منتديات الصايرة
 

عـودة للخلف   منتديات الصايرة المنتديات الأدبيــة منتدى القصة و الرواية
التسجيل المساعدة القوانين قائمة الأعضاء التقويم تعليم الأقسام كمقروءة


الرد على الموضوع اضف موضوع جديد
 
خيارات الموضوع
  #1  
قديم 12-02-2016, 18:46
الصورة الشخصية لـ احمد ميكى
احمد ميكى احمد ميكى غير متصل
عضو مجتهد
 
تاريخ التسجيل: Mar 2009
مشاركة: 344
احمد ميكى is on a distinguished road
Thumbs up اﻷبطال ( أروع قصص المقاومة الشعبية فى قلب سيناء المحتلة ) بقلم د. نبيل فاروق

1 - الشدائد... والرجال..
* "عند الشدائد، يظهر الرجال.."..
تلك الحكمة القديمة، كانت أوَّل ما قفز إلى ذهني، وأنا أقرأ، منذ
ما يقرب من ثلاثة عقود ونصف من الزمان، أحد الكتب العديدة، التي
ظهرت بعد انتصار أكتوبر 1973م، وكان يحوي بين غلافيه ملخصاً
موجزاً، لعدد من العمليات المخابراتية، التي مهَّدت أو ساهمت في
تحقيق الانتصار..
أيامها بدأ شغفي بعالم الجاسوسية والمخابرات، ورحت ألتهم في نهم
محتويات الكتاب، وأنتقل من عملية إلى أخرى، والحماس يسري في
كياني، ويخفق مع قلبي، وينتقل منه ليغزو كل خلية في جسدي..
ثم توقَّفت طويلاً أمام عملية بعينها..
عملية، وجدت نفسي أقرأها بعناية أكثر، واهتمام أشد، وأعيد قراءتها
مرة.. ومرة.. ومرات..
وفي كل مرة أعيد قراءتها، كان شغفي يتضاعف، وانبهاري يتزايد،
وحماسي يبلغ الذروة، ويكاد يخترق قمتها، لينطلق منها إلى عالم بلا
حدود..
هذا لأن تلك العملية بالذات، كانت تختلف كثيراً، عن كل ما يحويه
الكتاب من عمليات، بذل خلالها رجال المخابرات المصرية، الحربية
والعامة كل جهدهم، وطاقاتهم، بل وأرواحهم أيضاً، في سبيل تحقيق
النصر، وبلوغ الهدف، الذي تصوَّر الكل أنه من رابع المستحيلات..
كانت تختلف؛ لأن الذين قاموا بها ليسوا من المحترفين أو المدربين،
وإنما هم أفراد من الشعب..
أفراد مثلي ومثلك، عاشوا أحلك شعور في الوجود.. شعور الاحتلال
والقهر والسقوط في قبضة عدو غادر..
عاشوها دون أن ينهاروا، أو يتحكموا، أو يستسلموا، بل ثبتوا،
وتماسكوا، وقرَّروا أن يقاوموا ويقاتلوا، حتى آخر ذرة في أجسادهم،
وآخر قطرة دم في عروقهم، وآخر نفس يتردَّد في صدورهم..
انبهرت بالعملية، وحفظت أسماء أبطالها عن ظهر قلب، قبل أن تمر
سنوات وسنوات، وتختفي القصة في أعماقي، تحت أطنان من عمليات
الجاسوسية، وكتب فن وتقنية المخابرات، التي احتشد بها رأسي،
وتغلغلت في أعماقي ووجداني، و...
ومنذ عدة أعوام، وفي برنامج تليفزيوني شهير، يقدِّمه الزميل
(إبراهيم عيسى)، كنا نتحدَّث عن عالم المخابرات، وحرب أكتوبر،
عندما صعدت تفاصيل تلك العملية من أعماقي، وتصاعدت إلى رأسي،
حاملة معها كل الانبهار والحماس القديم، فانطلق لساني يصف الموقف،
والمشاعر، والبطولة، وحاملاً معلوماتي المحدودة عن العملية نفسها،
في حدود ما كنت أعرفه عنها أيامها فحسب..
وكانت هذه هي البداية الفعلية..
ففي اليوم التالي مباشرة، تلقيت اتصالاً من الأستاذ (فضل عبد
الله)، الذي أبلغني أنه أحد أفراد العملية، الذين تابعوا ما قلته
عنهم، على شاشة التليفزيون، وقرَّروا أن يمنحوني قصتهم، لتجد
طريقها إلى النشر، على نحو مناسب، بعد ثلاثين عاماً من انتصار
أكتوبر 1973م..
وزارني الأستاذ (فضل) في مكتبي، بصحبة ابنه (أحمد)، ليعطيني
ملخصاً للعملية كلها، كتبه أفراد المجموعة بأنفسهم، كدليل يقودني
إلى التفاصيل الفعلية، دون التفاصيل الخاصة بعلاقة المجموعة
بالمخابرات الحربية فيما بعد، عندما انتقلت العملية إلى الإطار
الرسمي، في مرحلتها الأخيرة..
يومها تحدّثنا كثيراً، ووضعنا بعض النقاط على الحروف، ثم اتفقنا
في النهاية على أن أسافر إليهم في مدينة (العريش)، في شمال
(سيناء*)، لألتقي بأفراد المجموعة؛ لأسمع منهم شخصياً القصة
كلها..
وسافرت بالفعل إلى (العريش)، ورحت أعيد قراءة أوراقهم طوال
الطريق، من (القاهرة) إلى هنا، ليطرح عقلي ألف تساؤل وتساؤل..

وفي (العريش)، كان اللقاء..
اللقاء مع (عبد الحميد الخليلي)، و(سعد عبد الحميد محمود)، و(فضل
محمد عبد الله).. آخر من تبقّى من مجموعة (العريش)، بعد رحلة
كفاح، ومقاومة، وانتصار طويلة..
وداخل حجرة بسيطة أنيقة، ومع أكواب الشاي الساخنة، دار جهاز
التسجيل، وبدأت المجموعة تروي..
تروي قصة أروع مقاومة شعبية، ضد الاحتلال الصهيوني، في قلب
(سيناء) المحتلّة..

* * *

"كانت البداية عقب احتلال (العريش) مباشرة، في يونيو 1967م.."
هكذا بدأ الحاج (عبد الحميد الخليلي) حديثه، وهو يصف كيف كانت
المفاجأة عنيفة قاسية، بعد أن راحت القيادة السياسية، لأسابيع
عديدة، تصول وتجول، وتهدِّد العدو الصهيوني، وتتوعَّد بإلقاء
(إسرائيل) في البحر، وتطالب بسحب قوات الطوارئ الدولية، وتعلن
أنها قادرة على دخول (تل أبيب)، خلال أيام قليلة من القتال..
ومع الخطب الحماسية، والكلمات الفخمة الرنَّانة، تفجَّر حماس
الجماهير، واشتغلوا، وباتوا ينتظرون بدء الحرب؛ لتحطيم العدو،
الذي يحتل (فلسطين) ويشرِّد أبناءها، ويهدد استقرار المنطقة كلها،
منذ سنوات طوال..
ثم جاء صباح الخامس من يونيو 1967م، ووقعت الضربة العسكرية، ولكن
في عكس الاتجاه، الذي انتظره وتمناه الكل..
وفي أيام قليلة، اجتاح الجيش الإسرائيلي (سيناء)، قبل حتى أن يجد
جيشنا الفرصة للقتال، والتصدِّي للعدو، في ظلّ تخبط القيادة، وضعف
خبرتها ودراستها..
وكانت أسود لحظات العمر، كما يصفها (عبد الحميد الخليلي)، مؤسِّس
المجموعة، وقائدها، وعقلها المفكِّر، عندما شاهد الجنود
الإسرائيليين، وهم يقتحمون (العريش) ويقتلون كل من يعترض طريقهم،
دون أدنى رحمة أو شفقة، حتى الأسرى من الجنود والضباط المصريين،
الذين ألقوا أسلحتهم، بعد مقاومة عنيفة..
حتى هؤلاء، قتلهم جنود العدو بلا رحمة، وبلا أدنى احترام
للمعاهدات والمواثيق الدولية..

وجرت الدماء الطاهرة أنهاراً، في شوارع (العريش)، في نفس الوقت
الذي راح فيه جنود العدو يتجولون في كل مكان، في زهو ظافر منتصر،
وهم يحملون أسلحتهم، التي يتصاعد الموت من فوهاتها، وقد أيقنوا من
أنهم قد وضعوا أقدامهم الدنسة على أرض مصرية، ولن يغادروها بعد
هذا قط..
وتفجَّر الغضب كالحمم، في عروق (عبد الحميد)، ووجد نفسه يقسم في
أعماقه، على ألا يمنح جنود العدو الفرصة، للسير بهدوء واطمئنان في
شوارع مدينته، ما دام في جسده عرق ينبض..
في تلك الأيام العصيبة، كان بعض الجنود والضباط المصريين قد
حوصروا في مدينة (العريش)، بعد أن أصيبوا إصابات جسيمة، منعتهم من
الانسحاب مع أقرانهم، ولما كان العدو يقيم مجزرة بشعة للأسرى، فقد
قام بعض المواطنين بنزع الثياب العسكرية للضباط والجنود المصابين،
ومنحوهم بدلاً منها ثياباً مدنية، ونقلوهم إلى المستشفى لتلقِّي
العلاج، في واحدة من أروع صور التعاون والتضامن، بين الجيش
والشعب، في أحلك الظروف والمواقف..
ومن وجهة نظر (عبد الحميد)، لم يكن هذا الإجراء كافياً، على المدى
الطويل، إذ سرعان ما يستقر العدو في المدينة، ويبدأ في مراجعة
أوراق المصابين، وفحص هوياتهم، وعندئذ ينكشف أمر الجنود والضباط
المصابين، والله (سبحانه وتعالى) وحده يعلم، ما الذي يمكن أن
يفعله بهم الإسرائيليون عندئذ..
وهنا كانت البداية..
ومن موقعه، كموظف ببلدية (العريش)، استطاع (عبد الحميد) الاستيلاء
على بعض أوراق البطاقات الشخصية الرسمية، وختمها بخاتم النسر، ثم
راح يصنع بطاقات زائفة لضباط وجنود الجيش المصابين، توحي بأنهم من
الموظفين المدنيين، الذين كان أغلبهم - حينذاك - من خارج
المدينة..
ويقول (سعد محمود) إنه، في تلك الفترة، ذهب لزيارة صديق وزميل
عمره (عبد الحميد)، في منزله الكائن في ذلك الشارع، الذي يحمل اسم
شقيقه الشهيد (محمد عبد الله الخليلي)، ودار الحديث بينهما عما
حدث، وعن مفاجأة الاحتلال، ثم طلب منه (عبد الحميد) بعدها أن
يصحبه إلى مستشفى (العريش) الأميري؛ لزيارة بعض المرضى..
وزار (سعد) المستشفى مع (عبد الحميد)..
زارها مرة.. ومرة.. ومرات عديدة، ليلاحظ أن الهدف الحقيقي، من تلك
الزيارات، كان تقديم العون للضباط والجنود المصابين، وتزويدهم
بالمال، والأزياء المدنية، والبطاقات الشخصية، التي أتاحت لهم
مغادرة (العريش)، لاستكمال علاجهم في (القاهرة)، عن طريق الصليب
الأحمر، باعتبارهم من المدنيين..
وصارح (سعد) صديق عمره بما لاحظه، فأبلغه (عبد الحميد) صراحة أنه
يرغب في تعاونه معه، للتصدِّي للاحتلال، بكل الوسائل والسبل
المتاحة..
في تلك الليلة، سهر (عبد الحميد) و(سعد) معاً حتى الصباح، في منزل
الأوَّل، ودار بينهما حديث طويل، ومناقشات مستفيضة؛ لدراسة ما
يمكنهما عمله، ولوضع الأسس الأوَّلية لخطة الكفاح، التي ستستمر
بعد هذا لسنوات وسنوات..
في البداية، لم يكن أمامهما سوى كتابة وتوزيع المنشورات، التي
تدعو المواطنين إلى الصمود، وتحثَّهم على التصدِّي للعدو،
ومقاومته في كل ما يسعى إليه، حتى لا يستقر به المقام في
(العريش)، ولا يهنأ له العيش في (سيناء) أبداً..
ولأنه لم يكن لديهما من التمويل والإمكانيات، راح الصديقان يكتبان
المنشورات بخط اليد، وينسخانها بأوراق الكربون العادية، بأعداد
محدودة للغاية، حاولا التغلُّب على محدوديتها بنظام توزيع دقيق
ومدروس، بحيث تؤدّي الغرض منها تماماً، لذا فقد راحا يضعانها في
الأماكن المزدحمة، والتي يقصدها الناس عادة، كالمساجد والأسواق
والمقاهي، كما يتم دسّها في منازل أولئك، الذين اشتهروا بالثرثرة،
وبعدم القدرة على كتمان أي أسرار..
كان هذا يتطلَّب متابعة منتظمة لمشكلات المواطنين، في ظلّ
الاحتلال، والطرق على كل ما يمكن أن يثير اهتمامهم، ويستثير
حماستهم في الوقت ذاته..
وكانت النتائج مدهشة..
المنشورات جذبت اهتمام الكل بشدة، واعتبرها الجميع شعاع أمل، وسط
ظلمة الاحتلال، فشغفوا بتداولها وترديدها، بل ونسخها وإعادة
توزيعها أيضاً، مما أصاب العدو بهستيريا الغضب، فانطلق في حملات
مسعورة للتفتيش والاعتقالات، بحثاً عن أصحاب المنشورات، الذين
اختاروا لأنفسهم اسم (لجنة أبناء "سيناء" الأحرار)..

