية الالهية لأختيار فرد معين أو أسرة معينة لتولي الحكم. فإذا كانت السلطة نفسها من عند الله إلا أنه لا يتدخل مباشرة في أختيار الحاكم ولكنه يرشد الافراد لاختياره ، فالحاكم طبقاً لهذه النظرية يختاره الشعب بتوجيه الارادة الالهية .
وهي نظرية مخففة من النظرية الأولي التي تعرضت لهجوم شديد. لكن النظريتين كليتهما لا يمكن نسبتهما إلي الدين بحال بل كانتا من اختراع بعض رجال الدين بالتواطؤ مع بعض الحكام لتبرير الاستبداد بالحكم وعدم مسئولية الحاكم مطلقاً عن أفعاله أمام الناس . ومنذ بدايات عصر الثورة الفرنسية وحتى اليوم تطورت الأمور بأتجاه هجر هذه النظرية بشقيها المباشر وغير المباشر لصالح الاتجاه الثاني في تفسير نشأة الدولة وهو الذي يمكن تسميته بالتفسير المدني .
ثانياً: الاساس المدني لنشأة الدولة
لقد تطور الإنسان وتطورت الحياة البشرية علي أمتداد التاريخ وغادر الإنسان حياة القبائل الرحل القديمة وعرف الأستقرار مع أكتشاف الزراعة ثم عرف البشر دورات حضارية متجددة في العصر القديم مع الفراعنة والبابليين والأشوريين والفنيقيين والفرس في الشرق ثم مع الأغريق والأمبراطورية الرومانية في الشرق والغرب معاً، وظهرت الرسالات السماوية وعرف الإنسان أفكاراً وطرقاً جديدة للحياة والعمل ومواجهه الطبيعة . ولم يعد ذلك الإنسان العاجز في مواجهه قوي الطبيعة ،كما لم يعد هو نفسه الإنسان الذي يجهل كل شئ عن حركة الطبيعة ، ويمكن في هذا الأطار رصد أربعة معالم أساسية نري أنها مثلت خبرة وخلفية تاريخية كبري في تطور البشر .
1- أن الإنسان تطور نوعيا من خلال تقدم العلوم والأكتشافات وخصوصاً بعد الثورة الصناعية الأولي أعتباراً من القرن السابع عشر الميلادي في أوروبا .
واصبح الإنسان بذلك كله أكثر قدرة علي تقييم الأراء ومواجهة الحكام كما أصبح معتزاً بذاته وقدراته الهائلة .
2- أن الإنسان مع امتداد تاريخه الطويل قد خبر ظهور الأمبراطوريات ، وزوالها ، وأنتصاراتها وهزائمها ، وعرف أنواعاً متعددة من الحكام فيهم الحاكم البصير القادر ، وفيهم الحاكم الضعيف العاجز ، وفيهم الحاكم العادي الذي لا يترك حكمه أثراً ، وفيهم القائد الفذ الذي يقيم الدنيا ويقعدها ولا ينتهي ذكره بوفاته. ومن خلال هذه الخبرة أدرك الإنسان أن الحاكم هو أيضاً بشر وأن الدول هي ظواهر بشرية وأن الحكام والدول يجوز عليهم ما يجوز علي البشر من أحوال الضعف والقوة ، الشباب والشيخوخة ، الحياة والموت. وبالتالي فليس ثمة طبيعة ألهية لأي بشر ولو كان حاكماً، كما أنه ليس ثمة مصدر إلهي لقيام دولة أو تنصيب حاكم لأن ذلك كله من فعل البشر .
3- أن الإنسان وقد أحتفظ بأيمانه المتوارث القديم بوجود اله قوي قادر هو رب كل شئ وخالق كل شئ ومقدر كل شئ إلا أن ظهور الأديان السماوية كان منعطفاً حاسماً في تطور فكر الإنسان في هذا الاتجاه باتجاه الفصل الكامل بين الله والبشر وبين الحكام والسلطة. وجاء ظهور الإسلام تحديداً لينهي تماماً نظريات الحق الألهي فاذا كانت الدولة في الإسلام تقوم علي أساس الدين إلا أنها هي نفسها دولة مدنية يفترض أن السلطة فيها لأبنائها الإسلام يكون لهم حق أختيار الحكام وعزلهم ، بل وقد أشترط علماء الإسلام في الحكام شروطاً متعددة يعني أشتراطها أن الأمة هي مصدر الحكم لأنه ما دامت ثمة شروط معينة لابد أن تتوافر في شخص من يتولي الحكم فلابد أن يكون هناك جهة ما أو هيئة تتولي تحقيق هذه الشروط . وسواء كانت هذه الهيئة هي أهل الحل والعقد كما يقرر بعض الفقهاء أو كانت الأمة كلها فما دام هناك شروط يجب توافرها ويجب التحقق منها فإن لازم ذلك ألا يكون هناك حق ألهي أو حاكم من طبيعة الهية أختاره الله بنفسه أو وجه الأحداث والبشر لأختياره .
ومع ظهور الرسالات السماوية خصوصاً الإسلام أيقن الإنسان أن نظريات الحق الألهي لا تمت للدين بصلة وإنما هي من أختراع الحكام المستبدين وأتباعهم من رجال الدين حتي يتاح لهم جميعاً الأستبداد بالسلطة المطلقة والتمتع بمزاياها ومغانمها .
4- أن الإنسان قد خبر خلال هذه الفترة الطويلة من حياته القديمة والجديدة مظالم الحكام المستبدين الإسلام زعموا أنهم ممثلو الله في الأرض وخلفاؤه عليها وأنهم غير مسئوولين إلا أمامه وحده وأنه لا مسئولية عليهم في مواجهه المحكومين .
ولقد كانت أوروبا أعتباراً من القرن السابع عشر الميلادي ثم مع الثورة الفرنسية ومن بعدها الثورة الأمريكية هي الميدان الأبرز لتفاعل هذه الأفكار والخبرات التي اكتسبها الإنسان علي مدي تاريخه الذي أصبح طويلاً ممتداً يصل لألوف السنين .
وهكذا بدأ الفكر الأوروبي يقود الفكر في كافة أنحاء العالم إلي نظريات جديدة وأفكار جديدة لتفسير نشأة الدولة والسلطة السياسية بعيداً عن نظريات الحق الألهي وبأتجاه الأساس المدني الذي يعتبر الدولة والسلطة ظواهر بشرية من صنع البشر .




