منتديات الصايرة
 

عـودة للخلف   منتديات الصايرة المنتديات الأدبيــة منتدى القصة و الرواية
التسجيل المساعدة القوانين قائمة الأعضاء التقويم تعليم الأقسام كمقروءة


الرد على الموضوع اضف موضوع جديد
 
خيارات الموضوع
  #1  
قديم 08-01-2015, 21:53
أشجان سهاج أشجان سهاج غير متصل
عضو مبتدئ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
مشاركة: 6
أشجان سهاج is on a distinguished road
الافتراضي الكاتِدْرائِيّة (تتمّة)

(( الكاتِدْرائِيّة ))
الجِزْءُ الثاني
تاريخ التأليف ١٩٩٣ __________________________________________________ __________________________________________________ ______________________________ لقد نمت كثيراً جداً و تخبّطْتُ بينَ براثِنِ الأحلامِ كثيراً، ثم استيقظت فجأةً و بدت لعينيّ المُتكحِّلتينِ بالسُهادِ أمي العزيزة و هي تقوم بواجبات المنزل. نهضت من الفراش و اقتربت منها و دققت على كتِفها في عطفٍ و رقّةٍ مُبْدٍ عنْ أسيلٍ ـ و إنْ مُصطنعٍ ـ صادقٍ! و كما الأم تتلقّى ولَدَها تلقّتني، بحنانٍ و سرورٍ، و عطفٍ و مودّةٍ. أعرفُ أنّ لا شيءَ يُسْعِدُ أمّاً كعَدَمِ تَعَكّرِ بالِ ولدِها من الهُمومِ، و أنا الآن صافي الذهنِ... لِأجلِها. التفتتُ إلى يساري و إذ أنا بأختي العزيزةِ و هي تُطالِعُ كتباً مدرسيةً كشأنِها دائماً، رنوتُ إليها بِنَظَراتٍ مريضةٍ و لكنْ غيرِ كريهةٍ و إنْ تخلّلَتْها بعضُ السماديرِ، فَلَعَنَ اللهُ القَدْعَ مُسَبِّبَها. يا لِسُوَيداءِ قلبٍ بريءٍ كقلبِها، ما أحسَنَهُ و أنفَسَهُ، و يا لها فتاةً نقيةً عذراءَ رائِعةً. لم تكنْ على درجةٍ مِنَ التّنَبّهِ لِتفهمَ نظرتي و هأنذا أقتربُ من طاولتِها و أنظُرُ لِما فوقَها، فأرى كُتُباً و دفاترَ مُبَعْثرةً فَحَسْب. __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ _______________________ أختي فتاةٌ شابةٌ في مُقْتَبَلِ عُمرها، لا ينقصها الجمال و تتمتّعُ بِرَفاهَةِ حِسٍّ، قد أتَمّتْ عامها الواحدَ و العِشرينَ و تفرّغُها للدراسةِ أمْرٌ مُعْجِبٌ مُحَيّرٌ في آن، بها بعضُ الإنطواءِ المُحَبّذ. __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ _______________________ تملّكني شُعورٌ دفينٌ بِرَغبةِ كَسْرِ زجاجِ النافذةِ ثمّ تناولِ أشلائِها و كَسْرِها بدورها قِطعاً قِطعاً، ثم النظَرِ إلى الشمسِ و الاِبتسامِ لها. __________________________________________________ _______________________________________________أ)ا لنهار_____________________________________________ _______________________________ يا للنهارِ الرائعِ، عَشِقتُهُ حتى الشّبَعِ، هو مقدّمةُ كتابٍ أسودَ يتَكَوّنُ في الليلِ، أهَمّيتُهُ تنبثقُ مِنْ كونِهِ مساحةً من الزمنِ يستحضِرُ كُلّ ٌ فيها ذاتَهُ و يُطَوّعُها لِمُعايَشةِ الليلِ و الدّيْجور. في بعضِ الأحيانِ أخالُ نفسي طَائِراً لَيْلِيّاً لَبُوناً، مِنْ مُجَنَّحَاتِ الأَيْدِي، مِنَ الْخَطَاطِيفِ، ذا جَنَاحَينِ عَرِيضَينِ مُتَّصِلَينِ، شَبِيهاً بِالفَأْرِ ، أَسْوَدَ اللَّوْنِ، يَطيرُ هنا و هناك، فشُعُوري بهِ قَوِيّ ٌ و مُزعِجٌ في آن. ثمّ أصبحتُ أعشقهُ و أحِسّ ُ إحساسَهُ. ثم ما هذهِ النَّكْهَةُ؟ مذاقُ لُعابي كريهٌ، مُرّ ٌ كالحَنْظَلِ، عَفِنٌ، نَتِنٌ، يُؤرِّقُني و يحرِمني من تَذوّقِ الحلاوة. __________________________________________________ _______________________________________________ب)ا لمخ_______________________________________________ _____________________________ شعوري بفقدان عقلي أصبح شعوراً دائماً. صدّقوني... شَدّ َ ما أتألّمُ لأجلِهِ. ضاعَ عقلي في بحرٍ عميقٍ. أعْلَنَ عقلي استقلالَهُ (ضحكة خفيفة مرّة). هلْ سمِعْتُمْ بِمُخٍّ يُعْلِنَ اسْتقلالَهُ و يتّبِعُ هواهُ؟ هو مُخّي لا غير. يا للمسكينِ، استقَلّ َ عنِ الجسمِ و تركَ اللحمَ بلا سائِسٍ. شَرْحُ هذا أنهُ يجعلني أفكر و أقرر ما لا أرغب به، فأعمَلُهُ رُغْمَ رَفضي لهُ. يجبرني ـ أقولها و أنا أرتعد ـ على التفكيرِ بأشياءٍ لا أرتضيها. هل هذا انفصامُ شخصيّة؟ الأدهى أني أعلم بهذا الإنشقاقِ فبِماذا إذاً أفكّرُ و مَنْ الذي يفكّرُ أصلاً؟ أرجوكم أنْ تُمْعِنوا في هذهِ النُقطة المُحَيّرة التي، إنْ صَحّتْ، ألْزَمَتْ أنْ يكونَ المحالُ مِنَ المُحْتَمَل. دفعني هذا لرفض مخي. شعورٌ اِرْتَعَدَتْ له فرائصي. لم أعُدْ أشعُرُ بملكيته. السّكنُ الرأسُ رأسي و لَكِنّهُ يُفَكّرُ.... لِحِسابِ آخَرَ! فمِنْ هُنا دَفْعي و رَفْضي له كجِسْمٍ غريبٍ عن جسمي. إنّ قولي أنّ الأفكارَ التي تجولُ في عقلي ليستْ أفكاري، ضَرْبٌ من الهُراءِ و لكنّها الحقيقة. غُموضُها يؤكِّدُ لي زِيْفَها و انتماءَها لكائنٍ آخرَ مختلفٍ كُلّ الإختلافِ عنّي. ما الدّاءُ بِحَقِّ اللهِ؟ ما هذا الدّاءُ الذي استلَبَ عقلي؟ تبّاً لِلشيءِ ـ كائناً ما كانَ ـ الذي يريدُ كتابةَ مُخيخي باسمِهِ. جعلتُ أنْبُذُ كثيراً من الفِكَرِ و الخواطرِ الجائلةِ بعقلي لقناعتي بِعَدَمِ مُعالجتي لها في الواقِعِ. أنا أدْرَى بي و لذلكَ أقول أنها ليست أفكاري و ثَمّةَ مَنْ يفرِضُها عليّ َ فَرْضاً و لذلكَ قمتُ بطرحِها فوراً. معرفتي بعدم انتمائها لي لم يَحُدّ َ مِنْ سيطَرَتَها، فإذا بها تتملّكُني فأصبحتْ كأنها ناشِئَةٌ مِنّي! __________________________________________________ _______________________________________________ت)ا لليل______________________________________________ ______________________________ مؤخّراً صرتُ أمشي في النومِ، و أنامُ في اليَقَظَةِ، و هلْ تُنْسى أحداثُ الليلةِ الماضيةِ البهيمةِ الحالكةِ و ما اعتراني من هَجْسٍ، هذا أني في النومِ جَثَوتُ على رُكَبي و زحفتُ مادّاً للأمام ذِراعَيّ َ في توازٍ عجيبٍ، حتى دنوت ببطءٍ من الساعة و في لَمْحِ البَصَرِ استويتُ واقفاً و قد شُدّ َ مني العصبُ و جعلتُ أدورُ حول الساعة أسْرِعُ شيئاً فشيئاً و أزْفِرُ زَفَرَاتٍ مريضةً مُطَوّلة. بدوت و كأني أتشيطنُ في وتيرةٍ حادةٍ ـ مسكينٌ أنا! ـ ثُمّ َ لمّا أتْمَمْتُ بعد ذلك ثلاثَ دوراتٍ حول الفراشِ جثوتُ مجدّداً و نزلَ عليّ َ سلطانُ السكينةِ و لفحني هواءٌ رَحيمٌ؛ فكأني مأخوذٌ بروحٍ ملائكيةٍ، فتشاهدتُ ثُمّ أويتُ إلى فِراشي و غِبْتُ في سُباتٍ عميق، و الأعجب من ذلك أني تذكرت ما حدث معي في النوم بتفاصيلهُ! __________________________________________________ _______________________________________________ث)ا لحب_______________________________________________ _____________________________ ذلك العبير المنبعث من روحين اجتمعا من غير إذن. ذلك الطرب الروحاني الذي هز الأجداث من أصولها. ذلك الإنبعاث لبخارٍ جديرٍ بالإستنشاق، متصاعدٍ من أحشاء الأرض، امتزج بأبخرةٍ أخرى عظيمة. ذلك الوفاء المرهب لا ينهيه غير الموت. خالداً يعيش في أرواح أجساد البشر المتفسّخةِ حتى يومِ العذاب. ذلك الهدف الذي يعتاد عليه الحلم. أحداث الواقع تفزعني. كل شيء حولي طبيعي و واقعي و لكنْ مرعب و موحش. تقديري بأني المريض الوحيد خطأ فاحش إذْ تحققت من كون أبي و أمي و أخي مريضين بداءٍ خبيثٍ شيطاني. ما جَلَبَ لي النكدَ و