اختيار الاسم نفسه كان دقيقاً للغاية، فقد ابتكره قائد التنظيم،
وعقله المفكِّر، (عبد الحميد الخليلي)، باعتبار أنه من الضروري أن
يكون العمل أكبر من الاسم، وليس العكس..
ولأن الأمر كان أكبر وأصعب من أن يتولاَّه رجلان فحسب، فقد قرَّر
(عبد الحميد) و(سعد) ضم عناصر أخرى للمجموعة، بشرط التأكُّد من
أنها عناصر وطنية، نشيطة، قادرة على العمل في صمت، من أجل الوطن..
وبينما يبحث الاثنان فيما حولهما، فوجئ (عبد الحميد) بزميل عمله
(عادل محمد الفار)، ينفرد به في مكتبه، ثم يعطيه بعض الأوراق،
التي تحوي أبياتاً من الشعر الوطني، الذي يهاجم العدو، ويطالبه
بنسخها على الآلة الكاتبة، التي يعمل بها، لتوزيعها في (العريش)،
أسوة بأولئك الشباب الأحرار، الذين يثيرون جنون العدو
بمنشوراتهم..
وعلى الرغم من أن (عبد الحميد) لم يتدرَّب قط على أساليب عمل
المخابرات، ومن أن خبرته لا تتعدى كونه مجنداً سابقاً، إلا أن
فطرته وذكاءه جعلاه يتعامل مع (عادل الفار) بمنتهى الحذر، ويسأله
عن السر في اختياره للقيام بعملية نسخ أبيات الشعر بالذات، فأجابه
(عادل) بأنه يشعر في أعماقه أنه وطني مثله، وأنه لن يتردَّد أبداً
في العمل من أجل وطنه، إذا ما اقتضت الحاجة..
ورويداً رويداً، راح (عبد الحميد) يدرس شخصية (عادل)، وحذَّره من
نشر وتوزيع تلك الأبيات، التي يمكن أن تثير غضب العدو، وتدفعه إلى
الانتقام، ولكن (عادل) أصرّ على الموقف، وأكَّد أن الموت في سبيل
الوطن شرف وواجب..
وهنا، صارحه (عبد الحميد) بالأمر، ولكنه لم يبلغه أن يرأس
المجموعة، وحدَّد له لقاءً في منزله، في الليلة نفسها..
وفي المساء، عرف (عادل الفار) الحقيقة، وطار قلبه من الحماس،
وأقسم على الإخلاص والعمل، من أجل الوطن، وقرَّر مع (عبد الحميد)
و(سعد) السعي لجذب عناصر وطنية أخرى للمجموعة..
والواقع أنه كان هناك آخرون، يعملون في نشاط المقاومة نفسه؛ سبل
بسيطة ومتواضعة، وكان (عادل) على معرفة بهم، لذا فقد قرَّر أن
يضمهم إلى المجموعة، ليصبح العمل جماعياً نشطاً..
وخطوة خطوة، وبذلك التروّي الحكيم، الذي اشتهر به (عبد الحميد)
بدأت عملية دراسة للمرشحين، ثم تم اللقاء بهم واحداً بعد الآخر،
لينضم إلى المجموعة (رشاد خليل حجاب)، و(فضل عبد الله حسين
المغازي)، و(محمد حجاج مصطفى)..
وفي الليلة التي اجتمعت فيها المجموعة كاملة، لأوَّل مرة، أقسم
الجميع على المصحف، بالحفاظ على أسرار التنظيم، وأسماء أعضائه،
وعدم الإعلان عن طبيعته وأعماله، أو عن أية تنظيمات أخرى تتعاون
معه، حتى بعد أن يتم التحرير، باعتباره عملاً خالصاً، لله
والوطن..
وهكذا، اكتمل التنظيم، وتحدَّدت أهدافه، وتوسَّعت عملياته أيضاً..
وكبداية لهذا التوسُّع، أدرك الكل أن الاستمرار في كتابة
المنشورات، ونسخها بالكربون، لا يكفي لتحقيق الأهداف المطلوبة،
لذا فقد قرَّرت المجموعة الحصول على ماكينة طباعة (استنسل)، وهي
الوسيلة الوحيدة، التي كانت متاحة حينذاك..
ومع بعض الجهد، علموا بوجود ماكينة (استنسل)، في إحدى المصالح
الحكومية المتحفَّظ عليها، فأعدوا خطة للاستيلاء عليها ليلاً..
وفي المساء، استدرج بعض أفراد المجموعة غفير الحراسة بعيداً، في
حين استخدم الباقون مفتاحاً مصطنعاً، ودخلوا به إلى المكان،
وحملوا ماكينة الطباعة في جوال قديم، لا يمكن أن يثير الشبهات،
وأعادوا إغلاق المبنى، ثم أسرعوا إلى المكان الذي أعدوه لطباعة
المنشورات، في منزل (سعد عبد الحميد)، في الشارع الرئيسي لمدينة
(العريش)..
وبدقة مدهشة، تم وضع نظام دقيق للاجتماعات، التي تتم في منزل (عبد
الحميد)، بحيث يصل أفراد المجموعة وينصرفون، دون أن يشعر بهم أحد،
في نفس الوقت الذي تم فيه تجهيز مكان الطباعة، وتزويده بمخزن سري،
يمكن أن تختفي فيه الماكينة، ومستلزمات الطباعة، بحيث يصعب أن
يعثر عليها العدو..
وبعقلية (عبد الحميد) المنظَّمة، تم تقسيم المدينة إلى ستة أقسام،
بحيث يتولَّى كل منهم قسماً بعينه، يقوم بتوزيع نصيبه فيه من
المنشورات، التي تضاعفت أعدادها عشرات المرات، مع وجود ماكينة
طباعة (الاستنسل)..
وبعد كل مرة، كان أفراد المجموعة، يتفرّقون، ولا يلتقون ببعضهم
البعض، حتى تنتهي هستيريا العدو، وتخف إجراءات أمنه العنيفة، ثم
يجتمعون بعدها لمناقشة وتقييم ما حدث..
وكان العدو نفسه يمنحهم تقييماً واضحاً لما فعلوه؛ إذ كلما كانت
لمنشوراتهم تأثيرات أقوى، كانت سلطات الاحتلال تتصرَّف بعنف أكثر،
وشراسة أكبر، فتقوم بتمشيط المدينة، والسعي لاستعادة المنشورات من
أيدي المواطنين بأي ثمن..
وفي واحدة من حملات الاعتقال، ثم إلقاء القبض على أحد أفراد
المجموعة.. على (رشاد حجاب)..
واجتمع أفراد المجموعة على نحو عاجل، وناقشوا عملية اعتقال
(رشاد)، دون أن تراودهم ذرة واحدة من الشك، في أنه لن يشي بهم،
مهما فعل الإسرائيليون معه أو به، وقرَّروا تكثيف حملاتهم
ومنشوراتهم، طوال فترة اعتقاله، حتى تبتعد عنه الشبهات..
كانت فترة تضاعف خلالها الجهد، والنشاط.. والخطر أيضاً، ولكنها
أثمرت نجاحاً منقطع النظير، عندما تم الإفراج عن (رشاد)، دون أن
توجَّه إليه أي اتهامات..
وبعد الإفراج عن (رشاد) بفترة معقولة، دعا (عبد الحميد الخليلي)
المجموعة إلى الاجتماع، لمناقشة ما ينبغي فعله، في المرحلة
التالية..
كان الجميع متحمسين للانتقال إلى مرحلة جديدة، ولكنهم رأوا أن
أوَّل ما ينبغي فعله، هو السعي للاتصال بالقيادة السياسية في
(القاهرة)؛ لإبلاغها بمجهوداتهم، وتلقِّي أوامرها، فيما ينبغي
فعله، في المرحلة التالية من المقاومة..
ومن خلال وسائل شتى، ومساعدات وطنية صادقة، تم إرسال بعض الرسائل،
التي وصلت إلى المسئولين، وإلى لجنة (سيناء) في الاتحاد
الاشتراكي، والتي قام أمينها - آنذاك - الأستاذ (عواد خليل أو
سلمة) بالرد عليها، وإرسال توجيهات بما ينبغي نقله إلى المواطنين،
عبر منشورات مجموعة (العريش)..
ثم حدث أفضل اتصال، بالنسبة للمجموعة كلها..
اتصال مع إذاعة صوت العرب مباشرة، من خلال ابن (سيناء)، الأستاذ
(حلمي البلك)، الذي أولى الأمر اهتماماً كبيراً، وبذل من أجله
مجهوداً جباراً، خاصة وأنه كان يقدِّم في تلك الفترة برنامجاً
إذاعياً شهيراً، يحمل اسم (الشعب في سيناء)، وكان يذيع منشورات
وخطابات المجموعة في برنامجه، الذي كانت تستمع إليه (سيناء) كلها،
باعتبارها بيانات صادرة عن (لجنة أبناء سيناء الأحرار)..
ولا أحد يتصوَّر كم كان لهذا من أثر طيب وقوي، في نفوس المجموعة
كلها، حتى أنهم ما زالوا يحملون كل التقدير والاحترام إلى الأستاذ
(حلمي البلك)، حتى هذه اللحظة..
أمر آخر، ولفتة كريمة أخرى، خفقت لها قلوبهم جميعاً، في تلك
الفترة حالكة السواد..

ففي تلك الفترة، كان الزعيم الراحل (جمال عبد الناصر) يوجِّه
دائماً في خطبه السياسية تحية لأبناء الأرض العربية المحتلّة، في
(القدس) والضفة الغربية و(غزة)، دون أن يذكر أبناء (العريش)..
وفي رسالة منهم إلى (القاهرة)، أرسلت المجموعة عتاباً إلى الرئيس،
وطالبته بإرسال تحياته إلى أبناء (العريش) أيضاً..
وفي أوَّل خطبه للرئيس (جمال)، أرسل التحية بالفعل إلى أبناء
(العريش)؛ ليؤكِّد للأبطال أنه لم ينسهم، ولم تنسهم (مصر) أبداً..
تلك الخطوة أثلجت قلوب الرجال، وجعلتهم يتخذون قراراً، طال شوقهم
وانتظارهم إليه..
قرار الانتقال بالعملية إلى مرحلة جديدة..
مرحلة الكفاح المباشر..
والمسلَّح.

* * *
الرد باقتباس
وصلات دعم الموقع
  #2  
قديم 12-02-2016, 18:48
الصورة الشخصية لـ احمد ميكى
احمد ميكى احمد ميكى غير متصل
عضو مجتهد
 
تاريخ التسجيل: Mar 2009
مشاركة: 344
احمد ميكى is on a distinguished road
Thumbs up الفصل الثانى : حي على السلاح..

2 - حي على السلاح..

* الانتقال، من مرحلة طباعة وتوزيع المنشورات، المناهضة للاحتلال
الصهيوني، إلى مرحلة الكفاح المسلَّح، ليس بالأمر الهين أو البسيط
أبداً؛ فالأمر ليس مجرَّد رغبة عارمة، تدفعك للانتقال من نقطة إلى
أخرى، ولا هو مجرَّد تحوّل في مسار الأحداث..
إنه - في الواقع - منعطف بالغ الحساسية والخطورة، والانتقال
بالأحداث كلها، من مواجهة محدودة، قد تثير في نفس العدو قيراطاً
من الغضب، إلى مواجهة عنيفة، ستفجِّر في أعماقه آلاف الأفدنة من
الثورة، وستجعله يضاعف وحشيته وشراسته ألف ألف مرة، ليبحث عن
أولئك المسلحين بأى ثمن..
والكل يعلم ما الذي يمكن أن يعنيه مصطلح (أي ثمن)، في ظروف وأيام
سوداء عسيرة كهذه!!..
لذا، فالقرار الذي اتخذته مجموعة (العريش)، بالانتقال إلى مرحلة
الكفاح المسلَّح، كان قراراً مصيرياً وخطيراً..
إلى أقصى حد..

فمن الناحية العملية، وباستثناء خبرة (عبد الحميد) المحدودة،
كمجَّند سابق، ومتطوِّع في الدفاع المدني، كانت المجموعة كلها
تجهل كل شيء عن الأسلحة أو المتفجرات، واستخداماتها الآمنة
والفعَّالة..
ثم إنها كانت تفتقر إلى الأسلحة والذخائر اللازمة، للانتقال إلى
هذه الخطوة الحاسمة الحازمة..
ولكن القاعدة تقول: "اسع يا عبد، وليكن الله (سبحانه وتعالى) في
عونك"..
ففي نفس الوقت، الذي تقرَّر فيه الانتقال إلى تلك المرحلة
المسلَّحة، عثر أحد أفراد المجموعة على عدد من قذائف الهاون،
مدفونة في أرضية مبنى مهجور، على ساحل البحر..
واجتمعت المجموعة كلها، وقرَّرت الحصول على تلك القذائف، واستخدام
المتفجرات داخلها، لصنع القنابل التي يحتاجون إليها، في مرحلة
الكفاح المسلَّح..
وفي الصباح التالي، اتجهت المجموعة كلها إلى الشاطئ، وبدت أشبه
بفريق من الشباب العابث، يعدو ويمرح على الرمال، في حين كان
الواقع أن معظم الأفراد يجذبون انتباه العدو بعبثهم المصطنع، في
الوقت الذي يفحص فيه (عبد الحميد) القذائف، وينقلها إلى الحقائب،
بمعاونة صديق عمره وزميله (سعد)..
ويضحك الحاج (سعد)، عندما يصل بروايته إلى هذه النقطة، قبل أن
يعلِّق قائلاً: إنهم كانوا مجانين بحق، عندما حملوا قذائف الهاون
في حقائبهم العادية، التي عبروا بها نقاط التفتيش الإسرائيلية،
ليصلوا سالمين إلى منزل والدته، التي أخفوا لديها قذائفهم (دون
علمها بالطبع)..
ومع اطمئنانهم على وجود القذائف، بدأ أفراد المجموعة يخططون
لأوَّل عملية مسلحة، تعلن عن وجودهم، وعن انتقالهم إلى تلك
العملية الجديدة..
وبخبرة (عبد الحميد)، ومعاونة خاله وصهره الحاج (عطا الله محمد
الرطيل)، أخرجت المجموعة المادة المتفجِّرة من قذائف الهاون،
وحصلت على الصواعق الناسفة، وبعض أنواع الفتيل المختلفة،
استعداداً لنسف الهدف الأوَّل..
ففي تلك الفترة، كان العدو قد افتتح مكتباً في مدينة (العريش)؛
لجلب العمال للعمل في قلب (إسرائيل)، بأجور مغرية للغاية، في وقت
لم تكن هناك فيه عمالة كافية، في (إسرائيل) نفسها..
وقرَّرت المجموعة نسف مكتب العمل الإسرائيلي، كرمز لرفض التعاون
مع العدو، وتحذير لكل من تسول له نفسه العمل لديه..
ودوى أوَّل انفجار، في قلب (العريش)، بعد سقوطها في قبضة العدو
الصهيوني..

وتم نسف مكتب العمل الإسرائيلي ليلاً، حتى لا يصاب في العملية
مدني واحد من أبناء (العريش)، ولو بالمصادفة البحتة..
وفهم العدو الرسالة، واشتعل غضبه أكثر وأكثر، وانطلق جنوده
كالوحوش الكاسرة، يقتحمون المنازل، ويعتقلون المواطنين، ويهددون
ويتوعدون الكل بالويل والثبور، و...
ووسط كل هذا، قامت مجموعة العريش بالعملية الثانية..
كان مكتب بريد (العريش) يقوم بصرف رواتب العمال، الذين يعملون في
قلب (العريش)، لذا فقد قام بعض أفراد المجموعة، ومنهم (فضل عبد
الله)، و(سعد عبد الحميد)، بإلقاء عبوة شديدة الانفجار ليلاً،
داخل مكتب البريد، لتنفجر انفجاراً عنيفاً، أيقظ (العريش) كلها،
وأعلن مرة أخرى أن (مجموعة العريش) ما زالت قوية صامدة، تبر بذلك
القسم، الذي أقسمته يوماً، على ألا يهنأ للعدو بال في (سيناء)
أبداً..
وجن جنون سلطات الاحتلال في (العريش)، وراحت مرة أخرى تهدِّد
وتتوعَّد، وتعتقل، وتستجوب بمنتهى العنف والشراسة والوحشية، في
نفس الوقت الذي بدأت فيه تتبع سياسة جديدة، تعتمد على نقل الأعمال
الإسرائيلية إلى (العريش)، بدلاً من نقل العمالة إلى (إسرائيل).
كان هذا، بالنسبة لها، حلاً مثالياً، لامتناع أبناء (العريش) عن
السفر إلى (إسرائيل)، وتوفيراً لنفقات رجال الأعمال الإسرائيليين،
في الوقت ذاته..
وبدأت المصانع الإسرائيلية تنتقل إلى (العريش)، ومن بينها مصنع
أثاث إسرائيلي شهير، يُدعى (كاتلا)..
وانتظرت مجموعة (العريش)، حتى استقر المقام للمصنع، واستعد لإخراج
أوَّل إنتاجه، ثم هاجمته فجأة بمتفجراتها، في نفس الوقت الذي
هاجمت فيه مبنى الإدارة المدنية للعدو، والذي يقع في المنطقة
نفسها..
وقبل أن يبدأ العدو تحقيقاته، بشأن نسف المصنع، وانفجار مبنى
الإدارة المدنية، فاجأته مجموعة (العريش) بعملية أخرى، أكثر جرأة
وخطورة..
لقد نسف بعض عناصرها قاعدة برج اتصالات رئيسي، يحمل الكابلات التي
تربط العدو بقياداته، في قلب (إسرائيل)..
وأصلح العدو البرج، ووضع عليه حراسة مشدَّدة، ولكن أبطال مجموعة
(العريش)، الذين ذاقوا حلاوة النضال والنصر، قرَّروا تحدّي العدو،
وإفقاده الشعور بالأمان تماماً، فنفذوا عملية ثانية ناجحة، ونسفوا
قاعدة البرج نفسه مرة أخرى.