الكاتب: الموسوعة

مراجع و مصادر: كتاب الدولة - أ. أحمد عبد الحفيظ - موسوعة الشباب السياسية - العدد العاشر - الفصل الثاني - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الاستراتيجية .
  #19  
قديم 23-07-2008, 21:29
الموسوعة الموسوعة غير متصل
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2008
مشاركة: 100
الموسوعة is on a distinguished road
الافتراضي رد : الموسوعة السياسية

الدولة، نظريات قيامها

1 - نظرية العقد الاجتماعي :
قال بها العديد من الفلاسفة ورجال الفكر والدين وكان لها تأثير كبير في قيام الثورة الفرنسية. ومع أختلاف في التفاصيل لا داعي للخوض فيه، فهى تقوم علي فكرة أساسية مقتضاها أن الاساس في نشأه الدولة يرجع إلي الارادة المشتركة لافراد الجماعة الإسلام اجتمعوا واتفقوا علي انشاء مجتمع سياسي يخضع لسلطة عليا ، أي أنهم اتفقوا علي أنشاء دولة بارادتهم المشتركة . فالدولة إذن هي نتيجة الاتفاق النابع من إرادة الجماعة.
ومن بين الفلاسفة الذين قالوا بهذه النظرية من يري أن حالة الإنسان في حياته البدائية الأولي قبل وجود الدولة كانت بؤساً وشقاء وحروباً مستمرة مبعثها الانانية والشرور المتأصلة في النفس البشرية وكانت الغلبة فيها للاقوياء والهزيمة والهوان للضعفاء، فكان الحق ينبع من القوة ويخضع لها. ولما كانت هذه الحياة غير محتملة فقد توافق افراد الجماعة علي تعيين شخص منهم يكون رئيساً عليهم وتكون مهمته التوفيق بين مصالحهم المختلفة وحماية الضعفاء من العدوان والعمل علي تحسين حال الجماعة واسعادها. وقد تنازل الافراد عن كامل حقوقهم لهذا الرئيس بلا قيد ولا شرط كما أن هذا الرئيس لا يكون طرفاً في العقد الاجتماعي وبالتالي فهو ليس مسؤولاً أمامهم وتعتبر سلطته مطلقة ويكون عليهم الخضوع والطاعة .
أما الفريق الآخر من الفلاسفة الذين قالوا بنظرية العقد الاجتماعي فهم يرون أن حاله الإنسان البدائي قبل نشأة الدولة لم تكن كما صورها الفريق السابق من البؤس والشقاء ، بل كانت حياه طبيعية فطرية يتمتع فيها كل فرد بحريته المطلقة ومع ذلك فإن الافراد رغبوا في الخروج من هذه الحالة نظراً لتشابك العلاقات بينهم وتعقدها وتعارضها وغموض أحكام القانون الطبيعي وعدم وجود القاضي المنصف الذي يعطي لكل ذي حق حقه . وهكذا ترك الافراد حياتهم الحرة هذه إلي حياه اخرى تكفل التعاون فيما بينهم والخضوع لحاكم عادل فأجتمعوا فيما بينهم وتعاقدوا علي أختيار أحدهم لتولي أمورهم وقد تنازلوا له عن جزء فقط من حقوقهم وأحتفظوا بالباقي بحيث لا يكون هذا الحاكم قادراً علي المساس به .
كما أن الحاكم يعتبر طرفاً في العقد. فإذا أخل بشروطه كان للجماعة أن تقوم بعزله وأبرام عقد جديد لحاكم جديد أو العودة إلي حياتهم الطبيعية الأولي .
وذهب فريق ثالث الى أن الافراد لم يتنازلوا عن جزء من، بل تنازلوا عن جميع حرياتهم الطبيعية السابقة علي العقد ، لكنهم استبدلوها بمجموعة أخري من الحريات المدنية يضمن لهم المجتمع حمايتها و كفالة المساواة بينهم فيما يتعلق بها ، وأنه تتولد عن العقد إرادة عامة هي إرادة مجموع المتعاقدين أو إرادة الأمة صاحبة السلطة علي الافراد جميعاً والذي لا يكون الحاكم بالنسبة لها إلا وكيلاً عن الجماعة يحكم وفق أرادتها فلا يكون طرفاً في العقد ويكون للجماعة أن تعزله متي شاءت. كما أن إرادة الامة هذه تكون مستقله عن إرادة كل فرد فيها وتكون مظهراً لسيادة المجتمع ولا يجوز التنازل عنها أو التصرف فيها .
وقد أنتقدت هذه النظرية بشدة علي أساس أنها نظرية خيالية لا يوجد أي برهان عليها علي إمتداد التاريخ، كما أنها تقوم علي أساس أن الفرد كان يعيش في عزله عن غيرة قبل إبرام العقد الاجتماعي مع أن الإنسان كائن اجتماعي لا يمكن أن يعيش إلا في جماعة كما أن الإنسان في حياته الطبيعية الأولي التي تقررها هذه النظرية لم يكن له من القدرات الفكرية والذهنية والخبرات في التعامل البشري ما يقرب إلي ذهنه فكرة قانونية متقدمة مثل فكرة التعاقد ، كما أن قدراته التنظيمية حتى ذلك الوقت لم تكن تسمح له بابتكار الطرق والوسائل التي تؤدي إلي أجتماع ناجح للجماعة والحصول علي رضا افرادها جميعاً علي العقد وهو رضا تري النظرية أنه ركن اساسي في العقد . كما لاحظ البعض تناقضاً شكلياً في منطق هذه النظرية لأن المفروض أن الجماعة لم تنشأ إلا بعد العقد فمن هو الذي تعاقد.
ورغم هذا النقد فقد كانت هذه النظرية من أكبر النظريات التي ساهمت في تفسير أهم تحولات التاريخ الإنساني بأتجاه تقرير سيادة الامة وأعتبار الحكام مجرد وكلاء عنها يعملون وفق أرادتها ولها حق عزلهم وأستبدالهم ، وهي الافكار التي مثلت بداية انتقال العالم من نظريات الحكم الالهي والاستبداد المطلق إلي عصور الديمقراطية التي تطورت إلي شكلها الحديث اليوم.
2- نظرية القوة أو التغلب :
وهي تقوم علي أن الدولة لم تنشأ إلا علي أساس القوة والتغلب سواء منذ البداية حيث كانت نظاما أجتماعيا معينا فرضه فرد أو مجموعة من الافراد علي الأخرين بالقوة والاكراه أو في مراحلها الامبراطورية التالية التي قامت علي الغزو والتوسع. وقد رأي البعض أن التاريخ والوقائع تنتصران - في أغلب الاحوال - لهذه النظرية وإن كانت ثمة وقائع أخري لنشأة وقيام دول بغير طريق القوة والعنف. كما أنه لم يفت هؤلاء أن يلاحظوا أنه إذا صح قيام أغلب الدول علي القوة والغلبة علي أمتداد مسيرة التاريخ فإنه يندر أن تستمر أي دولة وتدوم علي هذا الاساس وحده دون أن يلقي رضا وقبول الجماعة حتي وإن كان رضا سلبياً يقوم في حدوده الدنيا علي الخضوع لسلطة الدولة دون مقاومة أو أحتجاج.
3- نظرية تطور الأسرة:
يرجع أصحاب هذه النظرية نشأة الدولة إلي الاسرة وتطورها لما بينهما من تشابه. فالروح العامة التي تجمع بين أفراد الاسرة وحرصهم عليها هي ذات الروح التي تجمع بين أفراد الدولة كما أن سلطة الأب في الأسرة تشبه سلطة الحاكم في الدولة ، والدولة ما هي إلا نتاج تطور الأسرة التي ما إن تكاثرت وتنامت حتى أصبحت قبيلة وتحولت سلطة الأب إلي شيخ القبيلة ثم أنقسمت القبائل بعد نموها وتكاثرها إلي عشائر لكل عشيرة رئيس خاص بها. ولم تلبث العشائر بدورها أن تكاثرت وتنامت وأستقرت كل واحدة أو كل مجموعة منها علي قطعة من الأرض فقامت الدولة، أو أن الأسرة قد تنشأ وتستقر في مكان معين فإذا تنامت وتكاثرت تحولت إلي قرية لم تلبث أيضاً أن تتكاثر وتنمو وتتزايد حتى تصبح مدينة سياسية ومن هذه المدينة تنشأ الدولة .