الأحزانَ هو مُشابَهَةُ دائِهم لدائي؛ ففي النهار تبدو عليهم ـ و علي ـ سيما شفاءٍ ظاهريٍّ و آنيٍّ، فالشفاءُ يتّسم بكلِّ خصائصِ الشفاءِ الإيجابيةِ بما لا يدعُ مجالاً للشكِّ، و لَشَدّ َ ما ترتعِدُ لهذا فرائصي و لَشَدّ َ ما أفزعُ، فينتبهونَ لفزعي و يتحسّرونَ علي. يستدعونَ كلما اصْفَرّ َ وجهي الطبيبَ و تتنهّدُ أمي بأسى. "ليسَ مِنْ داعٍ لمحزنةٍ" قلتُ شِبْهَ غاضبٍ و تابعتُ بحَنَقٍ يخالِطُهُ مَسّ ٌ خفيفٌ مِنْ لَوَثٍ: "هذا زكامٌ يصيبُ الأعصابَ و الطالبُ عُرْضَةٌ له لا مَحالةَ و العَقْلُ إنْ تَعِبَ هذَى". الحَقّ ُ أنني الوحيدُ من بينِهِم الذي يرى الأشياءَ من طرفها الصحيح و كيف هو واقعُ الأمر. اشتعل رأسي بالشيب و أنا أصارع واقع شفائهم الوهمي الذي ظنّوهُ حقيقةً و اغْتَرّوا بمظاهره الجذابة. لا يدرونَ ـ المساكينُ ـ ما تخبِّىءُ لهم الأيام. حياتُهمْ إذاً دَيْنٌ في رَقَبَتي. أنا هو بالأحرى من سيفقِِدُهم لا هُم. يا لِأبَوَيّ َ و يا لِأختي اللطيفةِ الجميلةِ، أيّةُ حقيقةٍ يخبِّئُ لهم القدر. مَنْ سَيَرْعاني إنْ فَقَدْتُهُم إلى الأبد؟ فتَضَرّعْتُ لله. أسْدَلَتْ ليلةٌ سَرْمَدٌ ستارَها على بيتي و نشرتْ عُتْمَتَها الثقيلةَ َفي كل مكان. اِمْتصّ َ الظلامُ العقيمُ ضوءَ قمرٍ أحمرَ قانٍ تربّعَ قُبّةَ السماءِ، يُنْذِرُ ازدياداً في الحُمْرَةِ و الاِضْمِحْلال. انتابتني حالة يقظة فلعنتُها و أنا أنهضُ من نومٍ طويلٍ، واهِناً، أحِسّ ُ بدَوْخةٍ، كمَنْ ثَمّلَهُ الشّرابُ، و طنينٍ مُزْعِجٍ أحُكّ ُ لَهُ أذُني، فقلتُ في نفسي: "ماذا بعدَ ذلك؟"، و حَسِبْتُني أتعاطى الحَشيشَ، و أصْغَيتُ إلى هَمَساتٍ كالرّزِّ ، ثمّ سمعتُ كالرِّكْزِ أو كالهَتْمَلَةِ أو النّئيمِ أو القَهْقَهَة ِ تَتْبَعُها هَمَساتٌ و لَغَطٌ. ينتهي إلى مسمعي شيءٌ كالتَغَمْغُمِ أو التّجَمْجُمِ الخَفِيِِّ، كالتّأوّهاتِ أو الدعاءِ. انتابني الهَيَجانُ و بَرَزَ لي رِئِيّ و لمْ تُغْنِ اسْتِعاذاتي شيئاً. أصبحَ الدّوارُ حُمّى. اَنْدَفَعْتُ بِعَصَبِيّةٍ أبحث عن مصدرِ الرّزِّ و الهَتْمَلَةِ. اِقْترَبتُ منَ الشّباكِ فسمعتُ قَرْعَ نواقيسٍ لمْ أشُكّ َ أنّ َ مَصْدَرَها الكاتِدْرائيةُ، تُؤَذِّنُ بحلولِ وقتِ الصلاةِ. نظرت باندهاشٍ إلى ساعتي فإذا هيَ تشير إلى الثانيةِ و النصفِ بعد منتصف الليل. أطْلَلْتُ من الشّبّاكِ فرأيتُ بُنيانَ الكاتِدرائيةِ و حَشْداً من رجالٍ و نساءٍ متوافدينَ عليها، رُغْمَ المسافةِ الكبيرةِ التي تفصِلُ بيتي عن الكنيسةِ و عَشَراتِ الأبنيةِ التي تَحُولُ بيني و بينَ رُؤْيَتِها، رُغْمَ ذلكَ رأيتُها بوضوحٍ، فهلْ أزالوا كلّ َ الأبنيةِ الواقعةِ بينَ بيتي و الكنيسة؟ ظلَلتُ أحَدِّقُ إليها و أمْعِنُ فيها النّظرَ حتى احْوَلّتْ عينايَ منَ الحَمْلَقَةِ. اِسْتَشَفّتْ لي جُدْرانُها، فصِرتُ أرى ما وراءَها بِغَيرِ ما صُعُوبَةٍ؛ فبصري يثقبُها بأعْجوبَةٍ مُتخلِّلاً حِجارَتَها. اِرْتدّ َ عنها بصري في جِزْءِ ثانية. هَزَزْتُ رأسي و فركتُ عينيّ َ و حَمْلقْتُ بِشِدّةٍ. "هلْ أنا أنا أم حلّ َ فيني شيطانٌ أم هذهِ أحلام يقظة؟". اِمْتلأ رأسي بالسائلِ الشوكيّ و اِلْتَهَبَتْ الأمّ ُ الجافيةُ و استطعتُ أن أتحسّسَ بالنِّصْفِ الداخليِّ من الكُرَةِ العينيّةِ غِشاءَ العنكبوت. أشعُرُ بالسائلِ يكادُ يخرجُ من القناةِ الدمعيةِ و أكادُ أقيىءُ مِنْ نكهةِ فمي. ما هذهِ اللّزوجة؟ ما أسْوأ عَيْنِيَ اليُسرى! نظرتُ في المرآةِ و تحسّسْتُ عينيَََ اليمنى. ما هذا القَيْحُ؟ ما هذا الاِستفحالُ؟ لُعابي مُرّ ٌ كالحَنْظَلِ و أضلاعي كجرانِ البَعيرِ لُزّتْ بِدَأيٍ مَنْخورٍ، تَخِزُ كالإبَرِ. أطْلَلْتُ من النافذةِ من جديدٍ، فاسْتَشَفّ َ بَصَري مَقْبَرَة. يا إلاهي! ما هذا؟ أين أنا؟ جيد. لا بأس. فلْأجْلس. لا سأغلِقُ النافذة. برد برد. رَعْشَة. جيّد. فَلْأتفكّرْ قليلاً. أنا مدركٌ تماماً أنّ عقلي بدأ يتآكَلُ كالحديدِ و نَحْوِهِ، و تآكُلُهُ مستمِرّ ٌ منذ أنْ وقع في مصيدةِ آفَةٍ ما، يعجزُ الطِّبّ ُ أمامها، و تَقْصُرُ الحياةُ عندها و الحَيّ ُ، متى أ ُصِيبَ بها، فعيشُهُ و الموتُ سَيّان، يفقد إحساسه، و ينعدم تفكيره، و قد يخفقُ قلبُهُ بنبضِ الحُبِّ الإلاهيّ حيناً و تجري في عروقهِ دماءُ الشياطينِ حيناً آخَرَ. ليلي سخيفٌ و عبثٌ و غَفْوَتي نذيرُ شُؤْمٍ و عيني ـ كذلك أنفي و أذُني ـ أشياءُ مُنافيةٌ للعقلِ لا تفيدني مِثْقالَ ذَرّة. كنتُ أ ُحْقَنُ بكميّاتٍ مُتفاوتةٍ من مادةِ الفَزَعِ و الرّعْبِ، و هيَ مُسْتَحْضَراتٌ ليليةٌ دَخَلَ في تركيبها مَزيجٌ منْ جراثيمٍ نَجْمِيّةٍ و بَلْسَمٍ قَمَريٍّ مُتَشَرِّبٍ بموادٍ شمْسِيّةٍ، تذهبُ بالبَصَر. الأرقُ يلتهمُ نعاسي و النومُ جُرْذٌ يَقْضِمُ كُرَتي العينيّةَ فتَبْدو لي في المرآة َ كأنّها بلا أجفانٍ. بناتُ أفُكاري... أولادُ أفكاري... و هلُمّ جَرّاً. اِسْتفَقْتُ من أفكاري ـ أو هِيَ اسْتفاقَتْ مِنّي ـ أتَخَبّطُ في الفراشِ كحامِلٍ أمِّ فَرْقَدِ، و كان القمرُ في السماءِ الداكِنَةِ كضَوْءٍ خافِتٍ على وَشَكِ الإنطفاء. لا أخْفيكُمْ أني أتناولُ جهازيَ العصبيّ َ عَشاءً، لِذا تراهُ ينقصُ في الحجمِ كلّما سالَ لُعابي. أصبحَ لُعابي في الفترةِ الأخيرةِ مُرّاً و كثيفاً كالصّمْغِ، فلمْ تَعُدْ لي قابليّةٌ للأكل. ما العمل؟ لِلترويحِ عنِ النفسِ ينبغي، و العُتْمَةُ هذهِ، فِعْلُ شيءٍ ظريفٍ لطيف. أنا مُشوّشٌ تنتابني حالاتُ بردٍ و خوفٍ و غَيبوبةٍ و و... و لا أسْتَبْعِدُ القيامَ بما نهى اللهُ عنهُ. لمْ يَعُدْ بإمكاني البُكاءُ إذْ فقدتْ غُدَدي خاصّيّةَ إفرازِ الدموع. ما العمل؟ و حتى لا أطْلِقَ كريرَ المختنقِ المَجهودِ فَرأيي أنْ أموءَ أو أخورَ أو ـ في أحسنِ الحالاتِ ـ أشدو كالبلابل. نفضتُ كل هذا عن ذهني و تفرّغتُ لِرؤيةٍ بِمقدورها إفسادُ عقلِ مِئَةِ رَجُلٍ و امْرأة. رأيتُ فيما يرى النائمُ ـ أو المستيقظُ في حالتي ـ أضواءً حمراءَ و خضراءَ لطيفةً بحجمِ الحبّةِ، تملأ ُ الغُرفةَ، فهفا قلبي و شعرْتُ بانتعاشٍ، و لكنْ، مهلاً! إنْ هيَ طَرْفَةُ رِمْشٍ و إذْ بها تذوبُ في اللاشيء! أينَ أضوائيَ الجميلة؟ تعيسٌ أنا و شقيّ. على كلٍّ لا شيءَ يُضاهي إحساسيَ العظيمَ المُرّ َ بنفسي، فطالما ذكّرني بوحوشٍ مِنَ القهوةِ تأنَسُ إليها قِرَدَةُ الكهفِ الثلجيِّ، و إنْ لمْ يتلاقَوا أبداً. أيُعْقَلُ أنْ تكونَ هذهِ حالتي النفسيّة؟ أأصابُ بالإنهيارِ العصبيِّ و أنا خالٍ مِنَ الأعصابِ سِوَى النُخاعِ الشوكي؟ هلْ مَنْ يُضاهيني وداعةً أو يُعادِلني اتِّزانَ عَقْل؟ لَكِنْ للأسَفِ فقدتُ أفكاري بَلْ ذِهْني، و فاقِدُ الشيءِ لا... فتأمّل. و الأدهى من ذلك أفكاري و تخيّلاتي نفسُها. أجلْ. فأنا لا أحِسّ ُ بملكيّتِها بلْ أشعُرُ بأنها فُرِضَتْ علَيّ َ فَرْضاً. فَذِهْني بينَ طارحٍ لها و مُتَقَبِّلٍ لها و عقليَ الباطنُ رافِضٌ لها، ناءٍ عنها، واقعٌ ـ آخِرَ الأمرِ ـ في شِراكِها في حالةٍ تُنذِرُ بالجنون. الزمن بعد فيزيائي رابع للمكان حسب نظرية النسبية الخاصة، لكنه لا يعدو كونه وسيلة لتحديد ترتيب الأحداث بالنسبة لمعظم الناس، بالنسبة لي هو تتابعُ أحداثٍ و أصواتٍ في بقعةٍ فراغيةٍ ما، فهوَ مُسَجّلٌ في الفراغِ و كُلّ ُ فترةٍ منهُ تمضي يُخَلِّدُها الفراغُ و يحمِلُها