ويبتسم (فضل عبد الله)، عندما يتذكَّر تلك المرحلة، ويقول: إن
نجاح عمليات المجموعة، ضاعف من حماسها ونشاطها، وجعل كل فرد من
أفرادها يفكِّر طوال الوقت في هدف جديد، يمكن تدميره، لإثارة غضب
العدو وحنقه، وبث الرعب في عروقه، وإقناعه بأن أيام الأمن والهدوء
والاستقرار قد ولّت إلى الأبد، ولن تعود مرة أخرى.. أبداً..
وفي كل مرة، كانت المجموعة تجتمع، فيطرح كل فرد من أفرادها الهدف
الذي اختاره، وتدور بينهم محاورات ومناقشات، حتى تتفق الآراء كلها
على هدف واحد..
ثم يتم التنفيذ..
وفي كل عملية، كان أفراد مختلفون يقومون بالمهمة، في حين يتولَّى
الآخرون مهام الحماية، والتغطية، وتنظيف الأرض بعد العودة..
ويضحك الحاج (سعد)، وهو يقول: "إنه كان القاسم المشترك، في معظم
العمليات"، ويضيف (فضل) أنه كان يشعر دوماً بالاطمئنان، عندما
يصحبه في العملية عم (سعد)، الذي يكبره بعشر سنوات تقريباً..
وعلى الرغم من الحملات المسعورة، التي قام بها العدو؛ للبحث عن
المسئولين عن هذه التفجيرات، ومحاولاته المستميتة لكشف أمرهم،
نفذت مجموعة (العريش) عملية أخرى، ونسفت برج كهرباء مجاور لمحطة
التوليد الكهربي شرق (العريش)، كان يقوم بتغذية معسكرات العدو،
وثلاجات حفظ الأطعمة، الخاصة بالجيش الإسرائيلي..
وفي هذه العملية، استخدم أفراد المجموعة، ولأوَّل مرة، مؤقتاً
زمنياً بسيطاً، ابتكرته قريحة (عبد الحميد)، من أدوات بسيطة
للغاية..
وبدأ الإحباط واليأس يتسلَّلان إلى أعماق سلطات الاحتلال، التي
عجزت تماماً عن كشف أفراد المجموعة، أو إيقاف عملهم، على الرغم من
وصول فريق تحقيق خاص من (تل أبيب)، بذل جهداً خرافياً، واستخدم
أساليباً غاية في العنف والوحشية، لاستجواب كل من وقع في يده، دون
طائل.. ومع عنف العدو، وشراسته المتزايدة المتصاعدة، قرَّرت
المجموعة نقل عملياتها خارج نطاق (العريش)، لتشتيت انتباهه،
وإبعاد أنظاره عن المدينة لبعض الوقت..
في تلك الفترة، كان العدو يجهِّز الأرض؛ لإقامة قاعدة جوية، في
منطقة (الجورة)، بالقرب من قرية الشيخ (زويد)، التي تبعد خمسة
وثلاثين كيلو متراً عن (العريش)..
وبقِلة منظمة، وأسلوب دقيق مدروس، يستحق الاحترام والإعجاب، راقبت
المجموعة المنطقة لعدة أيام، قبل أن يقوم بعض أفرادها بزرع لغم
مضاد للسيارات، في مدق ترابي، يستخدمه العدو لبلوغ المنطقة
يومياً..
وانفجر اللغم، لينسف واحدة من سيارات (الجيب) العسكرية للعدو،
ويقضي على من فيها تماماً..
وفي الوقت نفسه، وقبل أن يلتقط العدو أنفاسه، قامت المجموعة بنسف
خط مياه رئيسي، يمد مطار (العريش)، ومنطقة (بغداد)، و(الجفجافة)
ووسط (سيناء) بالحياة..
وفي هذه المرة، تم استخدام عبوتين ناسفتين، من مادة شديدة
الانفجار، بحيث يتم انفجارهما في آن واحد..
ونجحت العمليتان، على الرغم من حراسات العدو واحتياطاته، وأصدرت
القيادة العسكرية الإسرائيلية بياناً بهما، كما أصدرت بياناتها عن
كل العمليات السابقة أيضاً..
وانتشى أفراد المجموعة بتلك البيانات، التي اعترف فيها العدو
بخسائره وببطولتهم، على الرغم من وصفه لهم بالإرهابيين..

ويهزّ الحاج (عبد الحميد) رأسه، وهو يقول: "إن ما يقال عن تفوّق
جهاز المخابرات الإسرائيلي مجرّد وهم، فقد تم استجواب أفراد
المجموعة عدة مرات، من قبل محترفين إسرائيليين، دون أن يوجه لنا
اتهام واحد، مما يعني أنهم لم يكونوا بالكفاءة اللازمة لكشف
أمرنا."..
ومع الانتصارات المتوالية، قرَّر قائد المجموعة (عبد الحميد
الخليلي)، ضرورة إجراء اتصال مباشر، مع المخابرات الحربية
المصرية..
وكان هذا يعني ضرورة السفر إلى (القاهرة)، في أقرب وقت ممكن..
وبوساطة خطابات سرية، واتصالات غير مباشرة، تلقّى (عبد الحميد)
دعوة من بعض أقاربه، لزيارتهم في (القاهرة)..
ولأن ملفه لم يكن يحمل أية اتهامات لدى الإسرائيليين، حصل (عبد
الحميد)، قائد مجموعة (العريش) وعقلها المفكِّر، على تصريح بالسفر
إلى (القاهرة)، عن طريق منظمة الصليب الأحمر..
وفور وصوله إلى (القاهرة)، اتجه (عبد الحميد) مباشرة إلى اللواء
(محمد عبد المنعم القرماني)، محافظ (سيناء)، ليشكره على كل ما
قدّمه ويقدِّمه لأبناء المدينة المحتلة، والذي لم تنسه مجموعة
(العريش) أبداً، ولم تتوقَّف عن تقديم الشكر والاحترام والتقدير
من أجله، حتى هذه اللحظة..
وبعدها، وبأقدام ثابتة، وصورة واضحة جلية، اتجه (عبد الحميد) إلى
المخابرات الحربية المصرية..
وكان اللقاء هناك حاراً بالفعل..
فالمخابرات كانت تتابع عمليات (مجموعة العريش)، بكل الاهتمام
والتقدير، وتسعى بكل طاقاتها، وبكل إمكانياتها، لتحديد أفرادها،
وإيجاد وسيلة للتعاون معهم، ومدهم بكل ما يحتاجون إليه، من خبرة
وعتاد ومعدات..
وكانت صعوبة كشفهم هي أكبر دليل، لدى المخابرات الحربية، على
براعة أفراد المجموعة، والتزامهم، وقدرتهم على مراوغة العدو
الصهيوني، في قلب الأرض المحتلّة..
أما (عبد الحميد)، فيقول: "إنه قد انبهر تماماً، عندما وجد في
المخابرات الحربية المصرية ملفات كاملة عن كل أفراد المجموعة، مع
إشارة إلى احتمال كونهم ضمن (لجنة أبناء سيناء الأحرار)..
لحظتها شعر (عبد الحميد)، على حد قوله بالفخر والزهو والاعتزاز،
لأن مخابرات وطنه كانت أبرع من مخابرات العدو، على الرغم من
وجودها على بعد آلاف الكيلومترات من (العريش)..
ولحظتها أدرك أيضاً أن التعاون سيكون حتماً مثمراً..
وإلى أقصى حد..
وفي المخابرات الحربية، تحدَّث الرجال مع (عبد الحميد) طويلاً
وكثيراً؛ ليضعوا النقاط على الحروف، ويرسموا معاً خطوات المرحلة
القادمة، وقواعد العمل في فترة الانتظار، وعندما تحين ساعة الصفر،
التي ينتظرها كل مصري بفارغ الصبر..
كانت المعلومات عديدة وغزيرة ومرهقة، ولكن عقل (عبد الحميد)
المدرَّب بالفطرة، والمنمَّق بدقة مدهشة، استوعب الأمر كله، وعاد
إلى (العريش)، وهو يحمل الأنباء الطيبة لأفراد المجموعة..
إنهم يعملون الآن تحت علم الوطن، وتحت إشرافه ورعايته أيضاً..
وكانت مفاجأة قوية وسعيدة للجميع..
مفاجأة جعلتهم يقررون القيام بعملية جديدة، أكثر قوة وتأثيراً،
لإعلان أنهم كفء لما اختارهم له الوطن..
ومع ما وصلهم من إمدادات، وما أتيح لهم من إمكانيات جديدة، وقع
اختيار أفراد المجموعة على معسكر هام لجيش الاحتلال، يقع خارج
المدينة، في منطقة تعرف باسم (الأبطال)..

كان ذلك المعسكر الهام هو نقطة التقاء خطوط السكك الحديدية،
القادمة من (غزة)، و(إسرائيل)، ومركز تشوين هام وخطير جداً لجيش
الاحتلال، وتحيط به منطقة خالية كبيرة، لا تسمح بالاقتراب منه، أو
الهجوم عليه، بأية وسيلة من الوسائل..
ولكن الأبطال وجدوا وسيلة، لتدمير معسكر منطقة الأبطال..
فبعد مراقبة شديدة وطويلة، تم رصد وتحديد سيارة الخدمات الخاصة
بالمعسكر، والتي تتردَّد على سوق المدينة بصفة شبه يومية، وتم
تحديد مسارها، وأماكن توقّفها لفترات طويلة..
وبعد فترة ليست بالقصيرة، تم وضع خطة العمل، وقام (عبد الحميد)
بإعداد عبوة شديدة الانفجار، وتزويدها بمؤقِّت زمني، معد بحيث
ينفجر مع دقات منتصف الليل؛ لضمان تواجد السيارة داخل المعسكر، ثم
أضاف إلى العبوة لاصقاً مغناطيسياً، لتثبيتها أسفل جسم السيارة..
وفي اليوم المحدَّد للتنفيذ، توقَّفت السيارة في شارع 23 يوليو
كعادتها، فقام بعض أفراد المجموعة بالإحاطة بها؛ لحجبها عن
الأنظار تماماً، في حين قام أحدهم بتثبيت العبوة الناسفة أسفلها،
بوساطة اللاصق المغناطيسي، وعندما تأكَّد من أن لديه المزيد من
الوقت، أخرج من جيبه حبلاً متيناً، وأحكم به تثبيتها في موضعها..
وانتهت السيارة من مهمتها، وعادت إلى المعسكر، الذي اطمأن العدو
إلى تأمينه وحمايته، نظراً للعراء والفراغ المحيطين به..
وعند منتصف الليل تماماً، انفجرت العبوة شديدة الانفجار، ونسفت
السيارة، بل سحقتها سحقاً، قبل أن تمتدّ إلى ما حولها، وتكبِّد
العدو خسائر فادحة، وقضت في دقائق معدودة على ثقته في نفسه، وفي
إجراءاته الأمنية كلها..
السؤال الذي ظلّ يشغلني، وأنا أسمع هذه القصة، من أفواه أبطالها،
هو كيف تحوَّل هؤلاء المدنيون، إلى فدائيين مدربين على هذا النحو،
بحيث يتعاملون مع الأسلحة والذخائر والقنابل، كما لو كانوا من
المحترفين؟!
وببساطة مدهشة، يجيب الحاج (عبد الحميد): "لقد قمت بتدريبهم، على
استخدام المتفجرات وإلقائها..".
وعندما سألته، أين كان يفعل هذا، وكيف، ابتسم (فضل)، وهو يجيب:
"ربما لن تصدق، ولكننا كنا نتدرَّب على إلقاء القنابل، على شاطئ
البحر، وتحت مسمع وبصر العدو الصهيوني نفسه"..
تُرى هل أدهشك هذا الجواب، وأثار انبهارك أيضاً، كما حدث معي؟!..
الواقع أن الأمر بسيط للغاية، وجرئ للغاية أيضاً، فالحاج (عبد
الحميد) اصطحب أفراد المجموعة إلى شاطئ البحر، وراح يدرِّبهم على
إلقاء الأحجار، بنفس الأسلوب الذي سيتبعونه لإلقاء القنابل،
والعدو الصهيوني يراقبهم في لا مبالاة، باعتبارهم بعض الشبان،
الذين يتقاذفون الأحجار للهو والعبث على الشاطئ..

فكرة عبقرية، وبسيطة، ومبهرة تماماً بحق!!..
لقد ألقى الرجال الأحجار على الشاطئ، وحوَّلوها في عقولهم
وأصابعهم إلى قنابل، ألقوها فيما بعد على رءوس العدو وأهدافه..
ألقوها، ليتحوَّلوا من مدنيين إلى محترفين في مجالهم، بكل معنى
الكلمة..
وكمحترفين، كانت عقولهم تبحث في كل يوم عن أهداف جديدة، تثير غضب
وجنون العدو أكثر وأكثر، على الرغم من ثورته العارمة، عقب كل
عملية، وحملاته المسعورة ضد المواطنين الأبرياء، واعتقالاته التي
تتوقَّف أبداً..
ولكن ذات مرة، اختار الهدف نفسه بنفسه..
فعندما قرَّرت سلطات الاحتلال استبدال البطاقات المصرية في
(العريش)، ببطاقات هوية إسرائيلية خاصة، حدَّدت فترة قصيرة للغاية
لإجراء هذا الاستبدال، وهدَّدت في الوقت ذاته، كل من لا يحمل
بطاقة الهوية الإسرائيلية بالاعتقال، مما أدى إلى تزاحم المواطنين
عند منافذ استخراج تلك البطاقات الجديدة..
ومن بين هؤلاء المواطنين، كان الشيخ (جاد)..
والشيخ (جاد) هذا رجل دين محترم، أبى عليه إيمانه، كما أبت عليه
وطنيته، أن يستسلم للاحتلال الصهيوني، فظلّ يهاجمه في خطبه دوماً،
على منبر صلاة الجمعة، ويدعو للكفاح والجهاد ضده، حتى أثار حفيظة
سلطات الاحتلال وحنقها، وأصبحت تنتظر فرصة لإيذائه، تحت أي مسمى
كان..
وأثناء الازدحام والطوابير، أمام منافذ بطاقات الهوية، تجاوز
الشيخ (جاد) الصفوف، دون أن يعترض على هذا مواطن واحد، لما يكنونه
له من احترام وتبجيل وتقدير، و...
ولكن فجأة انقض جندى إسرائيلى يُدعى (حسون)، على الشيخ (جاد)،
وراح يوسعه ضرباً، بكل ما يملأ نفسه من حقد ومقت وغطرسة.
وهنا، تفجَّر غضب عارم في قلوب ونفوس أفراد المجموعة، واجتمعت
أنظارهم، دون أن يتبادلوا كلمة واحدة، ليتفقوا في صمت على الهدف
التالي..
الهدف البشري.

* * *
الرد باقتباس
  #3  
قديم 12-02-2016, 18:51
الصورة الشخصية لـ احمد ميكى
احمد ميكى احمد ميكى غير متصل
عضو مجتهد
 
تاريخ التسجيل: Mar 2009
مشاركة: 344
احمد ميكى is on a distinguished road
Thumbs up الفصل الثالث : الانفجار..

3 - الانفجار..

عبدالحميد الخليلي

* أكبر حماقة، يمكن أن يرتكبها محتل -أي محتل- هي أن يتعَّرض
بالسوء للرموز الدينية في الأرض المحتلّة..
هذا وحده كفيل بإشعال الغضب في النفوس والقلوب.. والعقول أيضاً،
بحيث تلتهب المشاعر، وتتفجَّر البراكين في العروق، وتمتلئ القلوب
بأنهار من الحماس، الذي قد يدفع المرء للقيام بأي شيء..
أي شيء على الإطلاق..
هذا ما يمكن أن يحدث لأي شخص عادي..
فما بالك بأفراد مجموعة (العريش)، الذين رفضت دماؤهم الحُرّة
الساخنة منذ البداية فكرة الاحتلال البغيض، وأقسمت عقولهم وقلوبهم
وأفواههم على مقاومته حتى آخر رمق..