ورأى بعض الفلاسفة إن الدولة نظام طبيعي ينشأ ويتطور طبقاً لسنة التطور والارتقاء، وأن الأسرة هي المصدر الصحيح لكل دولة .
وقد وجهت لهذه النظرية إنتقادات كبيرة تقوم علي أوجه التمايز الواضحة بين طبيعة الأسرة وطبيعة الدولة حيث الدولة سلطة دائمة علي أفرادها و لا ترتبط بشخص حاكمها ولا تزول بزواله وتتسع أهدافها كثيراً بما لا يقارن بأهداف الأسرة وعبر أجيال عديدة متتابعة من أبنائها علي عكس الأسرة التي تزول حين يكبر أبناؤها ويتركونها لتكوين أسر جديدة. كما أن السلطة فيها أبوية طبيعية لا يد للأسرة فيها وهي سلطة ترتبط بالأب وتزول بوفاته . غير أن أنصار هذه النظرية يدافعون عنها ويرون أنه لا يدحض الفكرة في جوهرها حيث أن الأسرة أيضاً كفكرة - وليس كأسرة محددة بالذات - هي فكرة مستمرة بما تخلقه من علاقات وأرتباطات بين افرادها تشبه تلك العلاقات بين أفراد الدولة الواحدة. كما أن وجود حالات لنشأة الدول بعيداً عن فكرة تطور الأسرة لا يدحض في صحتها بأعتبار هذه الحالات حالات استثنائية لا تمثل القاعدة التي يعول عليها في تفسير نشأة الدولة .
4- نظرية التطور التاريخي:
ويري أصحابها أن نشأة الدولة لا يمكن تفسيرها بأي من النظريات السابقة وحدها وإنما الدولة نشأت كحصيلة لتطور أجتماعي وسياسي وتاريخي طويل وممتد أسهمت فيه عوامل متعددة من داخل وخارج الجماعة واختلفت درجة التفاعل بين هذه العوامل ونصيب كل منها في نشأة كل دولة علي حدة عن غيرها من الدول .
ولعل ما مر أمام أعيينا في النصف الثاني من القرن العشرين وحده بل في السنوات الخمس عشر الأخيرة فقط منه ما يؤيد أنه ليس ثمة إمكانية لأعتماد نظرية واحدة لنشأة الدولة وأن ظروفاً تاريخية متعددة تسهم في قيام الدول وأختفائها أو أنقسامها إلي دول متعددة علي النحو الذي شاهدناه في تحلل دولة الاتحاد السوفيتي ودولة يوغسلافيا السابقتين إلي عدة دول جديدة مستقلة وتوحد دولة ألمانيا وقد كانت دولتين ، وعودة أجزاء من دولة الصين إليها وبدء تكون دولة فلسطينية مستقله … الخ .
ويلاحظ أن هذه النظريات جميعاً قد عنيت في الحقيقة بأصل نشأة السلطة السياسية وهو أحد عناصر الدولة وليست كل عناصر الدولة ، وبالتالي فإن هذه النظريات قد أقامت أفكارها علي أساس الهدف الذي رغبت في تحقيقه بالنسبة للسلطة السياسية القائمة في المجتمع ، فالإسلام أيدوا هذه السلطة ورغبوا في أستمرارها والتمتع بمزايا استبدادها وأنفرادها بالحكم ابتدعوا النظريات التي تخدم هذا الهدف علي عكس أولئك الذين رغبوا في تقييد السلطة وأعتبارها نابعة من أراده الجماعة ومسئولة أمامها فهؤلاء ايضاً ابتدعوا النظريات التي تحقق هدفهم.
5 - نشأة الدول العربية المعاصرة:
في ضوء الشرح السابق لأسباب نشأة الدول يمكن القول بأن نشأة الدول العربية في العصر الحديث ترجع إلي تطورات ثلاثة وقعت خلال القرنين التاسع عشر والنصف الثاني من القرن العشرين وهذه التطورات هي:
أ - زوال دولة الخلافة العثمانية وأنفراط عقد الأمم والشعوب والأقاليم التي كانت تدخل تحت لوائها .
ب- خضوع الأقاليم العربية للاستعمار الغربي بعد تجزأتها بين الدول الأستعمارية المختلفة علي النحو الذي قررته معاهدة سايكسبيكو بين أنجلترا وفرنسا عام 1904 وبمقتضي هذه المعاهدة توزعت معظم أجزاء الوطن العربي بين الدولتين .
3 - ظهور حركات التحرر الوطني ضد الأستعمار في كل قطر عربي علي حدة وعدم نشوء حركة تحرر وطني واحدة في كل الوطن العربي تستهدف تحرير جميع أجزائه ، وقد ترتب علي ذلك أن كل قطر عربي قد حصل علي أستقلاله بشكل منفرد وفي عام يختلف عن الأعوام التي حصلت فيها بقية الأقطار علي أستقلالها تباعاً وقد أدي هذا إلي نشوء الدول العربية بشكلها وحدودها الحالية .
وهي نشأة خاصة يمكن التعويل عليها كنموذج عملي في نقد نظريات نشأة الدولة علي أساس نظريات الحق الألهي أو العقد الأجتماعي أو تطور الأسرة . إذ أن هذه النشأة الحديثة للدول العربية لم تتولد مباشرة من حياة الطبيعة البدائية الأولي حيث كان الإنسان يعيش حياته البدائية متمتعاً بحرياته الطبيعية. ولم يجتمع أبناء أي أقليم عربي ويتفقوا فيما بينهم علي التنازل عن جزء من حرياتهم لحاكم أختاروه بأنفسهم ليتولي تنظيم حقوقهم ومحو التعارض بينها علي النحو الذي تقرره نظرية العقد الأجتماعي. كما أن هذه النشأة لا يمكن أن تعود إلي نظرية تطور الأسرة أو العائلة أو القبيلة أو القرية بحيث تصبح دولة معبد أو دولة مدينة .
كما أنه بالطبع لا يمكن تحليل الأمور علي أساس الأرادة الألهية التي حركت الأمور بشكل مباشر أو غير مباشر بأتجاه نشأة الدول العربية بشكلها الحالي .
والحق أن نشأة الدول العربية في شكلها الحديث وكنتيجة للتطورات الثلاثة التي ذكرناها سابقاً إنما ينتصر لنظريات التطور التاريخي في قيام الدول، حيث كان قيام الدول العربية في هذا الشكل الحديث نتيجة تطورات تاريخية محددة نبعت من ظروف الأمة العربية مجتمعة من ناحية ثم من التطورات الخاصة بكل قطر عربي علي حدة من ناحية أخري .
كذلك يمكن ملاحظة قيام عنصر الغلبة والقوة في نشأة الدول العربية الحديثة فقد خضعت الأقاليم العربية التابعة لدولة الخلافة الإسلامية تباعاً لسلطان أهل عثمان الذين تغلبوا بالقوة علي سائر البلدان الإسلامية وتولوا بسبب هذه الغلبة موقع الخلافة الإسلامية وأنشأوا الأمبراطورية العثمانية التي امتدت لأنحاء كثيرة من العالم وخضعت لها شعوب وأجناس وأقاليم متعددة .
ومع بدايات القرن التاسع عشر ما لبث الوهن أن لحق بدولة الخلافة العثمانية وقامت الحروب بين أجزائها المختلفة في وقت بدأ فيه صعود الشعوب الأوربية ونهضتها من جديد ، حيث شهد القرن التاسع عشر غلبة الشعوب الأوربية بالتدريج علي دولة الخلافة العثمانية ، بل وأنتزاع أقاليم كثيرة منها وأخضاعها للأستعمار الأوروبي ثم بلغت هذه الغلبة الأوربية علي الدولة العثمانية منتهاها منذ بداية القرن العشرين حين أحتلت الدول الأوربية معظم أجزاء الأمبراطورية العثمانية واستعمرتها ثم أنهت وجود الأمبراطورية العثمانية نفسها بعد الحرب العالمية الأولي . وهكذا ومن خلال عنصر القوة والتغلب خضعت أقاليم الوطن العربي للأستعمار الأوربي وتوزعت بين دول أوروبا الأستعمارية .
كما يمكن القول إن قيام حركات التحرر في كل قطر عربي قد تضمن نوعاً من القوة التي لم تلبث أن تغلبت علي الدول الأستعمارية في كل قطر عربي علي حده فتحقق أستقلال الدول العربية وقيامها في شكلها الحديث .
علي أنه أياً كانت اسباب نشأة فكرة الدولة ونشأة الدول فأنها تتعدد في أشكالها ونظم حكمها .