فمنذ تلك اللحظة، التي رفع فيها الجندي الصهيوني (حسون) يده
القذرة على الشيخ (جاد)، قرَّرت مجموعة العريش أن يكون (حسون) هذا
هو هدف العملية القادمة، والدرس الذي يتم تلقينه للعدو الصهيوني؛
حتى لا يجرؤ على المساس برجال الدين مرة أخرى..
وبمراقبة (حسون) وجد الرجال أن تحركاته روتينية للغاية، فهو يصل
إلى المدينة في موعد ثابت تقريباً، ويضع سيارته في مكان بعينه، ثم
يغادر في ساعة محددة أيضاً..
وفي اليوم المتفق عليه تحرَّك (فضل) في هدوء، ناحية سيارة (حسون)
في نفس اللحظة التي استقر فيها هذا الأخير، ثم، وبسرعة ومهارة،
ألقى قنبلة عليها، وأسرع يبتعد، ويمتزج بالمارة..
وفي الليلة نفسها، وعلى الرغم من تحركات العدو وثورته، تم توزيع
منشور معدٍّ مسبقاً، يؤكِّد أن ما حدث للإسرائيلي (حسون) كان بسبب
اعتدائه على رجل الدين الشيخ (جاد)..
واستوعب العدو الدرس هذه المرة، وأصدر أوامره إلى كل جنوده بعدم
المساس بأي رجل دين أبداً مهما كانت الأسباب..
وكان هذا انتصاراً لمجموعة (العريش)..
انتصاراً ساحقاً بحق..

ولكن العدو بدأ يضاعف من نشاطه أيضاً، ومن أطقم حراسته، ووصل طاقم
أمني جديد من (تل أبيب)؛ ليحاول النجاح فيما فشل فيه الطاقم
السابق، الذي لم يكشف أمر مجموعة (العريش)، أو حتى يقترب من هذا..
وعلى الرغم من علم أفراد المجموعة، بوصول ذلك الطاقم الأمني
الجديد، ومن أن هذا سيعني موجة جديدة من الاعتقالات والاستجوابات،
إلا أنهم قرَّوا القيام بعملية جديدة أكثر قوة وتأثيراً..
وكان الهدف هذه المرة كوبري للسكك الحديدية، في شمال شرق مدينة
(العريش)، يربط شرق الوادي بغربه، ويستخدمه العدو في أعماله
وتنقلاته العسكرية..
ولأن الهدف هام وخطير ومؤثِّر، راح الرجال يتدارسون الأمر طويلاً،
ويراقبون الكوبري، ويترددون على المنطقة؛ لتحديد أفضل نقطة لوضع
العبوة الناسفة، شديدة الانفجار، بحيث تحدث أكبر قدر ممكن من
الأضرار..
وبعد دراسات طويلة، واجتماعات أطول، تم اختيار بداية الكوبري
الشرقية، كنقطة انفجار..
وتحت جنح الظلام، زرع بعض أفراد المجموعة العبوة الناسفة، في
الموضع المتفق عليه، مع موقت زمني، بحيث لا يحدث الانفجار إلا بعد
عودة الجميع إلى منازلهم بالفعل..
وفي الوقت المحدَّد، انفجرت العبوة الناسفة، ونسفت البداية
الشرقية للكوبري، لتتوقَّف الإمدادات التي تمر به تماماً..

وجنّ جنون العدو أكثر وأكثر، وأدرك طاقم الأمن الإسرائيلي الجديد
أنه أمام فريق منظم من الفدائيين، يجد دوماً وسيلة لبلوغ الهدف،
مهما أحيط بوسائل التأمين والحراسة..
ومع غضب طاقم الأمن الجديد وثورته، كثف العدو حملاته التفتيشية،
وداهم المنازل بلا رحمة، واعتقل عشرات المواطنين، وراح يستجوبهم
بمنتهى العنف والشراسة، في نفس الوقت الذي حاصر فيه المدينة
تماماً، ومنع الدخول إليها، أو الخروج منها، حتى ينتهي التفتيش،
وتنتهي الاستجوابات الوحشية.
وكان بعض أفراد المجموعة ممن شملتهم الاعتقالات، ولكن التقارير
كلها أكدَّت أنه قد تم انتزاعهم من فراشهم، لذا فقد تم الإفراج
عنهم، بعد فترة محدودة من الوقت، وعادوا ليجتمعوا برفاقهم،
ويخططوا معاً لهدف جديد، وخطير..
وأما العدو نفسه، فقد بلغ غضبه وسخطه أوجه وذروته؛ إذ أصبحت
إمداداته تنتهي عند محطة قبل الكوبري، لم تكن مجهَّزة كمحطة
(العريش) بمدرجات إنزال للدبابات والمعدات الثقيلة، ولا بوسائل
لشحنها في الاتجاه المضاد، مما أعاق تحركاته لفترة طويلة،
استغرقها لإصلاح الكوبري، وإعادة تشغيله، قبل أن يحيطه بحراسة
مكثفة، ويغمره بأضواء كاشفة قوية، ويمنع الاقتراب منه تماماً..
وتوتر الموقف، كما لم يتوتر من قبل، وتحوَّل طاقم الأمن
الإسرائيلي الجديد إلى مجموعة من الوحوش، الذين اشتعلوا بغضب
الفشل، ونيران العجز عن كشف المسئولين عما يحدث، والإيقاع بهم في
قبضتهم..
وكان من الضروري، والحال هكذا، أن يهدأ أفراد المجموعة قليلاً،
حتى تنزاح الغمة، وتقلّ ثورة غضب العدو..
وكلمة يهدأوا هذه نسبية تماماً؛ فصحيح أنهم قد توقَّفوا بعض
الوقت، عن القيام بعمليات مباشرة، إلا أنهم قد استغلّوا ذلك الوقت
كله، في التخطيط لعملية جديدة، كفيلة بأن يبلغ غضب وجنون العدو
مداه، وأن تبلغ خسارته ذروتها..
واستقر الرأي بالإجماع في هذه المرة على كافتيريا بعينها، كانت
نقطة التقاء للقوات الإسرائيلية، القادمة من (إسرائيل)، في طريقها
إلى الجبهة، والعائدة من الجبهة إلى (إسرائيل)..

تلك الكافتيريا كانت تقع على الطريق الشمالي المؤدي إلى جبهة
القتال، بالقرب من محطة السكك الحديدية في (العريش)..
ولأن الهدف خطير، تطلَّب الأمر دراسة وافية ودقيقة؛ لمعرفة ساعات
الذروة، والأيام المناسبة التي يتجمَّع فيها أكبر عدد من ضباط
وجنود القوات الإسرائيلية، في الكافتيريا..
ولقد استمرت تلك المراقبة أياماً وأياماً، وتناوب أفراد المجموعة
على موقع مواجه للكافتيريا، لرصد ما يحدث، وتحديد أفضل مكان لوضع
العبوة الناسفة..
ولقد اجتمعت الآراء على أن أنسب موضع هو سلة من سلال القمامة،
التي توجد داخل صالة المطعم الزجاجية، والتي أثبتت المراقبة أنه
يتم إفراغها يومياً، في تمام الثانية عشرة ظهراً بالضبط..
أما عن أفضل الأيام، فكان يوم الخميس، وبالتحديد في الفترة بين
الواحدة والثانية ظهراً، عندما يتدفَّق الجنود الإسرائيليون على
المكان، قادمين من الجبهة، ومتجهين لقضاء إجازاتهم الميدانية..
وتم إعداد العبوة الناسفة، وتزويدها بموقِّت زمني، لتنفجر في تمام
الواحدة والنصف ظهراً، وتوجّه بها (عادل الفار)، و(فضل عبد الله)
إلى الكافتيريا، فاتخذ (فضل) مكاناً يجاور سلة القمامة المختارة،
وانتظر حتى تم إفراغها، ثم جاء (عادل)، الذي اعتاد التردُّد على
المكان، بحكم قراءته لعدادات الكهرباء هناك، وتظاهر برؤيته (فضل)
مصادفة، فذهب لتحيته، وألقى ورقة قديمة من يده، داخل صندوق
القمامة، وبعد حوار قصير، بريء المظهر، سمعه الكل في وضوح، غادر
الاثنان المكان، وعادا إلى منزليهما..
وفي تمام الواحدة والنصف، انفجرت القنبلة المختفية داخل تلك
الورقة القديمة، والتي تم حشوها بقطع من الزجاج ومسامير الصلب،
لتنسف السلة، وتدمر القاعة الزجاجية، وتقتل وتصيب العديدين من
أفراد جيش العدو، من جنود وضباط..
وعلى الرغم من أن شهود العيان قد أكَّدوا مصرع خمسة من الجنود
الإسرائيليين، ومجندة واحدة، بالإضافة إلى إصابة العشرات غيرهم،
إلا أن البيان الرسمي للعدو لم يعترف إلا بإصابة ثلاثة من جنوده
فحسب..

الطريف يومها أن أحد الشهود من الإسرائيليين، قد أكَّد أن سيارة
حمراء، من طراز (مرسيدس)، توقَّفت بالقرب من المكان، وألقى قائدها
قنبلة على المكان، قبل أن تنطلق به السيارة بأقصى سرعتها مبتعدة..
وبناءً على هذه الشهادة الزائفة، كثف الإسرائيليون بحثهم عن تلك
المرسيدس الحمراء المزعومة، ومنحوا أوصافها لكل نقاط التفتيش في
الطريق، وانشغلوا بها عن البحث عن أفراد المجموعة، الذين عادوا
إلى منازلهم آمنين، وقد انتشت عروقهم بنشوة نصر، لا تفوقها أية
نشوة أخرى في الوجود..
ولأوَّل مرة، منذ بدأت عملياتهم العسكرية، جمعهم شوق عجيب للقاء
والاجتماع، والاحتفال بنجاح عملية القاعة الزجاجية هذه..
فمع مقتل كل هذا العدد من الإسرائيليين، أدرك الكل أنهم قد
تفوَّقوا بالفعل على العدو، وصاروا أقوى منه، وأكثر قدرة على
تكبيده الخسائر، وتحطيمه بضربات متتالية، يجهل مصدرها ومنبعها
ومنفذيها..
ولقد امتزج كل هذا بقناعة جديدة، بأن العدو الإسرائيلي ليس سوى
أسطورة كاذبة، وأنه لو كان جيشهم قد وجد فرصة عادلة للمواجهة
والقتال في يونيو 1967م لما كانت الهزيمة، ولما كان هذا الاحتلال
الذي يجثم على نفوسهم لسنوات طوال..
وليلتها حلموا جميعاً بالتحرُّر والحرية، وبانتهاء سنوات
الاحتلال، وارتفاع العلم المصري على أرص (سيناء) كلها، وليس على
(العريش) وحدها..

كان الحماس قد تطوَّر، وتفجَّر في القلوب والنفوس، بألف ألف ضعف
لما كان عليه، عندما بدأ كل هذا..
ومع الحماس الزائد، وشعور النصر اللذيذ، الذي يملأ الخلايا، ويجري
في العروق مجرى الدم حتى يتحوَّل إلى نوع من الإدمان الإيجابي
الذي يبث في أعماقك روح التفوّق أكثر وأكثر، قرَّر الرجال أن يكون
الهدف التالي أكثر تأثيراً..
في ذلك الوقت، كانت إحدى المنظمات الفلسطينية قد أعلنت مسئوليتها
عن الحادث؛ لِمَا سبَّبه من أضرار جسيمة، ولما حظي به من شهرة
وانتشار، مما خفَّف الضغط الأمني داخل (العريش)، وسمح لأفراد
المجموعة بالاجتماع مرة أخرى، في منزل قائدهم (عبد الحميد
الخليلي)؛ لدراسة الهدف التالي وتحديده..
وكما يحدث في كل اجتماع تم طرح الأهداف المقترحة للضربة القادمة،
والتي لا بد وأن يكون الهدف منها هو الرد على تصعيدات العدو،
وممارساته الإرهابية القمعية، التي يوجِّهها دوماً نحو المواطنين
الأبرياء، ويسعى بها للسيطرة على مشاعرهم، وبث روح الخوف والهلع
في أعماقهم، حتى لا يجرءوا على مواجهته، أو السعي لتحدّيه أبداً..
ولأن الممارسات القمعية قد بلغت ذروتها بعد عملية (القاعة
الزجاجية)، وما نجم عنها، فكرَّت المجموعة في حتمية مواجهة كل هذا
بضربة قاصمة، في موقع يستحيل أن يتخيله العدو، أو يخطر على باله
لحظة واحدة..
ومع ربط هذا بالفريق الأمني الإسرائيلي الجديد، وممارساته
الوحشية، بدا من الواضح أن المصدر الرئيسي لكل هذه العمليات
القمعية، هو جهاز المخابرات العسكرية الإسرائيلية، الذي يحتل
موقعاً متميِّزاً في (العريش)، يعرف الآن باسم (نُزُل الشباب)..
وهنا أصبح الهدف واضحاً..
مبنى المخابرات الإسرائيلية نفسه..
وانحبست الأنفاس بضع لحظات عندما تم تحديد الهدف على الرغم من أن
أذهانهم جميعاً كانت قد انتخبته، واختارته بدقة قبل حتى أن تفصح
عنه ألسنتهم..
فالهدف كان خطيراً بالفعل، ويستحيل توقَّعه..
على كل المستويات..
ولكن الرجال اعتادوا ألا يتوقفوا طويلاً أمام كلمة (المستحيل)
هذه، لذا فقد انتقلوا على الفور من مرحلة التحديد إلى مرحلة
الإعداد والتنفيذ..
وكما يحدث في كل مرة، بدأت عملية دراسة الموقع، وكشف السبل الآمنة
للوصول إليه، والمسارات المناسبة لبلوغ نقطة زرع القنبلة فيه..
ولأن الهدف عسير وخطير، تم إعداد عبوة ناسفة موقوتة تتناسب مع
طبيعته، والخسائر المنتظر إصابته بها، كما تقرَّر أن يقوم ثلاثة
من أفراد المجموعة بتنفيذ العملية، بحيث يقوم أحدهم بالتسلُّل إلى
الهدف من الناحية البحرية، في حين يتولَّى الآخران عملية التأمين
والمراقبة، وإعداد وسيلة الخروج والابتعاد..
أما بالنسبة للوقت المناسب للقيام بالعملية، فكان منتصف الليل
تقريباً، لكي يتم التسلُّل تحت حجب الظلام..

ولأن العملية تحتاج إلى النشاط وسرعة الحركة، وقع الاختيار
لتنفيذها على (فضل عبد الله)، و(محمد حجاج)، و(عادل الفار)،
باعتبارهم أصغر الأفراد سناً..
وفي هذه المرة، ولحساسية العملية، تم تدريب الأفراد الثلاثة على
القيام بها، ويقول (فضل عبد الله): "درسنا كل شيء، وخططنا لكل
خطوة، وعملنا حسابات كل احتمال، بحيث لا تشرق شمس اليوم التالي،
إلا وقد نسفنا المبنى، مع الغطرسة الإسرائيلية، وأحلام طاقم الأمن
الإسرائيلي الجديد كلها.."..
وعلى الرغم من أن كل شيء قد تم اتباعه كالمعتاد، إلا أن (عبد
الحميد) أصرّ على أن يعيد الأفراد الثلاثة دراسة الهدف ليلاً
ونهاراً، قبل إتمام العملية فعلياً..
وقام الثلاثة بهذا بالفعل..
درسوا الهدف، وراقبوه، وحفظوه عن ظهر قلب، ثم أعلموا قائدهم أنهم
مستعدون للتنفيذ..
وحدَّد (عبد الحميد) اليوم المناسب للتنفيذ، وسلَّم العبوة
الناسفة للشبان الثلاثة، في مساء اليوم نفسه..
ويروي (فضل محمد) ذكريات ذلك اليوم، قائلاً: "اتفقنا نحن الثلاثة،
(عادل) و(حجاج) وأنا، على أن نجتمع في منزل (عادل)، قبل أن نتجه
لتنفيذ العملية، وكان الحماس يملأ نفوسنا بشدة، وكل خلية فينا
تتلهَّف للقيام بالمهمة.. والتقينا في منزل (عادل الفار) بالفعل،
وراجعنا الخطة للمرة الأخيرة، ثم بدأ (عادل) في عملية تمويه
العبوة الناسفة، تمهيداً للخروج بها للتنفيذ، و...
وفجأة، دوى الانفجار..
دوى بمنتهى العنف..
في وجهي مباشرة.

* * *
الرد باقتباس
  #4  
قديم 12-02-2016, 18:53
الصورة الشخصية لـ احمد ميكى
احمد ميكى احمد ميكى غير متصل
عضو مجتهد
 
تاريخ التسجيل: Mar 2009
مشاركة: 344
احمد ميكى is on a distinguished road
Thumbs up الفصل الرابع : وطننا عيوننا..

4 - وطننا عيوننا..

سعد عبد الحميد جلبانة

* عبر تاريخ الحروب السرية كله لم تخْلُ عملية منظمة واحدة من
الخطر.. ومن الخطأ أيضاً..
وكلما تعدَّدت العمليات وتكرَّرت، وازدادت صعوبة وتعقيداً تضاعفت
احتمالات الخطر أكثر وأكثر، وتضاعفت معها احتمالات حدوث الأخطاء
غير المقصودة..
وفي عمليتنا هذه، أتى الخطأ على شكل انفجار..
ولا أحد يمكنه الجزم حتى هذه اللحظة بطبيعة الخطأ الذي أدّى إلى
انفجار القنبلة قبل الموعد المحدَّد لها، فربما يكمن في تركيبها،
أو مكوناتها، أو في التعامل معها أثناء محاولة تمويهها..
المهم أنها قد انفجرت في وجوه منفذي العملية الثلاثة: (فضل)،
و(حجاج)، (وعادل) في منزل هذا الأخير..
ويروي (فضل) ذكرياته عن هذا الموقف الرهيب، فيقول: "إنه قد استعاد
وعيه في مستشفى (العريش) العام، قبل أن يتم نقله إلى مستشفى (دار
الشفاء) في (غزة)، حيث أجريت له الإسعافات الأوَّلية، ووضع تحت
حراسة مشدَّدة من القوات الإسرائيلية، ومُنِعَ اتصاله بأي مخلوق
في ظلّ تلك الحراسة..

كانت عيناه مغطّاتان بالضمادات، وآلام رهيبة تنتشر فيهما، على
الرغم من الأدوية والمسكنات، إلا أن كل ما كان يشغل باله هو مصير
زميليه (محمد حجاج) و(عادل الفار)..
كان يتمنى من كل قلبه أن يكونا قد نجيا من الانفجار، حتى ولو تم
وضعهما تحت حراسة إسرائيلية مشدَّدة مثله..
وهذا ما أخبره به القائمون على التحقيق بالفعل.
.
لقد أخبروه أن زميليه يعالجان في حجرتين أخريين بالمستشفى نفسه،
وأن أحدهما، وهو (عادل الفار) بالتحديد، قد أدلى باعترافات
تفصيلية، اتهمه فيها هو و(حجاج)، بالاشتراك معه في إعداد القنبلة؛
تمهيداً للقيام بهجمة فدائية على هدف ما..
ولقد أبدى (فضل) دهشته من هذا القول، وأصر على أنه لا يعرف شيئاً
عما قاله (عادل)، وأنكر، بل واستنكر تماماً كل الاتهامات المنسوبة
إليه.. في الوقت نفسه، كان قائد المجموعة (عبد الحميد الخليلي)
يسعى بكل طاقته؛ لإيجاد وسيلة للاتصال بالمناضل (فضل) في محبسه
بالمستشفى في أسرع وقت ممكن؛ لإبلاغه بخبر بالغ الأهمية
والخطورة..
لقد استشهد (عادل محمد الفار) في الثامن عشر من مايو عام 1972م،
وهو تاريخ الليلة التي انفجرت فيها القنبلة في وجوههم..
ويقول (عبد الحميد) عن هذا الموقف: "سقوط الثلاثة كان يعني أن
المجموعة قد فقدت خمسين في المائة من طاقتها البشرية دفعة واحدة،
وكنت واثقاً من أن الإسرائيليين سيحاولون إيهام (فضل) و(حجاج) بأن
(عادل) ما زال على قيد الحياة، حتى يستدرجوهما للبوح بما لديهما
من أسرار، لذا كان من المحتّم أن يعرف (فضل) و(حجاج) باستشهاد
(عادل)، حتى يمكنهما السيطرة على مجريات التحقيق، وإلقاء التهمة
كلها على (عادل)؛ باعتبار أن الانفجار قد حدث في منزله، وبحجة أن
كليهما لا يعلم شيئاً عن الأمر.. كانت هذه هي الوسيلة الوحيدة
لتجاوز الأمر دون أن ينهار التنظيم كله"..
ومن الواضح أن (عبد الحميد) قد بذل مع زميليه (سعد) و(رشاد) جهداً
مضنياً بحق؛ إذ إنهم قد نجحوا في النهاية في توصيل المعلومة إلى
(فضل) في الوقت المناسب تماماً..
وعلى الرغم من حزنه العميق على استشهاد زميل كفاحه، إلا أن (فضل)
كتم دموعه في أعماقه، وفي عينيه المصابتين، وواصل تظاهره بأنه لا
يعلم شيئاً عن مصرع (عادل الفار)، ثم راح ينسج القصة في حزم
وإصرار، ويطلب مواجهته بالشهيد (عادل) نفسه؛ ليؤكِّد قصته..
ومن ناحيته نجح (فضل) في إبلاغ (حجاج) باستشهاد (عادل) من خلال
طبيب تخدير في مستشفى (غزة) يعرفه معرفة قديمة مسبقة، ويثق به ثقة
كبيرة..
وعن طريق ذلك الطبيب علم (حجاج) بالأمر، واتفق مع (فضل) على قصة
ثابتة، يواجهان بها المحققين بمنتهى الحزم والإصرار..
قصة تقول: إن (حجاج) قد التقى بزميله (فضل) و(عادل) اللذين التقيا
مصادفة، قبل هذا بنصف الساعة فحسب، وأصرّ (عادل) على استضافتهما
في منزله، وعندما استقر بهما المقام هناك كان (عادل) يحمل لفة ما
يجهلان محتواها تماماً، وأن هذه اللفة قد انفجرت فجأة، فأصابهما
ما أصابهما..
وواصل الاثنان ترديد قصمتهما تلك طوال الوقت، وأكَّدا أن (عادل)
هو المسئول عما حدث، باعتبار أنهما كانا في منزله، وأصرَّا على
مواجهته؛ لتأكيد قصتهما، مما أوقع المحققين في حيرة شديدة، خاصة
وهم يعلمون أن المواجهة مستحيلة، ويجهلون تماماً أن الاثنين على
علم باستشهاد (عادل الفار)..
وعندما ضاق الأمر بالمحققين، بدءوا في استخدام سلاح حقير قذر..
عيون البطلين..
لقد أخبروهما بأن بصرهما سيضيع إلى الأبد، ما لم تنَل عيونهما
العلاج المناسب في الوقت المناسب..
وكان ثمن تلقى العلاج، وإنقاذ البصر والعيون، هو الاعتراف
بالطبع.. الاعتراف الشامل الكامل، الكفيل بإيقاع باقي أفراد
المجموعة، وحرمان الوطن من خدماتهم، في تلك المرحلة الحرجة..
وكجزء من الضغوط الحقيرة، تم نقلهما من المستشفى إلى سجن الرملة،
وحالتهم تسوء كل يوم.. بل كل ساعة، والضغط يتواصل.. ويتواصل..
ويتواصل..
وحضر إلى السجن بعض الأطباء، الذين ادعوا أنهم من كبار
الإخصائيين، في هذا المجال، وأكَّدوا أن العلاج ممكن، وعودة
الإبصار ممكنة، بشرط أن يعترفا..
وكان على (فضل) و(حجاج) أن يختارا..
ويا له من اختيار!!..
عيونهما وإبصارهما مقابل خيانة الوطن، أو ظلام أبدي لا ينتهي
ثمناً للإخلاص والوفاء..
ودون أن يلتقيا، اتخذ البطلان قراراً واحداً..
قرار لا يمكن أن يتخذه سوى أبطال حقيقيين..
قرار يقول: لن نشتري عيوننا بخيانة الوطن..
وطننا عيوننا، ولن نبصر سواه ما حيينا..
ومع مرور الوقت، وبعد ستة أشهر، لم يتلقيا خلالها سوى بعض العلاج
الموضعي من مراهم الكورتيزون -بناءً على أوامر المخابرات
الإسرائيلية- تم الإفراج عن (فضل) و(حجاج) صحياً؛ لعدم ثبوت أية
اتهامات عليهما..
وامتزجت فرحة باقي أفراد المجموعة بالكثير من الحذر والقلق..
الحذر؛ لأنهم يعلمون أن الإفراج في واقعة مجرَّد خدعة، لمراقبة
الرجلين، وتحديد صداقاتهما واتصالاتهما، كوسيلة للإيقاع
بالباقين.. والقلق العارم على مصير عيونهما، التي عانت الكثير
والكثير، في ظلّ احتلال بغيض..

في تلك الفترة كان أفراد المجموعة يتعرضون لضغوط عنيفة،
واستدعاءات وتحقيقات مستمرة، من قبل المخابرات الإسرائيلية،
ولكنهم صمدوا، وثابروا، وصبروا حتى أن العدو لم يجد لمحة واحدة
تدينهم..
وعلى الرغم من تلك الضغوط، ومن حصار العدو المستمر لهم، كان من
المحتم أن يتواصل عمل المجموعة؛ للتغطية على المعتقلين، وتخفيفاً
للضغوط العنيفة عليهما، لذا فقد تواصل إصدار المنشورات، والقيام
بعمليات ضد أهداف العدو، في نفس الوقت الذي تم فيه ترتيب زيارة
عاجلة لقائد المجموعة (عبد الحميد الخليلي) إلى (القاهرة)..
وهناك في (القاهرة)، وفي دفء جهاز المخابرات الحربية، قدَّم (عبد
الحميد) تقريره عما حدث، وأوضح موقف المجموعة، بعد خسارة ثلاثة من
أفضل عناصرها، قبل أن يتم اتخاذ قرار عاجل وهام للغاية..
ضرورة إحضار (فضل) و(حجاج) إلى (القاهرة)، بأقصى سرعة ممكنة،
لعرضهما على كبار الإخصائيين، وبذل كافة الجهود لعلاجهما وإنقاذ
بصرهما..
وعلى الرغم من صعوبة نقل رجلين، تحت مراقبة المخابرات الإسرائيلية
مباشرة، إلا أن المخابرات الحربية المصرية أدارت اللعبة على أكمل
وجه ممكن، بحيث لم يدرج أسماء الرجلين، في كشوف الصليب الأحمر،
إلا قبيل موعد السفر بيوم واحد، على الرغم من أن القواعد كانت
تحتم أيامها أن يتم عرض الأسماء كلها قبل أسبوعين على الأقل؛
لمراجعتها، وإصدار الموافقات، أو أوامر المنع بشأنها..
وسافر (فضل) و(حجاج) إلى (القاهرة)، قبل أن تستوعب المخابرات
الإسرائيلية الموقف، أو تجد وسيلة للتصرُّف..
وفي (القاهرة)، وفور وصلهما، تم عرض الرجلين على كبار الأطباء
والإخصائيين، في طب وجراحة العيون، وأجريت لهم كل الفحوص
والدراسات اللازمة، قبل أن تجمع التقارير النهائية على أمر مؤسف
للغاية..
العلاج بالكورتيزون لستة أشهر كاملة، أصاب عيونهما بأضرار بالغة،
وأدّى إلى ضمور العصب البصري، وفقدان الإبصار..
نهائياً..
وعلى الرغم من صعوبة الخبر ومرارته، استقبله الرجلان بصبر وصلابة،
وأعلنا معاً الأمر نفسه، دون اتفاق مسبق..
وطننا عيوننا، وإيماننا بصرنا، ونحتسب ما أصابنا لوجه الله
(سبحانه وتعالى)، ونصرة الوطن فحسب..
يا له من موقف!..
ويا لها من كلمات!..
وتحت رعاية وعناية المخابرات الحربية المصرية، استكمل البطلان
علاجهما من باقي إصاباتهما، وصحَّح الأطباء المصريون بعض
العمليات، التي أجريت لهما بوساطة أطباء العدو، ثم انخرطا في
الحياة المدنية، وقدَّمت لهما أجهزة الدولة كل المساعدات الممكنة،
وواصل (فضل) شق طريقه في الحياة، بكل الإيمان والحزم، فأكمل
دراسته، حتى حصل على ليسانس الآداب بتقدير جيِّد فيما بعد..

عبد الحميد الخليلى

أما قائد المجموعة (عبد الحميد)، فقبل أن يعود من (القاهرة)، كان
قد حصل على خطة العمل في المرحلة القادمة، وتحدَّدت له الأهداف
والأولويات، وطرق الاتصال والتحرُّك، وخصوصاً عندما تحين ساعة
الصفر، ويصبح للمجموعة دورها القوي الفعَّال في تحقيق النصر وقهر
المستحيل!..
وعاد (عبد الحميد) إلى (العريش)، وهو يحمل حماساً بلا حدود في
أعماقه، استشفه رفيقاه في وضوح، عندما اجتمع بهما، وراح يخبرهما
بما لديه، وإن دفعه حذره الفطري إلى الاحتفاظ لنفسه ببعض
التفاصيل، التي بدت له من الخطورة بحيث لا ينبغي أن يعلم بها
سواه..
ومن بين هذه التفاصيل عبارة أخبره بها ضابط المخابرات المسئول عن
العملية قبيل انصرافه مباشرة: "في أية لحظة، سيأتيك من يخبرك أنه
يحمل رسالة من (أبي ياسر)، وسيعني هذا أنه من طرفنا، وأنه يحمل
إليك بعض الأشياء الهامة جداً"..
وحدد (عبد الحميد) لرفيقيه أهداف المرحلة القادمة، التي تتجه إلى
زيادة عدد أفراد المجموعة، والتوسَّع في جمع المعلومات، عن طرق
وتحرُّكات العدو في (سيناء) بأكملها..
ودون أن يفصح أحدهم عما يدور في أعماقه، أدرك ثلاثتهم أن ساعة
الصفر تقترب، وأن حلم التحرير قد دنا من شاطئ الحقيقة..
وبكل الحماس، الذي أطلقته الفكرة في أعماقهم، انطلقوا لتنفيذ تلك
الأهداف الجديدة..
في البداية وقع اختيارهم على (عدنان شهاب)؛ بحكم صلاته المتعدِّدة
بعائلات المدينة، وبعشائر وقبائل بدو (سيناء)..

تم اختيار (عدنان) بإجماع الآراء، وبثقة أثبت أنه أهل لها، عندما
أدّى دوره بمهارة وإيمان وإتقان واقتدار في كل ما طُلب منه، حتى
أن المجموعة قد فوّضته في اختيار العناصر التي تعاونه على أداء
مهمته على خير وجه، ممن يثق فيهم، وفي وطنيتهم وأدائهم..
ولكن بشرط واحد..
ألا يعلموا شيئاً عن باقي أفراد المجموعة..
وفي هذا أيضاً أدّى (عدنان) دوره بنجاح يستحقُّ الإعجاب، واستقطب
بعض العناصر الوطنية من خيرة أبناء المدينة، مثل الصيدلى (محمود
أحمد حمودة الأزعر)، و(جمال مسلم حسونة)، والحاج (محمود مصطفى
العزازي)..
وبكل براعة وإخلاص قدَّم هؤلاء الرجال العديد من الخدمات
والمعلومات عن العدو، وعن تحركاته وتنقلاته في قلب (سيناء)، مما
كان له أكبر الأثر في استكمال الصورة، والتعامل مع العدو في
اللحظات الحاسمة..
في تلك الفترة، وحتى عودة (عبد الحميد) من (القاهرة) في المرة
الثانية كانت المجموعة تعتمد في اتصالاتها على جهاز إرسال لاسلكي
يعمل بالبطارية، ويحتاج إلى تكلفة تشغيل مرتفعة، ويعاني من كثير
من الأعطال، كما كانت تفتقر إلى التمويل المادي اللازم بعد أن رفض
أفرادها -وبمنتهى الإصرار- تقاضي أية أموال من جهاز المخابرات أو
حتى من المسئولين، واعتمدت في تمويلها على تبرعات واشتراكات
أعضائها، ومساهماتهم المتواضعة المستمرة، حتى أن (فضل) الذي كان
طالباً أيامها أصرّ على دفع اشتراكه ونصيبه من التمويل، من مصروفه
الشخصي حتى ولو قضى الشهر كله مفلساً..
كانوا جميعاً صورة مشرِّفة للكفاح والنضال والجهاد في سبيل الله
(سبحانه وتعالى) والوطن..
ولأنهم يرفضون تقاضي أية أموال سائلة طلب قائد المجموعة من
المخابرات تزويدهم بجهاز لاسلكي آخر يعمل بالكهرباء، وعدد من
أقلام التفجير الموقوتة، وبعض المواد الناسفة القوية؛ للقيام
بالعمليات اللازمة في المرحلة التالية..
ولأنه يعلم أن المخابرات ستزوِّده حتماً بكل ما طلب في أسرع وقت
ممكن راح (عبد الحميد) ينتظر وصول الرسالة، في نفس الوقت الذي راح
فيه ومجموعته يواصلون كتابة وطباعة وتوزيع المنشورات القوية، التي
تبشِّر المواطنين بقرب ساعة النصر والتحرير، وتكشف أمامهم أساليب
العدو في الوقيعة بينهم، وتؤكِّد لهم أن الاحتلال أمر مؤقَّت، لن
يدوم أبداً، وأن (سيناء) ستعود كلها حتماً إلى (مصر)، عندما يهبّ
جيشها ليثبت جدارته، ويؤكِّد وجوده، ويرفع راية النصر عالية
خفَّاقة..
في الوقت نفسه قامت المجموعة ببعض الهجمات على سلطات الاحتلال،
رافعة شعاراً قوياً في مواجهة العدو..
شعار يقول: "إما الانسحاب، أو الهزيمة والاندحار"..
ووسط كل هذا، وبينما يواصل عمله الحكومي في بلدية (العريش)، وجد
(عبد الحميد) مواطناً يتقدَّم إليه؛ لإنهاء بعض الأعمال الخاصة
برسوم المياه والكهرباء، ويطلب توصيل الكهرباء إلى منزله الجديد..
وعلى الرغم من أن الأمر يحتاج إلى دقائق قليلة فحسب لإنجازه لاحظ
(عبد الحميد) أن المواطن يتلكأ على نحو ملحوظ ولكنه لم يتدخل
وتركه على راحته حتى خلا المكتب تماماً، وعندئذ مال المواطن نحوه،
وهو يقول: "لدي رسالة من (أبي ياسر).. رسالة هامة، أرجو تحديد
موعد ومكان استلامها"..
وبكل دهشة الدنيا، حدَّق (عبد الحميد) في وجه ذلك المواطن..
لقد كان يتوقع بالطبع وصول رسول من قبل المخابرات الحربية يحمل
كلمة السر المتفق عليها مع الرسالة، ولكنه وعلى الرغم من ثقته
التامة في كفاءة المخابرات المصرية لم يتصوَّر لحظة أن تبلغ
البراعة هذا الحد المدهش..
فالرسول الذي حمل الرسالة من (القاهرة) كان الحاج (صبّاح حمدي
يعقوب الكاشف)، الذي شارف الستين من العمر -آنذاك- والذي يحمل
وجهاً ملائكياً هادئاً، بشعره الأشيب، ولحيته البيضاء الكثيفة..
وتسلَّم (عبد الحميد) الرسالة من الحاج (صبّاح)، وكانت تحوي جهاز
اتصال لاسلكي جديد يعمل بالكهرباء، وعدد من أقلام التوقيت،
ومجموعة من المواد الناسفة، المموَّهة بأشكال مختلفة..
وفي الوقت نفسه عرض عليه الحاج (صبّاح) التعاون في أية مهمة تُسند
إليه، وأبدى استعداده التام للتضحية بكل غالٍ ونفيس، وبذل كل ثمين
وعظيم، حتى الحياة نفسها إذا ما اقتضى الأمر في سبيل الله
والوطن..
كان الرجل، على الرغم من كبر سنه قوياً حازماً، يمتلك عزة نفس،
وإباء، ورغبة حقيقية في العمل والكفاح من أجل إنهاء الاحتلال،
واستعادة (سيناء) لحريتها وانتمائها..
ومن أعمق أعماقه شعر (عبد الحميد) بمنتهى التقدير والاحترام للحاج
(صباح)، ولكنه أشفق عليه في الوقت ذاته من أن يواجه ما يواجهونه
من خطر، أو يتكبَّد ما يتكبدونه من جهد وعناء وشقاء بلا حدود..
وبكل ما يحمله له صافح (عبد الحميد) الحاج (صبّاح الكشاف)، وشكره
على عرضه الكريم، ومبادرته الطيبة، وأخبره أنه يدخره لوقت الحاجة،
وأن دوره العظيم في نقل مثل هذه الرسائل من (القاهرة) لا يقل
أهمية وخطورة عما تقوم به المجموعة كلها من جهد..
وعن طريق الحاج (صبّاح) توالت الرسائل من (القاهرة)، وكان الرجل
-على الرغم من كبر سنه، وضعف قوته- يتميَّز دوماً خلال عمليات
التسليم والتسلُّم بالروح العالية، والثقة المفرطة، والشجاعة
والإقدام، مع حرص دائم وذكي على سرية الأمر، ودقة القيام بعمليات
المناورة والتمويه..
باختصار، كان يستحق -وعن جدارة- ذلك اللقب الذي وصفته به يوماً
عندما تحدَّثت عن المجموعة على شاشة التليفزيون..
لقب (عمر المختار) مصر..
المهم أن الرسائل قد توالت، وتوالت معها عمليات المجموعة، التي
كبَّدت العدو خسائر جسيمة في الأرواح والمعدات، ومنشوراتها التي
راحت تبث روح الحماسة في قلوب المواطنين، وروح اليأس في قلوب
الأعداء..
وطوال الوقت راح جهاز الاتصال اللاسلكي الكهربي الجديد يبثّ
المعلومات، ويستقبل التعليمات والرسائل من (القاهرة) في الأوقات
المخصصة والمحدَّدة لهذا..
ثم وصلت رسالة هامة من (القاهرة)..

رسالة تطلب من المجموعة كلها بذل المزيد من الجهد والنشاط بكل
فروعها؛ لرصد أية تحركات غير طبيعية للعدو في المنطقة، وإبلاغها
إلى (القاهرة) أوَّلاً بأوَّل..
كانت قوات العدو أيامها تقوم بمناورات وتدريبات شبه روتينية، ولم
ترصد المجموعة أية تحركات غير طبيعية، ولكنها أبلغت (القاهرة)
بهذا باعتباره توضيحاً للأمور والموقف..
وجاء الرد من (القاهرة) بضرورة متابعة العمل نفسه، ومواصلة عمليات
الرصد والمراقبة، وإيقاف كل العمليات والأنشطة الأخرى من كتابة
وطباعة وتوزيع المنشورات في المدينة إلى عمليات إعداد واستخدام
المتفجرات ومهاجمة أهداف العدو..
كان المطلوب إذن هو التفرُّغ التام لمهمة الرصد والمراقبة وحدها..
وشعر الكل أن هذا يعني الكثير..
والكثير جداً..
هناك حتماً تطوّر ما في الأمور..
تطوّر هام..
وخطير..
إلى أقصى حد..
ثم تأكَّد هذا الشعور الذي راودهم جميعاً مع وصول الرسالة
اللاسلكية التالية، والتي كانت تعني حدوث تطوّر أكثر خطورة..
أكثر بكثير..
جداً..

* * *
الرد باقتباس
  #5  
قديم 12-02-2016, 18:56
الصورة الشخصية لـ احمد ميكى
احمد ميكى احمد ميكى غير متصل
عضو مجتهد
 
تاريخ التسجيل: Mar 2009
مشاركة: 344
احمد ميكى is on a distinguished road
Thumbs up الفصل الخامس : وبدأت المعركة..

5 - وبدأت المعركة..
* فجأة وعبر جهاز الاتصال الكهربي الجديد، وصلت إلى مجموعة
(العريش) رسالة لاسلكية عاجلة وخطيرة..
خطيرة جداً..

رسالة تبلغهم أن استقبال رسائلهم في (القاهرة)، مفتوح طوال الأربع
والعشرين ساعة يومياً، لأجل غير محدود..
وفجرَّت تلك الرسالة حماساً منقطع النظير في نفوس الجميع بلا
استثناء، وأكَّدت لهم ما شعروا به من الرسالة السابقة أيضاً..
لقد اقتربت ساعة الحسم..
وساعة النصر..
وانطلق الجميع يعملون بنشاط جم، وحماس لا مثيل له، منذ وُلِدَتْ
مجموعة (العريش) وفروعها..
الكل راح يكثّف المراقبة الدقيقة لمختلف المحاور، التي تتحرَّك
عليها قوات العدو في (سيناء)، وتم وضع نظام دقيق للرصد والمتابعة،
نفذته المجموعة بتفوق واقتدار غير مسبوقين، وبأطنان من الجهد
والعرق، حتى أن مجموعة (عدنان الشهابي) كانت تعمل طوال الأربع
والعشرين ساعة بلا انقطاع تقريباً..
طاقة هائلة، تلك التي تفجَّرت في العروق والعقول، وخفقت مع
القلوب، لتدفع الأجساد إلى العمل بلا توقّف، مع شعور الأفراد بقرب
الحسم والمواجهة..
ولقد صدقت توقعات الجميع، وآن أوان لعب حرب التحرير يوم السبت
السادس من أكتوبر 1973م..
وفي ذلك اليوم، وصلت الرسالة المنتظرة من (القاهرة)..
"إلى الحاج (منتصر).. نحن في انتظاركم.."
كان هذا هو الاسم الحركي للمجموعة، والذي يرتبط بكلمة النصر، شعار
المرحلة الحاسمة، ويعني مع الرسالة البدء في توجيه ضربات قوية،
إلى أهداف تم تحديدها مسبقاً، ومنح كل منها اسماً حركياً.. ومع
وصول الرسالة قفز الحماس إلى ذروته، وتفجَّر النشاط في العروق،
واستقبل الرجال بفورة من اللهب الرسالة التالية..
"إلى الحاج (منتصر).. نفذ (شلبي)"..
وكان هذا يعني توجه أول ضربة، إلى كوبري السكة الحديد، كما تم
الاتفاق عليه وتحديده من قبل..

عبد الحميد الخليلى

ووفقاً للنظام المتبع، التقى أفراد المجموعة في المكان المخصص
لاجتماعاتهم، وتعانقوا في فرح وسعادة، ثم قام (عبد الحميد)، قائد
المجموعة بتجهيز العبوة الناسفة المناسبة للهدف، وتم تحديد ساعة
التنفيذ وموعد التفجير، ثم اختار (عبد الحميد) للمهمة اثنين من
أكفأ رجال التنظيم، مساعده الأوَّل (سعد)، و(رشاد حجاب)، الذي
يتسم بالإقدام والجرأة، وسرعة وخفة الحركة..
وتم تنفيذ المهمة، على الرغم من الحراسة المشدَّدة، التي أحاط بها
العدو الكوبري في ظلّ ظروف الحرب، وقيام المجموعة نفسها بمهاجمته
من قبل..
وفي الموعد المحدَّد تماماً، انفجرت العبوة الناسفة، ودمَّرت
تماماً الطرف الشرقي للكوبري؛ لتعزل إمدادات العدو عن محطة السكة
الحديد، المزوَّدة بوسائل نقل وشحن الأسلحة والمعدات إلى جبهة
القتال..
واضطر العدو إلى نقل حركته إلى محطة (الأبطال)، مما كلفه جهداً
ووقتاً مضاعفين، باعتبارها غير مجهَّزة لمثل هذه الأمور..
وكلنا نعلم كم تساوي الدقائق في زمن القتال، فما بالك بالساعات،
وبحالة التوتر والعصبية التي أصابت العدو، ودفعته إلى وضع حراسة
مكثفة على طول خط السكة الحديد من (العريش) إلى (إسرائيل)، مما
كان يعني خسارة رهيبة للعدو، الذي يعاني دوماً من نقص عدد
الأفراد، ويفتقر في قتاله إلى العنصر البشري..

ومع نداء آخر، ورسالة لاسلكية تالية، قامت المجموعة بتدمير كابل
الاتصالات الرئيسي الذي يربط مركز التنصت والقيادة الإسرائيلية في
(العريش) بداخل (إسرائيل) مباشرة، ولقد تم تدميره في موضعين
مختلفين، وبفارق زمني ساعة واحدة، بحيث حدث الانفجار الثاني أثناء
محاولة العدو لإصلاح ما دمره الانفجار الأوَّل..
ثم تم توجيه ضربة قوية إلى محول الكهرباء الرئيسي الذي يغذي قوات
ومعسكرات العدو في منطقة (الريسة) شرق (العريش)، وبعدها ضربة أخرى
في منطقة محطة (الأبطال)..
وكان (سعد عبد الحميد محمود) هو القاسم المشترك في كل العمليات،
هذا بالإضافة إلى دوره الأساسي في كل ما يتعلَّق بالمجموعة، فهو
الذي قدَّم مقراً لتخزين مستلزمات العمل، من متفجرات وأدوات
طباعة، وكل ما يتعلَّق بهما، وصفاته الشخصية، التي جعلت قائد
التنظيم يعتبره مساعده الأوَّل، ويعتمد عليه في كل الأمور بالغة
الأهمية والخطورة..

سعد عبد الحميد جلبانة

وطوال الوقت، ومع تطوّر الأحداث لم تتوقَّف النداءات الكودية
والشفرية المتفق عليها، سواء عبر جهاز الاتصال اللاسلكي، أو شبكة
الإذاعة، إلى (الحاج منتصر)، أو (عبد الودود عبد الصمد)، أو (أبو
محمد)، أو (أبو أماني)، وكلها أسماء حركية لرئيس المجموعة، حيث
تطالبه الرسائل والنداءات بالمزيد من المعلومات، أو بتدمير أهداف
جديدة..
ولأن الرسائل تتوالى بلا انقطاع، طرح (عبد الحميد) الحذر جانباً،
ووضع مقعداً إلى جوار الراديو، وراح يتابع الاتصالات بلا نوم أو
راحة، حتى شعر باقي أفراد المجموعة بالإشفاق عليه، وطالبوه
بالإفطار في شهر رمضان، إلا أنه رفض في إصرار، وواصل مهمته على
أكمل وجه دون كلل أو ملل..
ومن الأحداث التي يذكرها (عبد الحميد الخليلي) عن تلك الفترة أن
والده الذي كان يبلغ السبعين من عمره تقريباً آنذاك لم يكن قد
تصارح مع ابنه أبداً بشأن ما يحدث، إلا أن قلب الأب الذي ينبض في
صدره كان يشعر بما يحدث، لذا فعندما تضاعف الجهد على (عبد
الحميد)، وغفت عيناه إلى جوار الراديو، كان يستيقظ ليجد والده إلى
جواره يبلغه بما تردَّد عبر الراديو، مدعياً أنه لا يفهم ما
يحدث..
ولكنهما لم يتواجها قط..
في تلك الفترة على الأقل..

ومع التطوّر السريع للأحداث تضاعف حماس ونشاط أفراد المجموعة، وإن
حملت أعماقهم بعض الخوف على هذه الانتصارات المتوالية، مما دفعهم
إلى المزيد والمزيد من الجهد والعمل المضاعف..
وأثناء المعارك، رصدت المجموعة رتلاً من المجنزرات والمدرّعات،
والدبَّابات الثقيلة، تتحرَّك ليلاً في اتجاهين.. بعضها نحو
المحور الأوسط، والبعض الآخر نحو المحور الشمالي..
وعلى الفور، وعبر جهاز الاتصال اللاسلكي تم إبلاغ هذه المعلومة
إلى (القاهرة)..
ولأن المعلومة قد وصلت في الوقت المناسب، تمكَّنت القوات المصرية
من القضاء على لواء مدرَّع بالكامل، وأسر قائده (عساف ياجوري)..
ثم كان التدخَّل الأمريكي..
فذات صباح، وبينما المعارك محتدمة ومستمرّة، استيقظ سكان (العريش)
على دويّ كالرعد في السماء، مع ضباب كثيف من ناحية البحر، مما دفع
مجموعة (العريش) إلى السعي لرصد منطقة الساحل بسرعة فائقة..
وهناك بدت الطائرات الأمريكية ذات اللون الأبيض واضحة جلية،
وبعضها يتجه من البحر إلى مطار (العريش)، في حين ينطلق البعض
الآخر إلى جبهة القتال مباشرة..
ولأوَّل مرة بدأ القلق يتسلَّل إلى أفراد المجموعة..
القلق الشديد..
فذلك اللون الأبيض يميِّز طائرات البحرية الأمريكية، التي اشتركت
مباشرة في المعركة..
ومن منطقة (رمانة) وصلت معلومات أخرى بوصول طائرات من البحر تقوم
بإنزال الجنود الذين يتم نقلهم فوراً بوساطة عربات عسكرية
إسرائيلية إلى جبهة القتال مباشرة..
(أمريكا) لم تكتفِ إذن بإرسال الطائرات والأسلحة والمعدات إلى
(إسرائيل) عبر جسر جويّ لا ينقطع، وإنما دفعت جنودها وطياريها
أيضاً إلى جبهة القتال مباشرة..
(مصر) إذن لم تعُدْ تُحارب (إسرائيل) وحدها..
لقد أصبحت تحارب الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً..
وبسرعة قام (عبد الحميد) بتشفير هذه المعلومات، وإرسالها فوراً
إلى (القاهرة)..
وفي (القاهرة)، أدركت المخابرات الحربية أن تلك الطائرات ذات
اللون الأبيض تتبع الأسطول السادس الأمريكي وحاملات طائراته
مباشرة..
وتأكيداً للمعلومات الواردة من المجموعة، انطلقت طائرتا استطلاع
إلى المنطقة، وعادتا تحملان تأكيداً حاسماً قاطعاً إلى القيادة
السياسية والعسكرية، لتتخذ قراراتها المناسبة في هذا الشأن..
وحتى الثاني والعشرين من أكتوبر، عندما صدر قرار وقف إطلاق النار،
لم تتوقف مجموعة (العريش) عن إرسال المعلومات، ورصد تحركات العدو،
والقيام بالعمليات الفدائية، التي تؤرقه، وتعيق حركته طوال
الوقت..
وبعد وقف إطلاق النار وصلت رسالة لاسلكية من (القاهرة) تطالب
المجموعة بإيقاف نشاطها، والتزام الحيطة والحذر خلال المرحلة
القادمة..
والتزمت المجموعة بأوامر (القاهرة) على الرغم من خرق وقف إطلاق
النار المستمر، وتحركات العدو التي لا تتوقَّف على المحور الشمالي
والأوسط للجبهة..
وفي الثامن من نوفمبر 1973م، رصد بعض أفراد المجموعة أعداداً ضخمة
من الدبابات والمجنزرات، ومختلف المعدات والآليات الثقيلة تتحرَّك
نحو الجبهة مباشرة..
وهنا قرَّرت المجموعة تجاوز الأوامر الصادرة من (القاهرة)، وإجراء
اتصال لاسلكي، لإبلاغ هذه المعلومات الخطيرة فوراً..
وتوجه أفراد المجموعة إلى نقطة الاتصال، الكائنة في منزل والدة
(سعد)؛ وراحوا يعدون المعلومات، التي يقوم (عبد الحميد) بتشفيرها،
تمهيداً لإرسالها إلى (القاهرة)، و...
وفجأة، اقتحمت قوات العدو الإسرائيلي المكان، وارتفعت فوهات
مدافعهم الآلية، في شراسة متحفزة، نحو أفراد المجموعة..
ولم يكن هناك مجال للإنكار، أو لنسج قصة وهمية؛ فالإسرائيليون
اقتحموا الحجرة، وبها جهاز اللاسلكي، والمعلومات المشفَّرة، وغير
المشفَّرة، وأفراد المجموعة..
وتم إلقاء القبض على الجميع، وانطلق ضباط المخابرات الإسرائيلية
يفتشون الحجرة والمنزل كله في شراسة ما بعدها شراسة..
كان هناك جيش كامل، من الجنود والضباط الإسرائيليين يحيط بالمنزل
في تحفُّز كامل، كما لو أنهم يلقون القبض على كتيبة كاملة من
الفدائيين، وليس على عدد محدود من الأفراد..
وفي المنزل عثروا على مجموعة من أقلام التوقيت، أثارت رجال
المخابرات الإسرائيلية أكثر وأكثر..
وبعدها انقسم الضباط مع الجنود إلى مجموعتين، إحداهما اقتادت
(سعد) إلى منزله، في شارع 23 يوليو، في حين اقتادت المجموعة
الثانية (عبد الحميد)، إلى منزله في شارع الشهيد (محمد الخليلي)..
وتم تفتيش المنزلين بمنتهى الدقة والوحشية، وتم الاستيلاء على كل
المشغولات الثمينة، وكل الأوراق والأجهزة، مع تدمير كل ما تبقى
كعادة الإسرائيليين في مثل هذه الأحوال..
ثم تم نقل المجموعة إلى مبنى المخابرات الإسرائيلية في العريش،
والذي يحتله (نزل الشباب) حالياً..
وهناك، بدأت التحقيقات، وبدأ الاستجواب..
وبدأ التعذيب..
ويقول الحاج (سعد) أن الأيام الأولى كانت تحوي الكثير من الضرب
والتعذيب العنيف، والقليل جداً من الاستجواب، حتى أنه والحاج (عبد
الحميد) قد فقدا تماماً الإحساس بالزمان والمكان، ولم يعد
باستطاعتهما معرفة كم مرّ عليهما من وقت هناك...
وفي الوقت نفسه، لم تتوقَّف أجراس الهاتف ونداءات اللاسلكي أبداً،
كما تم عرضها على أعداد كبيرة من ضباط الجيش الإسرائيلي الذين
راحوا يردون إلى المبنى برفقة ضباط المخابرات، دلالة على ما سببته
لهم المجموعة من خسائر جسيمة.
وبعد فترة لم يتمكن أحدهم من تحديدها بالضبط، تم نقل المجموعة إلى
سجن (غزة) المركزي معصوبي الأعين، ومقيِّدي الأيدي خلف الظهور في
سيارة نقل عسكرية..
وفور وصولهم إلى سجن (غزة)، بدأت حلقة جديدة من التحقيقات، سبقها
وتخللها وأعقبها عديد من صنوف التعذيب والإكراه، والضغوط النفسية
والجسدية...

الحاج صباح الكاشف

والمؤلم أن الإسرائيليين قد منحوا القسط الأكبر من التعذيب
والإهانات والعنف للحاج (صباح الكاشف) دون احترام لكبر سنه، أو
ضعف جسده..
ولكن الرجل -رحمه الله- كان مثالاً حياً للبطولة والصلابة
والشهامة، عندما تحمّل العذاب والتعذيب الوحشي بكل رجولة وحزم دون
أن تلين عزيمته، أو يعترف بحرف واحد مما لديه..
وأثناء الاستجواب والعنف، شعر قائد المجموعة (عبد الحميد) أن
الإسرائيليين لا يعلمون شيئاً عما فعلوه طوال السنوات الماضية،
وأن معلوماتهم تقتصر فقط على نشاط المجموعة، أثناء حرب أكتوبر،
وأراد أن يبلغ الحاج (سعد) بهذا، حتى تقتصر اعترافاتهم على فترة
الحرب وحدها دون غيرها..
كان أحدهما سجين زنزانة منفردة في بداية ممر السجن، والآخر نزيل
زنزانة منفردة أخرى في نهاية الممر، وتفصلهما مسافة كبيرة نسبياً،
تمنعهما من تبادل أية أحاديث، دون أن يلتقطها الإسرائيليون، الذين
زوَّدوا زنزانتيهما بأجهزة تنصُّت دقيقة أيضاً..
لذا فقد ابتكرا صديقا وزميلا العمر وسيلة فطرية عبقرية ومدهشة،
لتبادل الحديث في هذا الشأن.
فمن زنزانته هتف الحاج (سعد): "هو الله".. وهنا أجابه (عبد
الحميد)، بهتاف آخر: "لا من بعد ولا من قبل"..
وفهم الرجلان المعنى بعد سنوات وسنوات من الزمالة والصداقة..
فهم كل منهما أنه عليهما الحديث عن نشاط أكتوبر وحده، لا ما قبله،
ولا ما بعده..
الحاج (سعد) وجد وسيلة أخرى طريفة، يتحدَّث عنها قائلاً: "كنت
أحياناً أتظاهر بنسيان بعض التفاصيل، وباحتياجي لمراجعتها مع
الحاج (عبد الحميد)، فيرسل المحققون الإسرائيليون لاستدعائه،
وعندئذ ألتقي به، وأصافحه، ونتبادل بعض الكلمات السرية، التي لا
يعرفها سوانا، والتي يفهم كل منا معناها جيِّداً، دون أن يفهم
الإسرائيليون منها شيئاً، على الرغم من أنهم كانوا جميعاً يتحدثون
العربية بمنتهى الإجادة".
وهكذا، انتصر الذكاء المصري الفطري على العقول الإسرائيلية
المحترفة المدرَّبة، التي حاولوا إيهامنا لسنوات وسنوات أنها
عبقرية متميِّزة لا تُقهر ولا تنهزم أبداً..
وهذا يؤكِّد رأي الحاج (عبد الحميد) الذي لا يمل ترديده أبداً..
"الإسرائيليون ليسوا أبداً بالبراعة التي يوحون للعالم بها"..
وفي حديثه عن فترة السجن والتعذيب، يروي الحاج (عبد الحميد)، قصة
كان شعري يزداد شيباً لسماعها..

يروي أن والده قد زاره في السجن، وقد تجاوز السبعين من العمر،
فأخفى هو كفيه، اللذين اسودّا وتورَّما من شدة التعذيب خلف ظهره،
خشية أن يراهما والده، وهو يتوقَّع منه أن يلومه ويقرِّعه على
توريط نفسه في أمر خطير كهذا دون أن يستشيره أو يطلب موافقته..
واقترب (عبد الحميد) من والده، وهو يقدِّم قدماً، ويؤخِّر أخرى،
وخفق قلبه بقوة عندما رآه والده، وهبّ من مقعده بحركة فتية، لا
تتناسب مع أعوام عمره السبعين، وانتظر صراخه الغاضب، وثورته
العارمة، و...
ولكن الأب الذي نما في تراب هذا الوطن، وأكل وشرب من خيره رفع
قبضته أمامه في حزم، وارتفع معها صوته، بمنتهى القوة والعزم، وهو
يهتف بابنه:
- إياك أن تحني رأسك لمخلوق واحد..
ويحكي (عبد الحميد) أن قشعريرة قوية قد سرت في جسده، وهو يحدِّق
مبهوراً في والده، الذي تابع بنفس القوة والعزم، ودون أن يخشى رد
فعل الإسرائيليين:
- ما فعلته يستوجب الفخر والزهو، فإياك أن تشعر بذرة واحدة من
الخزي أو العار، وإياك أن تحني رأسك لمخلوق واحد هنا.. المؤمن لا
يحني رأسه إلا لله (سبحانه وتعالى) وحده.
الواقع أن الرواية فجَّرت ألف انفعال وانفعال في أعماقي إلا أنها
لم تدهشني، فكما يقولون دوماً، من الطبيعي أن يكون هذا الشبل من
ذاك الأسد..
المهم أن فترة السجن والعنف، والاستجواب، والتعذيب قد انتهت بصدور
لائحة الاتهام، التي حوت سبع تهم، أخطرها التجسُّس في زمن الحرب،
وأقلها حيازة جهازي إرسال لاسلكي، وأسلحة، ومفرقعات، ومواد ناسفة
شديدة التفجير..
ومع صدور لائحة الاتهام أو الادعاء، انتقلت القصة كلها إلى مرحلة
جديدة ودقيقة جداً..
إلى المحاكمة.. الإسرائيلية.

* * *
الرد باقتباس
  #6  
قديم 12-02-2016, 18:58
الصورة الشخصية لـ احمد ميكى
احمد ميكى احمد ميكى غير متصل
عضو مجتهد
 
تاريخ التسجيل: Mar 2009
مشاركة: 344
احمد ميكى is on a distinguished road
Thumbs up الفصل السادس و الاخير

6 - الفصل الأخير
* يغلب ظني أنه لو أتيحت للإسرائيليين الفرصة، لمحاكمة مجموعة من
جنرالات النازية، الذين نسبت إليهم ارتكاب الفظائع، خلال الحرب
العالمية الثانية، لما اتخذوا من إجراءات الأمن الشديدة
والمعقَّدة ما اتخذوه، أثناء محاكمة أبطال (سيناء)..
ولقد تم نقلهم من السجن إلى المحاكمة، داخل عربة مصفَّحة، تحيط
بها حراسة مكثَّفة، وأحيط مبنى المحاكمة كله بعشرات من الجنود
المسلّحين، والمدرعات، والدروع، الواقية، في نفس الوقت الذي أحيط
فيه قفص الاتهام أيضاً بطوق من الحراسة المشدَّدة..

وعلى الرغم من كل هذا، اكتظت المحكمة بجمهور غفير، من سكان مدينة
(العريش)، وقطاع (غزة)، وبعدد من المحامين، من القطاع نفسه، جاءوا
للدفاع عن الأبطال..
وبصلف إسرائيلي معتاد ، قرأ المدعي العسكري الإسرائيلي لائحة
الاتهام، وراح يفند خطورة التهم، واحدة بعد الأخرى حتى انتهى من
حديثه، وقد بدا للكل أن الإعدام هو أخف حكم، يمكن أن يصدر ضد
أفراد المجموعة..
ثم جاء دور المحامين، الذين طلبوا تأجيل الجلسة، حتى يتمكَّنوا من
الاطلاع على ملف القضية، إذ لم تُتَح لهم مقابلة موكليهم، في
الآونة الأخيرة، كما يحتّم القانون..
ووافق القاضي على تأجيل الجلسة، وحدَّد موعداً للجلسة التالية..
وكان هذا يعني عودة الجميع إلى زنازينهم الانفرادية، في سجن (غزة)
المركزي..
وفي محبسه، راح (عبد الحميد) يستعيد كلمات والده القوية..
"لا تَحنِ رأسك لأي مخلوق.."..
وتنهَّد قائد مجموعة (العريش)، وهو يسند ظهره إلى جدار سجنه في
ارتياح غامر..
إنه لم يحن رأسه لأي مخلوق بالفعل..
لا هو، ولا أي فرد آخر، من أفراد المجموعة كلها..
لا أحد منهم استسلم، أو فقد إيمانه بالله سبحانه وتعالى، أو ثقته
في قيادات أمن (مصر)، وفي أن الوطن لن يتخلّى عنهم أبداً مهما كان
الثمن..
الوطن، الذي بذلوا كل ما بذلوه من أجله، سيجد حتماً وسيلة
لإخراجهم من محنتهم، وإعادتهم إلى أحضانه، مهما بذل من جهد أو
تضحيات، في سبيل هذا..
وتوالت الأيام، وظلّ أفراد المجموعة هادئين واثقين، مطمئنين إلى
أن الوطن لن يهدأ له بال، ما داموا في محابسهم..
لن يهدأ له بال أبداً..
ولقد سخر الإسرائيليون من إيمانهم هذا، وبالذات رجال مخابراتهم،
الذين أخبروهم أن هذا مستحيل، وأن دورهم بالنسبة لوطنهم (مصر) قد
انتهى بسقوطهم، ولن يبحث عنهم، أو يتذكَّرهم، أو يبذل من أجلهم
مخلوق واحد أدنى جهد، في (مصر) كلها..
ولكن فجأة، وفي الصباح الباكر، من الرابع من (مارس)، عام 1974م،
فوجئ الرجال بالحراس الإسرائيليين يخرجونهم من زنازينهم، ويخلعون
عنهم ملابس السجن، ثم يسلموهم الملابس التي كانوا يرتدونها، عند
إلقاء القبض عليهم، وبعدها حملوهم جميعاً إلى فناء السجن..

عبد الحميد الخليلى

وعندما وصل ضباط المخابرات الإسرائيلية إلى المكان، فوجئوا
بالمجموعة كلها في ثياب مدنية في الفناء، فصعدوا إلى مكاتبهم، ثم
استدعوا (عبد الحميد الخليلي)، و(سعد عبد الحميد) إليهم شخصياً
دون الآخرين..
وفي قلب المخابرات الإسرائيلية، داخل سجن (غزة) المركزي، سألهما
أحد الضباط الإسرائيليين في عصبية: "هل تعلمون إلى أين أنتم
ذاهبون؟‍!"، وأجابه الاثنان بأن المجموعة كلها تجهل هذا تماماً،
وهنا، هتف بكل خنق وسخط الدنيا: "أنتم عائدون إلى (القاهرة).."..
وتفجَّر ألف انفعال وانفعال، في أعماق (عبد الحميد) و(سعد)..
ولدقيقة أو يزيد، عجز عقلاهما عن استيعاب العبارة، أو حتى الموقف
كله..
أمن الممكن أن يكون هذا حقيقة؟‍!..
هل تحقَّق المستحيل!..
هل سيعودون بالفعل إلى (القاهرة)!..
وبكل غضب الدنيا، وبعد مجموعة من الاتصالات العبرية، التفت إليهما
ضابط المخابرات الإسرائيلي، قائلاً: "لو أن الأمر بيدي، لما
خرجتكم من هنا أحياء، ولكنها أوامر عليا.."..
وكان موقفاً لا يمكن نسيانه أبداً..

سعد عبد الحميد جلبانة

ويضحك عم (سعد)، وهو يقول: "علمنا فيما بعد أن (مصر) كانت قد
أوقعت بضابط مخابرات إسرائيلي في (اليمن)، ويدعى (باروخ)، وأنها
قد عقدت صفقة مع الإسرائيليين، لاستبدال (باروخ) هذا بمجموعتنا
كلها، وبعدد آخر من المعتقلين والمسجونين أيضاً.. ومن الواضح أن
(مصر) كانت صارمة تماماً في صفقتها، وأنها قد طلبت القائمة كلها
أو لا شيء، حتى أن الإسرائيليين كانوا قد أفرجوا بالفعل عن بعض
المعتقلين، فأعادوا اعتقالهم، حتى تكتمل القائمة، وإلا رفضت (مصر)
إتمام الصفقة..".
وفي فناء سجن (غزة) المركزي، تمت مراجعة أسماء الجميع، في حضور
مندوب منظمة (الصليب الأحمر)، ثم اقتادهم الحرَّاس إلى الباب
الخارجي، حيث كانت في انتظارهم سيارة أتوبيس ضخمة، محاطة بحراسة
قوية، وصعد الكل إليها، ثم قام الجنود الإسرائيليون بتقييد يد كل
فرد إلى يد زميله، بقيود من البلاستيك القوي، وتم وضع حراسة
مشدَّدة داخل الأتوبيس نفسه، وكانت نوافذه كلها مطلية بطلاء داكن،
لا يسمح بالرؤية، في حين تم فصلهم عن السائق بحاجز خاص، تم طلاؤه
باللون نفسه، حتى لا يدرك أحد إلى أين يتجه الأتوبيس.

ومرَّ الوقت بطيئاً ثقيلاً، مع انعدام الرؤية، وعدم السماح بتبادل
الكلام والأحاديث، والأتوبيس ينطلق في قلب (سيناء)، وينطلق،
وينطلق..
وأخيراً، توقف الأتوبيس في منطقة البرج، شرق مدينة (القنطرة)،
وساد صمت تام رهيب..
فعلى الجانب الآخر، الخاضع تماماً للسيطرة المصرية، كانت تقف
سيارة أخرى مقفلة، تقل ضابط المخابرات الإسرائيلي (باروخ مزراحي)،
الذي وقع في قبضة المخابرات المصرية، منذ عدة سنوات سابقة، ورفضت
(مصر) أكثر من عرض لإعادته إلى (إسرائيل)، حتى سقطت مجموعة
(العريش)، وعندئذ رأت المخابرات المصرية، تقديراً لجهد وخدمات
هؤلاء الرجال، أن تعقد صفقة مع الإسرائيليين، للقيام بمقايضة
سرية، فتمنحهم ضابطهم الفاشل، وتستعيد أبطال (العريش) كلهم..
وفي موقع البرج، الذي يبعد ستة عشر كيلو متراً، شرق مدينة
(القنطرة)، حضر (باروخ) في السيارة المغلقة، وحضر الأتوبيس
الإسرائيلي، الذي يحمل الأبطال..
وتمت عملية التبادل..
تمت خلال خمس عشرة دقيقة، انطلق بعدها (باروخ) إلى (إسرائيل)،
وعاد الأبطال إلى (القاهرة)..
وفي عاصمة وطنهم، كانت بانتظارهم سلسلة من المفاجآت..
الأجهزة الأمنية المصرية استقبلتهم، بكل الحفاوة والترحيب،
واستضافتهم استضافة كريمة لعدة أيام، ما زالوا يشيدون بها حتى
يومنا هذا، ثم منحتهم الدروع والميداليات..
والتقى الأبطال بعد طول فراق..
التقى (عبد الحميد)، و(سعد)، و(رشاد)، بزميلي الكفاح (فضل)
و(حجاب)..
وفي اللجنة المركزية العليا للاتحاد الاشتراكي، أقيم حفل كبير، في
القاعة الرئيسية، حضره كبار رجال الدولة، ومختلف أجهزة إعلامها ؛
للاحتفاء بأبطال مجموعة (العريش)..
ثم أقامت جمعية الشبان المسلمين حفلاً آخر للأبطال، في مقرّها
العام، حضره نخبة من رجال الدولة، على رأسهم السيد (حسين
الشافعي)، نائب رئيس الجمهورية - حينذاك - والإمام الأكبر، الشيخ
(عبد الحليم محمود)، وغيرهما..
وبعدها أقامت (منظمة سيناء العربية) حفلاً كبيراً، حضره كبار
القادة، والأجهزة الأمنية، وتم خلاله تسليم أنواط ودروع المنظمة
إلى أفراد المجموعة.
ثم كانت ذروة التكريم، عندما أصدر السيد (أنور السادات)، رئيس
الجمهورية - آنذاك - قراراً جمهورياً بمنح الأبطال نوط الامتياز،
من الطبقة الأولى (تقديراً للدور الذي أدوه، من صادق المعاونة
المقدًّمة للقوات المسلحة، خلال حرب أكتوبر المجيدة) كما جاء في
براءة النوط.

وفي أحد نوادي القوات المسلحة بالقاهرة، أقيم حفل كبير، قام خلاله
المشير (أحمد بدوي)، وزير الدفاع في ذلك الحين، مندوباً عن رئيس
الجمهورية، بتسليم الأنواط والميداليات التذكارية لأبطال
(سيناء)..
ومع كل حفلات التكريم، والرعاية التامة، التي أحاط بها المسئولون
وأجهزة الأمن الأبطال، إلا أنهم لم ينسوا ما فعله من أجلهم رجلان
بالتحديد، كان لهما عظيم الأثر، في مشوار الكفاح والنضال..
الأستاذ (حلمي البلك)، الذي أولى بياناتهم اهتماماً بالغاً، وبثها
عبر برنامجه الشهير، الذي كان يذاع أيامها بانتظام (الشعب في
سيناء)، معلناً أنها صادرة من (لجنة أبناء سيناء الأحرار)، مما
منحهم قوة أكبر، وساعد على انتشار أعمالهم، وبلوغ أهدافهم مداها..
ولقد اتفق الكل على أنهم قد اعتبروا الأستاذ (حلمي البلك) واحداً
من مجموعتهم، خاصة وأنه من أبناء (سيناء) المخلصين، وأبناء الوطن،
الذين لا يألون جهداً، في سبيل رفعته وعلو شأنه..
أما الرجل الثاني، الذي يحملون له كل التقدير والاحترام.. بل
والتبجيل أيضاً، فهو المرحوم اللواء (محمد عبد المنعم القرماني)،
محافظ (سيناء) حينذاك، والذي منحهم كل اهتمامه ورعايته، منذ كانوا
يقاتلون في (العريش)، وعند وصولهم إلى أرض (مصر)..
لقد تعامل معهم الرجل - رحمه الله - بأبوة صادقة، وعناية مخلصة،
ورعاية بلا حدود، حتى أنهم كانوا وما زالوا يعتبرونه الأب الروحي
لمجموعتهم، على الرغم من وفاته، ومرور كل هذه السنوات الطوال..
ومن الطبيعي ألاّ ينساه أحدهم قط، فقد بذل جهداً حقيقياً من
أجلهم، منذ وطأت أقدامهم (القاهرة)، وقدَّم لهم ما لم يقدِّمه
سواه..
فبعد حفلات التكريم، والرعاية البالغة، راح يخاطب كل المسئولين،
حتى استصدر قراراً بمنحهم لقب (مجاهد)، والذي حملته أنواط
الامتياز التي حصلوا عليها، وما زالوا يفخرون بها، حتى لحظة كتابة
هذه السطور..
أضف إلى هذا أن اللواء (القرماني)، رحمه الله، ترك تعليمات
مستديمة إلى السكرتارية الخاصة بمكتبه، بأن المجاهدين مستثنون
تماماً من ضوابط مقابلته، وأن مكتبه مفتوح لهم، في أي وقت
يشاءون..
ولا يذيع الأبطال سراً، عندما يقولون: إن المجموعة كانت على علاقة
قوية، واتصال مباشر به، طوال فترة الاحتلال، وأثناء تنفيذ
عملياتها، وقبل أن يعود أفرادها إلى (القاهرة)..
ولقد أولى اللواء (القرماني) المصابين من أفراد المجموعة عناية
ورعاية تفوقان كل وصف، حتى أن (فضل عبد الله) يقول في تأثُّر:
"لقد عين سيارة خاصة، لإحضاري وقت الحاجة، حتى لا أحتاج إلى من
يعاونني في هذا، بعد أن فقدت بصري، وذات مرة، لم تكن هناك أية
سيارة متاحة، فأصر على أن تحملني سيارته الشخصية إلى حيث
أريد.."..
الرجل - رحمه الله - كان إذن حالة نادرة من البشر، يقدِّر
البطولة، ويحترمها، ولا يدخر جهداً في تكريم أصحابها، ورعايتهم،
ومتابعتهم في كل شئون حياتهم، المادية والتعليمية، وحتى الصحية..
لا عجب إذن أن يحمل له الرجال كل هذا الاحترام والتقدير، وأن
يوصوا بأن تحمل كتاباتي عنهم مشاعرهم تجاهه، وأن أضيف إليها
دعاءهم له، عندما يسألون الله سبحانه وتعالى أن يجزيه خير جزاء،
وأن يدخله فسيح جناته..
ولأن الأبطال يحترمون كل من تأثَّروا به، وبما يطرحه من آراء،
ويقدرون كل من اتخذوا من سلوكه وصفاته الشخصية مثلاً لهم، سواء
أكان يعلم حقيقة ما يفعلونه أو لا، فقد رأوا ضرورة ذكر قائمة وفاء
هنا، في نهاية المقالات، تقديراً منهم لكل من لعب دوراً هاماً في
حياتهم الحافلة..
فضيلة المرحوم الشيخ (جاد المولى أحمد)، والمرحوم الأستاذ
(إسماعيل فؤاد رضوان)، والمرحوم الحاج (مصطفى ديبان)، والمرحوم
الأستاذ (على محمد الجعفري)، والمرحوم الأستاذ (محمد عز الدين
جبريل)، والحاج (محمد عبد العزيز حسين طروش)، والأستاذ (غريب أبو
حمدة)، والمرحوم الحاج (سعيد حامد الطنجير)، والمرحوم الحاج (عبد
السلام حمدي الكاشف)، والمرحوم الحاج (محمد فتحي حال)..
وعلى الرغم من كثرة الأسماء، وتراصها على نحو لا يتفق مع الأسلوب
الصحفي الأمثل، إلا أن الوفاء، الذي اعتبره دوماً سمة من سمات
البطولة الحقة، جعلني أتجاوز كل القواعد والأعراف، وأصرّ على
تدوين كل الأسماء هنا.. بلا استثناء..

وفي نهاية اللقاء، وقبل أن أغادر أبطال مجموعة (العريش)، عائداً
إلى (القاهرة)، متخماً بعشرات الأحداث والأفكار المثيرة، وبوجبة
سمك لذيذة، أحضرها (عبد الحميد سعد)، ابن الحاج (سعد)، والذي يحمل
اسم صديق وزميل كفاحه، تذكَّرت الفقرة التي أنهى بها هؤلاء الرجال
مذكراتهم، التي أرسلوها إلىَّ..
"لم نكن الوحيدين في الميدان، بل كانت هناك مجموعات أخرى عديدة،
تعمل على أرض (سيناء)، وتديرها المخابرات المصرية بكل اقتدار، حتى
غطت كل شبر من (سيناء)، وكانت من مفاجآت حرب أكتوبر، التي قال
عنها (موشى ديان)، وزير الدفاع الإسرائيلي، في مذكراته التي نشرت
بعد الحرب: "نجح المصريون في زرع رادارات بشرية، في كل شبر من
(سيناء)"، ونحن وهم أدّينا واجبنا، كما ينبغي أن يكون الأداء،
وستظل البطولات المصرية سطوراً مكتوبة بأحرف من (نور)، في تاريخ
(سيناء)، حتى يدرك الأبناء ما قدَّمه الآباء.."..

تلك كانت كلماتهم، ومشاعرهم،
وكانت أفضل ختام لقصتهم،
التي عرفتها منذ ربع قرن،
وطالعت تفاصيلها من أيام..
قصة المجاهدين..
أبناء سيناء.. الأحرار..
والأبطال..

* * *

تمت بحمد الله
الرد باقتباس
الرد على الموضوع


خيارات الموضوع

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة موضوع جديد
لا يمكنك الرد على المواضيع
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

كود vB متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML مغلق
إنتقل إلى


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة. الساعة الآن » 21:36.


خرید کریو
Powered by vBulletin® Version 3.6.8 COMBO
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Copyright ©1999 - 2011, Alsayra.Com
جميع الآراء والتعليقات المطروحة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي للصايرة بل تمثل وجهة نظر كاتبها

المنتدى محمي بواسطة ابعاد المعلومات

هذا المنتدى يستخدم الكمبو المطوّر