الكاتب: الموسوعة

مراجع و مصادر: كتاب الدولة - أ. أحمد عبد الحفيظ - موسوعة الشباب السياسية - العدد العاشر - الفصل الثاني - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الاستراتيجية .
  #20  
قديم 23-07-2008, 21:34
الموسوعة الموسوعة غير متصل
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2008
مشاركة: 100
الموسوعة is on a distinguished road
الافتراضي رد : الموسوعة السياسية

الدولة، شكل

الدولة من حيث الشكل :
1- الدولة البسيطة : هي تلك الدولة الموحدة التي تكون كتلة الأمة فيها واحدة متجانسة وتكون السلطة فيها واحدة ودستورها واحد ، حتى وإن تعددت أقسامها الإدارية من مديريات وأقاليم وولايات ومحافظات … الخ ومهما كانت الخلافات والفوارق المحلية بين هذه الأقاليم، أو تعددت وتنوعت أجهزة الحكم فيها ما دامت السلطة المركزية تسيطر علي هذه الوحدات جميعاً وتخضع هذه الوحدات لها خضوعاً تاماً مباشراً بغير وسيط . ولا تمتلك هذه الوحدات والتقسيمات الإدارية أي سلطة سياسية أو تشريعية عامة أو أي سلطة إدارية خاصة في مواجهه السلطة المركزية. ويقتصر عملها علي مباشرة مصالح الناس في التعليم والصحة والأمن … الخ في أطار التفويضات التي تمنحها لها السلطة المركزية التي تملك في كل وقت الغاء أى من هذه الوحدات أو أدماجها معاً أو تقليص حدودها أو سلطاتها الإدارية ، وبالتالي فإن دراسة هذه الوحدات تصبح من موضوعات القانون الإداري الداخلي ولا تتعلق بموضوعات القانون الدستوري إلا فيما يتعلق بما قد تضفيها أحكام الدستور من قيمة دستورية خاصة ترتبط أيضاً بقيمتها في البناء الداخلي المحلي وفي حدوده فقط ، وإذا كان هذا هو شأن هذه الوحدات في الدولة البسيطة أو الموحدة أو المتحدة فإن أياً منها لا يتعلق له أمر بقواعد القانون الدولي من قريب ولا بعيد .
ولبساطة التركيب الدستوري في هذا النوع من أنواع الدول فهو يسمي الدولة البسيطة ، علي أن بساطة التكون والتركيب الدستوري للدولة قد لا يستتبع بالضرورة بساطة أوضاعها الإدارية والتشريعية. فإذا كان المتصور أن الدولة البسيطة تأخذ بنظام الإدارة المركزية حيث تتجمع جميع سلطات ومظاهر الوظيفة الإدارية للدولة في أيدي الحكومة المركزية الموجودة في عاصمة البلاد والتي تمثل قمة الهرم الإداري الذي يتدرج من أسفل حيث الموظفين الإداريين في القري والأحياء والمصالح المختلفة يمثلون قاعدته بينما تكون ثمة وحدات إدارية وسيطة متعددة في المدن و المراكز ثم في الأقاليم والمحافظات … الخ .
كما قد يتصور أن هذه البساطة تعني وحدة تشريعات الدولة السارية علي سائر أقاليمها . غير أنه مع ذلك فإن تعقد وتركيب السلطة الإدارية وتعدد التشريعات الداخلية لا يمنع أن تكون الدولة بسيطة ، فقد تأخذ الدولة البسيطة بنظام اللامركزية الإدارية حيث تتوزع الاختصاصات الرئيسية للوظائف الإدارية ما بين السلطة المركزية في العاصمة وبين هيئات أخري محلية تكون منتخبة غالباً. وهي هيئات تملك بعض السلطات الإدارية المحددة التي تمارسها علي استقلال عن السلطة المركزية القائمة في العاصمة وإن كانت تخضع لأشراف هذه السلطة. فإذا لم تكن الهيئات المحلية منتخبة وإنما كانت معينة من قبل السلطة المركزية في العاصمة فإن هذا الوضع يجعل هذه الهيئات المحلية ضعيفة وتابعة للسلطة المركزية بشكل يقترب كثيراً من نظام المركزية الإدارية حتي لو كانت الهيئات المحلية تملك اختصاصات واسعة في المجال الإداري وتستطيع ممارستها بشكل مستقل عن السلطة المركزية وإنما فقط تحت رقابة هذه السلطة وأشرافها. ولذلك فإن البعض يميز بين النظام الذي تكون فيه الهيئات المحلية هيئات منتخبة ويجعل ذلك هو معني نظام اللامركزية الإدارية وبين النظام الذي لا تكون فيه هذه الهيئات منتخبه ويسميه نظام عدم التركز الإداري .
كذلك فإن الدولة البسيطة قد تسري فيها عدة تشريعات قانونية حيث يمكن أن تسري تشريعات معينة علي أقليم أو أقاليم إدارية من أقاليم الدولة دون الأقاليم الأخري أو علي مجموعة أو طائفة أو عدة طوائف من شعب الدولة دون الأخرين .
ولكن ينبغي في جميع الأحوال أن يظل استقلال الوحدات الإدارية المحلية استقلالاً ناقصاً لا يصل إلي حد الأكتمال في مواجهه السلطة المركزية ولا يصل إلي حد الخروج عن رقابة هذه السلطة وأشرافها. كما أن جهاز الدولة التشريعي ينبغي أن يظل موحداً ويكون هو وحده صاحب السلطة في أصدار القوانين سواء كانت تسري علي جميع أقاليم الدولة وأفرادها وجماعاتها أو كانت تسري علي بعض أولئك دون الأخرين .
كما ينبغي أن تظل السلطة السياسية والإدارية في الدولة واحدة لا تتعدد ونافذة بأوامرها مباشرة علي جميع أرض الدولة وهيئاتها وجماعاتها وأفرادها ، فكل هذه شروط لازمة لبقاء الدولة تحت وصف الدولة البسيطة في حالة أخذ الدولة بمبدأ اللامركزية الإدارية . فإذا فقدت الدولة هذه المواصفات أو بعضها لم تعد دولة بسيطة وأصبحت دولة مركبة. وأمثله الدولة البسيطة كثيرة في العالم المعاصر.
ولتقريب المفهوم أكثر للقارئ نشرح الوضع بالنسبة لمصر وهي من أهم وأفضل نماذج الدولة البسيطة في العالم علي أمتداد تاريخه .
فمصر تحكمها سلطة مركزية واحدة موحدة يقوم علي أمرها رئيس أعلي واحد هو الحاكم الأعلي للدولة ( الفرعون - الوالى - الخديوي - السلطان - رئيس الجمهورية علي أمتداد العصور التاريخية التي مرت بها مصر ) ، وهذه السلطة تملك أصدار القرارات والأوامر الإدارية ذات الطبيعة التنظيمية العامة كإنشاء طريق أو إقامة مصنع أو بناء مدرسة أو أستصلاح أرض زراعية … الخ وكذلك تملك إصدار الأوامر الإدارية ذات الطبيعة الفردية أي التي تخص أفراداً معينين كتعيين شخص ما في وظيفة ما أو نقله منها أو تقرير حق أو ميزة لهذا الشخص أو حرمانه منها … الخ . كما تملك هذه السلطة وحدها أنشاء الهيئات والوحدات الإدارية وتعيين أعضائها وتحديد سلطاتها ووضع الحدود المختلفة للأقاليم الإدارية سواء كانت محافظات أو أحياء أو مدن أو مراكز أو قري ، كما تملك إلغاء ما انشأته منها أو تعديل حدوده أو سلطاته أو دمجه في هيئة أو وحدة أخري دون معقب .
والسلطة التشريعية في مصر يملكها مجلس الشعب وحده ولا يشاركه فيها أية هيئات محلية. ومن خلال السلطتين الإدارية والتشريعية الموحدة وحدهما يمكن أقرار بعض الاختصاصات للهيئات المحلية فيما يختص بوضع التشريعات الأدني مثل اللوائح والقرارات التنظيمية التي تخص بعض أوضاع العمل أو المرور أو خدمات المرافق كالتعليم والصحة … الخ .
وفي مصر سلطة قضائية واحدة ينظمها القانون وتتدرج محاكمها في المراكز ثم المحافظات وصولاً إلي المحاكم العليا التي تصدر المبادئ القانونية والقضائية العامة التي لا تملك المحاكم الأدني الخروج عليها في معظم الأحوال ، وهذه المحاكم العليا توجد جميعاً في العاصمة المركزية للبلاد .
فالسلطة في مصر واحدة في سائر أجزائها، وهى حتى من الناحية الإدارية تعد نظاماً إدارياً مركزياً راسخاً حيث أن مسئولي جميع الوحدات والهيئات الإدارية والمصلحية يعينون بشكل مركزي من قبل الرئاسات العليا في العاصمة المركزية للبلاد .
وإذا حصل مواطن مصري علي حكم قضائي من محاكم أحدي المحافظات المصرية فإن هذا الحكم يكون نافذاً في جميع أنحاء البلاد. فإذا حصل مواطن من الأسكندرية مثلاً علي حكم من أي محكمة فيها أو في أي محافظة أخري يقضي بأحقيته في أية أموال أو تعويضات أو وظائف في محافظة أسوان مثلاً فإن هذا الحكم ينفذ في أسوان ويتعين علي السلطات المختصة في أسوان أن تقوم بتنفيذه بذات الطريقة والإجراءات التي يتم بها تنفيذ الحكم الصادر من محاكم أسوان ، ولا يكون لسلطات أسوان حق الأعتراض علي تنفيذ هذا الحكم إلا كحق أي مواطن أو هيئة في الأعتراض عليه ولا يكون هناك ثمة أجراء تملكه هذه السلطات لنفسها يعطي لها بذاتها أو بحسبانها سلطة إدارية في مواجهة سلطة إدارية أخري أو في مواجهة السلطة المركزية الحق في وقف تنفيذ الحكم أو القيام بأجراءات معينة تخصها وحدها تمهيداً لتنفيذه .
والمواطن المصري يملك حرية التنقل والعمل في كافة أنحاء البلاد دون أن يتوقف ذلك على محل ميلاده أو محل تعليمه … الخ وهو يمارس كافة حقوقه وحرياته العامة والخاصة ، السياسية والأقتصادية والأجتماعية كحق الترشيح والأنتخاب ، وحق العمل واقامة الشركات وتكوين الجمعيات والتملك والإيجار … الخ يمارسها في أي مكان يتاح له أو يريده في البلاد. وإذا وضعت محافظة من المحافظات قيوداً علي مواطنيها فيما يتعلق ببعض الأمور كالمرور ونقل المواد الزراعية أو الغذائية من أراضيها… الخ فإن هذه القيود تسري علي سائر المواطنين المصريين الذين يتعاملون في هذه الأشياء علي أرض المحافظة ، كما أنه إذا كانت ثمة ظروف خاصة تعطي لأي محافظة الحق في اصدار تسهيلات معينة للمواطنين في أي مجال من المجالات فإن هذه التسهيلات يتمتع بها جميع المصريين الذين يتعاملون في المجال الذي تمنح له التسهيلات بصرف النظر عن كونهم من قاطني هذه المحافظة أو لا .
كما أن السلطة المركزية تملك في كل وقت الغاء أي قرار من قرارات المحافظات بلا معقب وتملك الزام المحافظات بأعطاء استثناءات معينة ولو كانت لأفراد بذاتهم علي القرارات التنظيمية التي تصدرها المحافظات . كذلك فإن قوانين العمل والتملك والعقوبات وسائر القوانين التي تنظم حياة المواطنين تصدرها السلطات المركزية وتسري علي سائر المواطنين دون توقف علي الإرادة الخاصة لأي جماعة أو سلطة أو فرد .

2- الدولة المركبة : تتكون من دولتين أو أكثر اتحدتا لتحقيق أهداف مشتركة بحيث تخضع الدول الداخلة في الاتحاد لسلطة مشتركة وتتوزع سلطات الحكم ما بين هذه السلطة المشتركة والسلطات الخاصة بالدول الداخلة في الاتحاد كلاً علي حدة ويختلف توزيع السلطة حسب طبيعة الاتحاد المتفق عليه فيما بينهما وظروف نشأته وتطوره .
فهناك اتحادات شخصية والتي تتألف من دولتين متعادلتين في كل شئ لكل منهما سيادة داخلية وسيادة خارجية متميزة ودستور مستقل ولا يجمع بينهما إلا المصادفة التي تتمثل في اتحاد شخص الملك الحاكم للدولتين نتيجة مصادفات قواعد وراثة العرش حين يجتمع حق وراثته في تاج واحد وأسرة واحدة فلا يجمع بين الدولتين إلا شخص الملك الواحد الذي يحكمهما وقد اندثر هذا الشكل في الوقت الحاضر تماماً .
وهناك اتحادات فعلية أو حقيقية .. تحتفظ الدول الداخلة فيها بمسائلها الداخلية ويكون لها دستورها وتشريعاتها الخاصة وإدارتها ولكنها تخضع لحاكم واحد وتعتبر دولة واحدة بالنسبة لأحكام القانون الدولي . وقد أندثر هذا الشكل بدوره في الوقت الحاضر ولم يعد هناك أي نماذج باقية من نماذجه التي كانت موجودة حتى بدايات القرن العشرين .
ويلحق بالصورتين السابقتين صورة مندثرة أخري هي صورة الاتحاد الاستقلالي الذي يجمع بين مجموعة من الدول تحتفظ بسيادتها الداخلية والخارجية إلا بشأن الأمور التي اتفقت هذه الدول علي أعطائها للاتحاد نفسه والتي كانت تنحصر في مسائل الدفاع وحل النزاعات فيما بين الدول المتحدة نفسها أو بينها وبين الدول الأجنبية وهي أمور يمارسها الاتحاد من خلال مؤتمر سياسي لا يعد شكلاً تنظيمياً ولا هيئة تشريعية ، كما أن الاتحاد لا يعتبر دولة فوق الدول الداخلة فيه والتي تملك دائماً الحق في الانفصال عنه .
اما أبرز صورة حقيقية للدولة المركبة فهي صورة الاتحاد المركزي ، الذى يتكون من دويلات أو مقاطعات يتوافر لها صفة الدولة من الناحية الداخلية فيكون لها برلمانها وقوانينها وحكومتها المحلية وقضاؤها الخاص وموظفوها وسكانها وميزانياتها المستقلة إلي غير ذلك من الأمور التي قد تختلف فيها أختلافاً ظاهراً مع أي دويلة أو ولاية أو مقاطعة أخري داخل نفس الاتحاد . لكن هذه الدول تفقد في الغالب كامل صفتها الدولية ولا تعد دولة من أشخاص القانون الدولي بحال ، إذ أن هذه التكوينات جميعاً تدخل في تكوين دولة أكبر هي دولة الاتحاد التي يكون لها هيئاتها السيادية التشريعية والتنفيذية والقضائية وتمارس سيادتها علي جميع التكوينات الداخلة فيها ويكون أقليمها هو مجموع أقاليم وأراضي هذه التكوينات وشعبها هو مجموع أبناء هذه التكوينات أيضاً .
وتكون قوانين وقرارات وأعمال الاتحاد في حدود الاختصاصات المعطاه له ملزمة ونافذة في جميع الدول ودون أن يتوقف ذلك علي إرادة سلطاتها حتي لو جرى التنفيذ من خلال هذه السلطات وليس بشكل مباشر من قبل هيئات الاتحاد . ولا تعد هذه الدول أو المقاطعات مجرد أقسام إدارية كالشأن في الدولة البسيطة ولا تعد أمورها واختصاصاتها من موضوعات القانون الإداري بل من صلب موضوعات القانون الدستوري حيث يكون ما لها من اختصاصات وسلطات محدداً بموجب الدستور الاتحادي نفسه ولا يجوز لسلطات الاتحاد المساس به إلا في ضوء أحكام الدستور كما لا يجوز لها إلغاءه أو تعديله إلا عن طريق تعديل الدستور نفسه ووفقاً للطرق والاساليب التي يحددها الدستور لهذا التعديل وفي التوقيتات التي ينص عليها الدستور لاستحداث تعديلاته أو نفاذها .
إن دولة الاتحاد المركزي هى دولة كاملة ذات سيادة داخلية وخارجية لكنها تتكون أو تتركب من مجموعة من الدول أو المقاطعات ذات نظم سياسية وقانونية وإدارية مختلفة وهذا هو وجه الخلاف بينها وبين الدولة البسيطة أو الموحدة .
بقي أن نقول إن التكوينات الداخلة ضمن الاتحادات المركزية لا تملك حق الاستقلال من الناحية العملية لأفتقادها القدرة العملية أو القوة اللازمة لتحقيق هذا الاستقلال حتى وإن أمتلكت هذا الحق نظرياً في نصوص الدستور الاتحادي كما كان الشأن في دول الاتحاد السوفيتي السابق والذي كان أحد أمثلة الاتحاد المركزي. فقد كان هذا الدستور ينص علي حق دول الاتحاد في الاستقلال متي شاءت ولكنه كان حقاً نظرياً غير قابل للتطبيق . وإذا كانت دول هذا الاتحاد قد أستقلت بالفعل فقد كان ذلك بفعل تفكك الاتحاد نفسه وأنهياره التام وليس تنفيذاً لأحكام دستور هذا الاتحاد المنصرم .
كذلك فإن التكوينات الداخلة في الاتحادات المركزية لا تكتسب صفة الدولة في المحيط الدولي حتى وإن وصفت بذلك في دستور الاتحاد وتعد الحروب التي تقوم داخلها أو بينها وبين أي دولة أخري من ذات الاتحاد من قبل الحروب الأهلية أو المحلية التي تخضع لأحكام القانون الداخلي دون القانون الدولي. وتعتبر سويسرا والولايات المتحدة الامريكية ويوغسلافيا السابقة أبرز أمثله دول الاتحاد المركزي في العصر الحديث .
وهكذا نجد أنه علي عكس الدولة البسيطة والتي تكون كاملة التوحد لا تتمتع أقاليمها بأي مظهر من مظاهر الاستقلال، فإن الدولة المركبة علي عكس ذلك تتصف بمواصفات عديدة من مظاهر الوحدة ومظاهر الاستقلال وهي مظاهر تتفاوت قوتها ومداها بحسب طبيعة الاتحاد الذي يربط بين الدول المكونة للدولة المركبة .
أ - ففي دول الاتحاد الشخصي تكون وحدة شخص رئيس الدولة هي مظهر الوحدة الوحيد بين دول الاتحاد، أما بخلاف ذلك فإن مظاهر الاستقلال تصبح كاملة ، فيكون لكل دولة من دول الاتحاد الشخصي سياستها الخاصة وقوانينها الداخلية وميزانيتها المستقلة ونظام حكمها الذي قد يختلف تماماً عن نظام الحكم في الدول التي تشاركها في هذا الاتحاد الشخصي. فقد يكون نظام بعضها ملكياً والأخر جمهورياً وهكذا . كما يكون لها تمثيلها الدبلوماسي الخاص المستقل لدى الدول الأخري بما فيها الدول الداخلة معها في هذا الاتحاد ، بل ويعتبر رعايا أي دولة داخلة في الاتحاد أجانب علي أرض دوله الأخرى ، كما أن تصرفات أي دولة في المستويين المحلي والدولي تلزمها وحدها فقط دون سائر دول الاتحاد بل وقد تقوم الحرب فيما بين دول هذا الاتحاد فتكون حرباً دولية تحكمها قواعد القانون الدولي وليست حرباً أهلية تخضع لأحكام القوانين المحلية . كما أنه لا تقوم بهذا الاتحاد دولة واحدة مستقلة عن الدول الداخلة فيه بل علي العكس من ذلك فإن رئيس الاتحاد يمارس اختصاصاته داخل كل دولة باعتباره رئيساً لهذه الدولة وليس باعتباره رئيس لدولة الاتحاد .
ب - أما في دول الاتحاد الحقيقي فإن مظاهر الوحدة والتماسك تزداد ، فيكون للدولة رئيس أعلي واحد وسلطات واحدة تباشر شئونها الخارجية والعسكرية بحيث تفقد كل دولة داخلة في هذا النوع من أنواع الدول الاتحادية أو المركبة شخصيتها الدولية بالكامل لصالح دولة الاتحاد.
ولكن يتبقي لكل دولة من الدول الداخلة في الاتحادات الحقيقية مظاهر متعددة للاستقلال ، حيث تحتفظ بكامل شخصيتها في الأمور الداخلية ، فيكون لها دستورها وبرلمانها و ميزانيتها ونظامها الدستوري الخاص بها وسلطاتها المستقلة الإدارية والقضائية والتشريعية .
ولكن دولة الاتحاد تكون هي وحدها صاحبة الشخصية الدولية فتبرم المعاهدات باسمها أو باسم أي من الدول الداخلة في الاتحاد، وتكون وحدها هي صاحبة التمثيل الدبلوماسي والقنصلي كما أن الحرب التي تقع بين الدول الداخلة في الاتحاد تعد حرباً محلية لا شأن لقواعد القانون الدولي بها ولا يجوز للدول الأخري التدخل فيها بأعتبارها شأنا داخلياً يخص دولة الاتحاد .
ج - أما في الاتحاد الاستقلالي أو التعاهدي فإن مظاهر الوحدة تكون أكثر من تلك التي تقوم في الاتحاد الشخصي حيث أن الدول الداخلة فيه تتنازل عن جزء من اختصاصاتها الدولية لصالح هيئة أو مؤتمر الاتحاد لكن مظاهر الوحدة تظل أقل كثيراً من حالة الاتحاد الحقيقي، ذلك أن التنازل عن الاختصاصات الدولية لا يصل إلي حد أن تفقد الدول الداخلة في هذا النوع من الاتحاد شخصيتها الدولية كاملة بل تظل محتفظة بهذه الشخصية عدا ذلك القدر الذي تنازلت عنه للاتحاد . كما أن قرارات مؤتمر أو هيئة الاتحاد لا تكون نافذة في دوله إلا بموافقة حكوماتها كل علي حدة وليس للاتحاد سلطة مباشرة علي رعايا أو سلطات الدول الداخلة فيه والتي تملك دائماً حق اعلان الخروج من هذا الاتحاد واسترداد ما تنازلت عنه من اختصاصات للاتحاد .
د - أما دولة الاتحاد المركزي فهي دولة كاملة التكوين والسيادة حيث تنتهي تماماً الشخصية القانونية لدوله في المجال الدولي وتكتسب شخصية جديدة هي شخصية دولة الاتحاد ويحمل مواطنوها جميعاً جنسية واحدة هي جنسية دولة الاتحاد التي يكون لها دستور مركزي واحد يسري علي جميع الدول الداخلة فيها وتوجد بها سلطة تشريعية واحدة وإن كانت تتكون دائماً من نظام المجلسين حيث يتكون أحدهما من ممثلين متساويين في العدد من كل دولة من الدول الداخلة في الاتحاد، بينما يتكون المجلس الأخر من ممثلين من كل دولة بحسب عدد سكانها وبحيث يلزم موافقة المجلسين علي أغلب التشريعات أو الأساسي والرئيسي منها علي الأقل. كذلك فإنه توجد للاتحاد إدارة مركزية واحدة تمتد باختصاصها إلي سائر الدول الداخلة فيه ، ولكن تتنوع الطرق التي تمارس بها الإدارة المركزية سلطاتها في الدول الداخلة في الاتحاد .
وقد يكون ذلك بشكل مباشر ومن خلال مندوبين للإدارة المركزية يتواجدون في جميع أنحاء الدولة ويتولون بأنفسهم تنفيذ قرارات وقوانين الاتحاد داخل كافة الدول الداخلة فيه .
وقد يكون ذلك بشكل غير مباشر من خلال الموظفين المحلين في الدول الداخلة في الاتحاد .
أما الطريقة الثالثة فهي تجمع الطريقتين السابقتين وتكون من خلال الموظفين المعينين مركزياً داخل الدول المختلفة ومن خلال السلطات المحلية لهذه الدول أيضاً .
بقي أن من مظاهر الوحدة في دول الاتحاد المركزي وجود القضاء الموحد الذي تتسع اختصاصاته أو تضيق لكنه يبقي هو المختص دائماً بالنزاع بين الدول وبعضها أو بينها وبين سلطات الاتحاد ، كما قد يكون هو المختص بنظر الطعون التي تقدم علي أحكام القضاء الخاص بالدول الداخلة فيه .
أما مظاهر الاستقلال في الاتحاد المركزي فتقل كثيراً عن مظاهر الاستقلال في الأشكال السابقة ، فيبقي لكل دولة من الدول الداخلة في الاتحاد وجود مستقل عنه ولو كان قاصراً علي الأمور الداخلية ، كما تكون كل الدول الداخلة في الاتحاد دولاً بالمعني الدستوري من الناحية الداخلية فلها سلطات إدارة وقضاء وتشريع وكلها سلطات ينظمها دستورها الخاص وليس دستور الاتحاد كما يبقي لها نظمها وأعرافها وتقاليدها وحدودها التي لا تملك السلطات الاتحادية تعديلها ويكون لها مواردها وميزانيتها المالية المستقلة ، والسلطات الموجودة داخل هذه الدول هي سلطات حاكمة وليس مجرد هيئات إدارية كالشأن في الدول البسيطة .
وتتنوع الطرق الدستورية التي تتوزع بها الاختصاصات بين سلطات الاتحاد المركزية والسلطات المحلية للدول الداخلة فيه وذلك حسب قوة الاتحاد التي تبلغ أقصي مداها حين يحدد دستور الاتحاد اختصاصات الدول الداخلة فيه علي سبيل الحصر بحيث تكون السلطات الاتحادية هي صاحبة الاختصاص العام في كل ما لم يرد به نص في الدستور وقد تكون درجة الوحدة أقل حين يحدد الدستور سلطات الدولة المركزية تاركاً للسلطات المحلية الاختصاص العام بكل ما لم يرد فيه نص .
أما الطريقة الثالثة فهي تلك التي يتولي فيها الدستور تحديد الاختصاصات المركزية والاختصاصات المحلية ، ويعيبها أنها طريقة تحكمية جامدة تثير الكثير من المنازعات وتؤدي إلي عدم الاستقرار ، ذلك أنه مهما كان مدي اتساع النصوص ومرونتها فإنها لا يمكن أن تشمل حكم كل حالة من حالات الواقع العملي المتطور دائماً بتطور الظروف والذي يحدث فيه دائماً من الوقائع والاحداث ما لم يكن يخطر ببال واضعي هذه النصوص .
ويتضح من العرض السابق للاتحاد المركزي أنه يشبه الدولة المركزية الموحدة من حيث أن كلا منهما دولة واحدة تتمتع بكامل شخصيتها المعنوية المستقلة داخلياً ودولياً . ولكن يبقي مع ذلك ثمة فوارق كبيرة بين هذين الشكلين من أشكال الدول .
ذلك أن الأمور داخل الدول الموحدة إنما تتعلق بالمسائل الإدارية فقط وتنصب علي النشاط الإداري للدولة من حيث مركزيته أو لا مركزيته علي النحو الذي أوضحناه من قبل ويكون موضوعه خاصاً بموضوعات القانون الإداري للدولة ولا يرقي إلي مستوى موضوعات القانوني الدستوري .
أما داخل نظام الاتحادات المركزية فإن الأمر يخضع للنشاط الحكومي في مجموعة وتأخذ التكوينات الداخلة في الاتحاد شكل الدولة وتكون لها سلطة أصيلة نابعة من دستورها الخاص، كما أن دولة الاتحاد المركزي تفترض تعدد القوانين بتعدد الدول الداخلة في الاتحاد وتعدد الأنظمة السياسية والإدارية والقضائية بالتبعية، في حين يفترض وحدة هذه الأمور جميعاً في الدول البسيطة الموحدة حتى لو كانت تأخذ بنظام اللامركزية الإدارية كاملاً ، كما أن توزيع السلطات في الدول الموحدة يكون من قبل السلطات المركزية دون أية سلطة في ذلك للسلطات المحلية. أما في دول الاتحاد المركزي فإن الدستور الاتحادي هو الذي يتولى توزيع الاختصاصات ، كذلك فإن الدول الداخلة في الاتحاد المركزي تملك - غالباً - قوة عسكرية خاصة بها تتولي بواسطتها فرض إرادتها علي رعاياها ، وهو ما لا يتوافر للسلطات الإدارية في الدولة الموحدة البسيطة بل إنه يتصور في بعض الحالات أن تحتفظ الدول الداخلة في الاتحادات المركزية بشئ يسير من شخصيتها الدولية .
وقد لاحظ الكثيرون أن نظم الاتحاد المركزي ربما تكون أفضل النظم المناسبة لطبيعة العصر الحديث لما تسمح به من تكوين أمم ضخمة متعددة الأعراق والأجناس والأقاليم بما ينطوي عليه ذلك من ضخامة الموارد وتعاظم الامكانات المادية والبشرية والمعنوية التي توفر أعظم السبل للنهضة الشاملة والتقدم المطلوب في عالم اليوم وما يتطلبه من موارد ضخمة لابد أن تتوافر لأي دولة لملاحقة ثورة التكنولوجيا والعلوم الحديثة. كذلك فإن نظام الاتحاد المركزي يحقق تنوعاً ديمقراطياً كبيراً في النظم السياسية والإدارية والقانونية بما يسمح به من قيام أفضل النظم التي تناسب الاعتبارات المحلية الخاصة بكل دولة أو جماعة سياسية داخله فيه و دون أن يمنع من قيام وحدة وطنية حقيقية علي أسس سليمة تحول دون طغيان أي مجموعة علي أخرى. كذلك فإنه بتعدد النظم وتنوعها وتفاعلها تتراكم خبرات كبيرة تسري فوائدها علي الجميع .





الكاتب: الموسوعة

مراجع و مصادر: كتاب الدولة - أ. أحمد عبد الحفيظ - موسوعة الشباب السياسية - العدد العاشر - الفصل الثالث - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الاستراتيجية .

آخر تعديل بواسطة الموسوعة ، 23-07-2008 الساعة 21:40.
موضوع مغلق


خيارات الموضوع

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة موضوع جديد
لا يمكنك الرد على المواضيع
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

كود vB متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML مغلق
إنتقل إلى


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة. الساعة الآن » 11:59.


خرید کریو
Powered by vBulletin® Version 3.6.8 COMBO
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Copyright ©1999 - 2011, Alsayra.Com
جميع الآراء والتعليقات المطروحة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي للصايرة بل تمثل وجهة نظر كاتبها

المنتدى محمي بواسطة ابعاد المعلومات

هذا المنتدى يستخدم الكمبو المطوّر