عَبْرَهُ إلى اللانهايةِ، حافِظاً لها من الإمِّحاء. فاللحظاتُ المُسَجّلةُ تسبح بشكلٍ عشوائيٍّ في غاهِبِهِ و قد يحدُثُ ـ و هذا شيءٌ مُفزعٌ ـ أنْ يقعَ إنسانٌ في مجال بقعةٍ زمنيةٍ سيّارةٍ، و بحكمِ عَشْوائيّةِ مسارِ البُقَعِ الزمنيةِ يحدثُ أنْ تتخَلّلَ إحداها مجالَ زمنِ إنسانٍ ما و كُلّ ُ خوفي أنْ أكونَ هذا الإنسان! __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ _________ ليلٌ أثْقَلَتْهُ الصبغةُ السوداءُ فناءَ بِحِمْلِهِ على ضميري و أنا أنظرُُُ في الأفقِ و إنْ لمْ يكُنْ ثَمّةَ أفُقٌ. ربما اكْفَهَرّ اليلُ و تذبْذبَ خطّ ُ الأفُقِ. هناكَ شيءٌ يوحي بالغِلَظِ. تبدو على السماءِ آثارُ مرضٍ عُضالٍ يستهلِكها و القمرُ صارَ خَلَفاً لكابوسٍ أزرقَ. انتابتني رَعْشةٌ حمراءُ فآذتني لدرجةِ أنْ خِلْتُ الفِراشَ صفائِحَ مِنْ مَعْدِنٍ، مِنْ تحتِها أ ُضْرِمَتْ نارٌ لاهِبَةٌ شَعْواء. لم يكن هناك تناغُمٌ بين حَرِّ الليلِ و سوادِ العُتْمَةِ، فأنا أتَخَبّطُ في مَصْيَدَتِهما بينما يتنافسانِ للفوزِ بأكبرِ قَدْرٍ مِنَ الفراغ. مددتُ ذراعَيّ و ساقَيّ في تَرَاخٍ و فُتُورٍ فوقَ الفِراشِ الصغيرِ؛ فأنا كالجُثمانِ لا رُوحَ فيه. لمْ يَدُمْ جنونُ الغِبْطَةِ و البهجةِ الذي بَرَقَ في عَينَيّ طويلاً، فقدْ أذْهَبَتْهُ الظُلْمَةُ و سادَ مكانَهُ طَنينٌ مُسْكِر. هو شيءٌ كالترنيمِ العَذْبِ الذي سمعته من أمي صغيراً، أنام و أصحو عليه، إلا أنه على خِلافِ أغنيةِ أمي يبعثُ فيني فَزَعَ المحكوم عليه بالإعدامِ، لِذا تَراني أرْعدُ كالمَمْسوس. لنْ يُجديني انتظارُ المصيرِ هكذا، مُجَرّداً من عقلي، متروكاً لكوابيسِ الوسواسِ أكادُ أؤمِنُ بِهِ إيماني بالخالِق. اليأسُ صَيّرَني شاردَ البَصَرِ، بِلا عَزْمٍ، بِلا إرادةٍ، و الآنَ يُريدُ أنْ أ ُحِيْل. ذَرَفْتُ دُموعاً حَرّى على ذكرى طفولتي السعيدة، ليس شيءٌ كَعُذُوبَتِها أو براءةٌ كبراءتِها، ما أحلاها، ما أصفاها، نقِيّةً كالماءِ النميرِ الصافي يَرِدُهُ حَمَلٌ صغيرٌ أبيضُ، و لكنْ الآنَ مضى كلّ ُ شيءٍ و لم يبقَ لِلْمَرْءِ إلا أضغاثُ الأحلامِ و تَخَيّلاتُ الفَزَعِ و الهَوْلِ، فَمَرّةً أطفالُ حربٍ مَيّتونَ انتفختْ بطونُهُمُ و تَشَقّقَ جلدُها و جَحَظَتْ عُيونُهُمُ تلاهُ خروجُ دَمٍ نَتِنٍ من الأنفِ، لا بأسَ إنْ صاحَبَ كلّ َ هذهِ الأعراضِ المُرَوِّعَةِ بُروزُ أجزاءِ مِعَى منَ الشقوقِ البطنيةِ، تخلّلتها الديدانُ و حَطّ َ فوقَها الذبابَُ الأخضرُ و الأزرقُ. و مرّةً أخرى يتوهّمُ حرباً أهليّةً قد تناثر لها القتلى من المدنيين هنا و هناك، هذا رجلهُ مهروسةٌ قد خرج مخه من جمجمته المهشّمةِ، ما زال عليه لِبسُ المُتَفَضِّل، و تلك أمّ ٌ بُقِرَتْ بطنُها فسالَتِ الأحشاءُ لِتُفْسِحَ مكاناً لحَجَرَةٍ رُمِيَتْ بها فما زال الدمُ يخرجُ كالقَيحِ، و قدْ بدا من جسدها (كلمة مشطوبة) مُقْرِفاً مُقَزِّزاً كان في الماضي مَحَطّ َ شهوةٍ، أما الآنَ فهو كِتلةٌ شاكهها الدمُ و البَولُ و موادُ أخرى صفراءُ و زرقاءُ كريهةُ الرائحةِ أصابها العَفَن. ثُمّ َ أنهُ لا يمكنُ تحديدُ ملامح وجهها لِشِدّةِ ما اعْتَمَلَ فيهِ التشويهُ المُفزِع. الأنفُ تَوَسّطَ الأسنانَ َو اللسانُ اعترضَ الحُلقومَ و الكرةُ العينيةُ خرجَ ماؤها و سالَ سوادُ بؤبؤها مُخالِطٌ بَعضَ دَمٍ، و المُخيخُ تحرّرَ و تهَشّمَ و خالطَ التُربةَ و وخمَ الشارعِ بالكادِ يُتَعَرّفُ على أجزائه. مشاهِدُ مُقَزِّزَةٌ حقاً لا رغبةَ لي في استعراضها. تَحَسّسْتُ أنيابي بِعَذ َبَةِ لِساني فشعرتُ بِتَغَيّرٍ فيها. ليس حلماً هذه المرة بل حقيقةً في زِيِّ حُلُم. لقد طالتْ أنيابي بِشكلٍ مثيرٍ للرَعْدَةِ كأنها بُرِيت. فمي مُمْتَلِئٌ بها، ثم إنها تُفْرِزُ سائلاً مِنْ كُثْرِ الشهوةِ و النَهَمِ و تدْعوني للإفتراس. الجنونُ الأصفرُ المُصاحَبُ بالهَلَعِ باتَ يداعبني. أفكاري أصبحتْ كلَوْحَةٍ سِرياليةٍ تَعْصِفُ بها رياحُ الخيالِ المريض. صبري يَنْفَذُ شيئاً فشيئاً. قُدّتِ الفرامِلُ و فَلَتَ الِّجامُ. اسْتَفْحلَ الأمر. هذا يضحكني و يودي بعقلي في آنٍ معَ استمراريةِ مداعبةِ المَسِّ لِهذا الأخير. لا أعرِفُ ما الهُدوءُ و التوتّرُ عالٍ يُنْذِرُ بالشّرارةِ إذِ العينُ لَمَعَتْ في الدّمسَةِ بالجنونِ و الضِّحْكةُ ارتسمتْ على فمي بِشكلٍ لا إراديّ. لا أنا سعيدٌ و لا أنا غاضبٌ. أنا بَيْنَ بَيْن. أنا باسِمٌ ساخِطٌ ذو مَسٍّ قَلِقٌ مِنْ رِكْزٍ لا غَيْر.، فما فائِدَةُ أنْ يأتي الطبيبُ و أنا أسناني قدِ استفحلَ طولُها و اسْتَنّتْ و اصْفَْرّتْ؟ من بربكم يعيد لي أسناني الحلوةَ البريئة؟ مَنْ........ لن أمضي في هذا الحديثِ المقرفِ الموجِعِ للدماغِ، ثمّ إنّ وجعَ الرأسِ لا ينقضي فأينَ المُشتري حتى أبيعَهُ مجاناً و ليَعْلمْ أنّ كرمي واسع. __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ __ تَثَنّتْ أطرافُ السماءِ و شَحُبَ القمرُ و خَفَتَ ضَوءُ النجومِ و تَبِعَهُ سكونٌ عميقٌ، حتى خِلْتُ السُكونَ ضَجيجاً و الهُدوءَ طنيناً، فتمنّيتُ سماعَ بعضَ الموسيقى لأرتاحَ و شعرتُ بفراغٍ عميقٍ و أني على وَشَكِ أنْ أصابَ بالشَلَلِ ففَزِعتُ... أهذهِ آخرتي؟ تحَسّسْتُ مِراراً و تكراراً نابَيّ َ و باقي أسناني بِحاقِّ لساني؛ فراعني طولُهُما و تفلطُحُ و اصْفِرارُ الباقي. فتحتُ فمي و أغلقتُهُ مِراراً و تكراراً، ثمّ عَنّ َ لي أنْ أجلِسَ، ثم أنْ أستلقيَ، ثم أنْ أقومَ، ثم أنْ أنبطِحَ. مَشيتُ و هرولتُ، جَرَعتُ ماءً بارداً و رميتُ الكأسَ من النافذةِ و انتابتني انفعالاتٌ تشنُّجيّةٌ وهَذَيانٌ و ترنّحتُ فارْتميتُ على سريري، و خَلَدْتُ للراحة. __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ __ صَحَوتُ على هَمْسِ اسْتغاثةٍ مُرَوِّعَةٍ و خِلْتُ تلكَ اللحمةَ بينَ الكتفِ والصّدرِ تَهمِسُ لي بِشيءٍ غرائبيٍّ فأعَرْتُها أذُناً صَمّاءَ إذْ كنتُ أصْغي للهَمْس. و لكنْ... ما هذا؟ يبدو أنني بِحاجةٍ لإسعاف. لا. أنا بحاجةٍ لأنْ أميلَ. مِلْتُ نحو الشباك تجذبني همساتُ الاِستغاثةِ. سِرْتُ لها كالملدوغِ الأخرفِ و إنّ لَبِها أنِسٌ أزْعَرُ يستميلُ كلّ َ هَلِعٍ مُرَوّعٍ، فلمّا شارفتُهُ صَفَعَني الذّعْرُ و كِدْتُ أقعُ في غيبوبةٍ لا أفيقُ منها إلّا على شيطانٍ رجيم. ابيضّتْ عينايَ لرؤيةِ مقبرةٍ من بعيدٍ، بأرماسِها الباليةِ، و تربتِها العَفِنَةِ، و عُتْمَتِها المُضَيّعَة. أدرتُ ظهري لأحلامِ اليقظةِ و بحثتُ عن ملاذٍ في أرجاءِ البيتِ و أسعفني كُرْسِيّ ٌ وُضِعَ عن يمينِ النافذةِ فارْتميتُ عليهِ أتخبّطُ في مآسي الحياةِ و أوهامِها. فرّ النومُ من عيني كفرارِ جُرَذٍ أسودَ بَشِعٍ مُرْتَعِدِ الفَرَائِصِ و إني لأحْلُمُ لا كما اعتَدْتُ في النومِ، و لكنْ أحلُمُ و أنا صاحٍ و في أتَمِّ قوايَ العقليّةِ مفتوحُ العينينِ و لكِنْ مهلاً فإنّ هذا يجعلني أحقِدُ. هناكَ حِقْدٌ دفينٌ، حِقْدٌ ما، حِقْدٌ أسود، حِقْدٌ و كفى ههههههه. أفكاري لا تنجو من براثنِ الأحلام. كُلّما راودتني جاءتْ هذهِ فزَيّفَتْها فأنفضُ رأسي بشِدّة عَلّي أطرحُ الخبيثَ و أبقي على الجيد المقبول. قمت من مَقْعَدي و ارْتميتُ على الفراش أنشُدُ النومَ و لم أرغب في التفكير بشيءٍ، لعلي أصاحب ملاكَ الراحةِ سريعا. مضت دقائقُ عِدّةٌ و الهدوءُ عميقٌ إلّا أنه انتابني شعورٌ عميقٌ بالكُرْهِ فذُعِرْتُ ذعراً شديداً و رَجَفتُ لِلَحظةٍ بهستيريةٍ عنيفة. أرهفتُ أذُني لِضَحِكاتٍ و هَمَسَاتٍ مريضةٍ، و بنظرةٍ غابَ لها سوادُ عيني حَدَجْتُ كلّ َ ما حولي و اسْتطعتُ أنْ أرْتئيَ رغم الدُمْسةِ الشاملةِِ ـ نياماً لا أيقاظاً ـ أفرادَ العائلةِ، فرداً فرداً، يتضاحكونَ و يتهامسونَ بصوتٍ ذي نبرةٍ آليّةٍ. ثم أصابَهُمُ الجمودُ التامّ ُ، إلا عيونُهُم، فهي تتحرّكُ في كلِّ اتِّجاهٍ، ثم جمدتْ و بقِيَتْ مُعَلّقَةً في السماءِ، يُحَدِّقونَ إلى نُقطة. يمكُثونَ كذلكَ لِحينٍ ثم تنفرِجُ أساريرُهُم و يتهامسون و يَقْشَعِرّونَ. صرت بحيث لا يرونني و أراهُم و أسمعُهم. بماذا يتسارّون؟ آه إنهم يتحدّثونَ عنّي و يشمَئِزّونَ من خِلْقَتي الشوهاء. من هؤلاء و ماذا يجري؟ ثم و بسرعةٍ انقلبَ همسُهم في أذُنَيّ َ صُراخاً و ما هو إلا هُنَيهَةً حتى بدأ شيءٌ كالعَدّ التنازلي و بدأتُ أموتُ ببُطء. في أذُنَيّ َ ثُقبانِ يتفاقمُ لهما جنوني و لا أشك في خبثِ ضِحْكاتٍ مِلْؤها الكرهُ لي. يا للليلةِ المجنونة. __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ _________ لقد تغيرت نظرةُ أهلي تجاهي، لم يعد في ذلكَ من شك، و بذلكَ لم يعد لي أهل. خسارتي فادحة في ضياعهم و أخشى أن أكونَ أضَعْتُهم للأبد. و إني لأنظرُ إليهِم عَلّ ملامِحَهُم تُنْبيني عن صِفاتِهِم، و لكنْ سُرْعانَ ما تَحَوّلتُ عنهُم إذْ هُم نيامٌ، ساكِنونَ، و إنّهُم لَيُحَمْلِقونَ، و إنْ نياماً، بالسّقفِ، مفتوحةً عُيونُهُم لا رِمْشَ لها، جامِدةً أرى بريقَها لانعِكاسِ ضوءِ القَمَرِ عليها، لا زالت شِفاهُهُم ترميني بالنِّبلِ، تَغتالُ براءَتي و إني لأرى زَبَداً يسيلُ على أطرافِ أفواهِهِم. ثم لمّا نظرتُ إليهم نظرةً أكثرَ تَفَحّصاً انْكَشَفَت لي حقيقةٌ عَفِنَةٌ مُتَفَسِّخَةٌ إذ عُيونُهُم بيضاءُ لا قَرْنيّةَ أو قُزَحِيّةَ لها و بَشَرَتُهُم تنكمِشُ فيما يُشْبِهُ انحِلالَ الجِّلْدِ الفُقاعي أو الخُناقَ العُقْبولي، يتلوهُ تمَزّقٌ و تساقُطُ رُقَعِ الجِّلْدِ و كُتَلٍ لحميةٍ فكأنّ عِظامَهُم ضَعُفَتْ عنْ أنْ تُمْسِكَ باللحمِ فإذا لُحُفُهُم حَمراءُ مِنَ الدماءِ فَصَفَعتُ نفسي عَلّني أستيقظ. __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ ______________ عدتُ إلى غرفتي و نظرتُ من النافذةِ: "أيّ ُ سكونٍ هذا و أيّ ُ عُتْمة!". ما استطعتُ أنْ أفكّرَ بشيءٍ فالصُورُ تتلاشى في مُخَيِّلَتي بِمُجَرّدِ ظُهُورِها، ما عدا صورَةً واحِدَةً فاضَتْ لها عَيْني مِنَ الدّمْعِ، تُمَثِّلُ روحاً هائِمةً حزينةً واقِفَةً أمامَ رَمْسٍ مفتوحٍ، كانتْ يوماً لشابٍّ وسيمٍ، ماتَ و ظَلّتْ روحُهُ واقِفَةً على قَبرِه. ما كِدْتُ أستديرُ حتّى انتابتني موجةُ حِقْدٍ و أسىً فقارَبْتُ أجَنّ. غلا ماءُ الدِّماغِ في رأسي و انْتَفَخَتْ أوداجي و بَلّلْتُ ثيابي. ما إنْ فَرَغْتُ من هذا الفِعْلِ الأخيرِ حتى رميتُُ أختي بنَظْرَةِ قَلَقٍ و جنون، ثم أسرعتُ إلى المطبخِ و قبضتُ على أكبرِ سِكِّينٍ و صَرَخَ الهَلَعُ و الجنونُ في وجهي. لمْ أرَ عَيْنَيّ المُنعكِستينِ في مرآةِ البَهْوِ فعُدْتُ أدراجي و استرأيتُ بالمرآة فهالني احمرارُ عَيْنَيّ فخُرْتُ و ضَعُفْتُ و كِدْتُ أعْدِلُ عمّا كنتُ أنوي عليه لولا قوّةٌ عجيبةٌ دفعتني دفعاً و هَمْسٌ لاورائيّ ٌ يُلِحّ ُ: "لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد". أكادُ أغرقُ في عَرَقي و لكِنْ هيهات. الهَمْسُ يُلِحّ ُ بِنفاذِ صبر أن هيّا هيّا. حَدّقتُ في قَمَرٍ أحمرَ أرجواني لمْ يلبثْ أنْ فقدَ هالتَهُ فحوّلتُ عنهُ نَظَري و وجّهْتُهُ نحوَ غرفةٍ صغيرةٍ مُعْتِمَةٍ فاستوقفني جسمٌ حلوٌ كامِلُ النّضْجِ مُسْتَلقٍ بأنُوثَةٍ ملائِكيّةٍ غنّى لهُ خَبَلي و تراقَصَتْ في مِحْجَرِها كُرَتي العَينيّة. اقتربتُ من أختي النائمةِ و أنا أرتجفُ خوفاً و الآخرُ يرتجفُ شوقاً لإتمامِ ما أنا \ هو فيه، ثم بعد ذلك قرّبتُ السكينَ و قد لمع نصله من حلقها و مكثت في تلك الحالة بِضْعَ دقائقٍ استعذتُ فيها من كل الشياطين و الجِّنِّ، ثم لما حان الوقت جعلت أتأمّل الفتاةَ كأحلى ما يتأمّلُ العُصفورُ الفضاءَ الواسعَ، و كأجملِ ما ترنوا الظِّباءُ الغديرَ و أجريتُ نَصْلَ السِّكينِ بقوّةٍ على حلقِها فتَفَجّرَ الدّمُ فغَطّيْتُ وجهَها و عُنُقَها بِمِخَدّةٍ لِأتفادى الدّمَ فانْتَفَضَتْ ثم سَكَنَتْ فَمَشيتُ في هُدوءٍ و اخْتبأتُ وراءَ الطاولةِ لا يبرحُني الجنونُ و الهَلَعُ و جعلتُ أرنوها باهْتِمامِ المَخبول. تحولَ اهتمامي بها إلى انتظارٍ مُريعٍ فحوّلتُ نظري إلى الشُبّاكِ عَلِّي أنتهي بِقَفْزة نوعية و لكِنْ سُرْعانَ ما حَوّلْتُهُ ثانيةً نحو الجّثّةِ الهامِدَة. رأيتُ أشياءَ بيضاً تَخرُجُ مِنْ أطرافِ الجسَدِ فما هيَ إلا أن اِجْتَمَعَتْ مُكَوِّنَةً صورةً بيضاءَ شفّافةً نُسخَةً مِنْ أختي، فكأنّ هذهِ اللحظةَ كانتْ المُنْتَظَرَةَ مُنذُ زَمَنٍ أفََهِيََ اللحْظَةُ الشافية؟ إنها بدون شك روح أختي تفارق الجسد. "مهلاً" صرخت في نفسي "لقد فهمت كل شيء". ثم أضاءني نورها الوهاجُ و سحرتني نظراتُها المتأمِّلةُ. يا إلهي... إنّ الروحَ قادرةٌ على كلِّ شيء! ليس بمقدوري إجبارُها على البقاءِ، فَلْأخرجْ بِسُرْعَةٍ فلا بُدّ أراها راحِلةً فأتْبَعُها. شيءٌ مُفزِعٌ ينتابني، فمِنْ أينَ لي أنْ أرى الأرواحَ ترقُصُ هنا و هناك؟ ليس شيئاً مهمّاً الآن طالما أقدمت على عملٍ أخلصتُ به لأختي و أسديت لها معروفاً لا أدري لمَ! قد تكون هي طلبت مني ذلك … هذا معقولٌ جدّاً. الروح تَفِرّ ُ من الشباكِ و سأخرجُ من البابِ فلا أدَعُ لها مَهْربا. خرجتُ من البيت... مجنوناً يَتَتَبّعُ روحاً... و لولا رؤيتي إياها لَفَقَدْتُ آخِرَ شيءٍ بقي من أختي. جرَيتُ بِذُهولٍ خلفَ روحِ أختي فإذا بها تتجه نحو كابوس طالما راودني (الكاتدرائية). __________________________________________________ __________________________________________________ __________________________________________________ ______ شرِبَ الجنون الأعمى آخر قطرة من ماء دماغي فضحِكتُ لشِدّةِ الجنونِ و لولا طاقتُهُ العجيبةُ لخَرَرْتُ مَيّتاً في مكاني؛ فكُرَتايَ العَيْنيّتانِ خَرَجَتا عن المِحْجَرَينِ فصِرتُ جاحِظاً مُريعَ الجُحوظِ ، تَضَخّمَ شِرياناها حتى تلَوَنا بلونِ الدمِ و تلوّنتْ الحَدَقَتانِ بالصُفْرَة. ظهرت على وجهي تجاعيدُ المُسِنِّينَ و تَضَخّمَ لساني فيما يُشبِهُ الوَرَمَ المُسْتَفْحِلَ لدرجةِ أنهُ خرجَ من فمي بشكلٍ مُقَزِّز. بقايا آثارِ دماءٍ لا زالتْ تُلَطِّخُ قميصي و لو استعملتُ المِخَدّةَ في للحظةِ المناسبةِ لما حملت آثارَ الفِعلةِ الشنيعة. لوجهي مظهرٌ مُرعِبٌ لو يوصف. و لكن ملامحُ المجنونِ تُضْفي عليهِ شيئاً من حيويةٍ لم يزلْ يَتّصِف بها و إنْ مسحت عنه تعابيرَ البراءةِ المفقودة. لمْ أضعْ وقتاً في تجَرّعِ حسرتي و لمْ يكنْ من مانعٍ لدخولي المبنى و قد دَخَلَتْهُ الأختُ العزيزةُ بأجملِ ما بها: بروحِها. دَخَلْتُهُ ركضاً و قد استعدتُ كل مشاهد الماضي المؤلمة. إني أسلك طريقاًً سَلَكْتُهُ في الماضي: البَهْوَ الكبيرَ، فالمداخلَ المُزركشةَ، فالسراديبَ عريضَها و ضيِّقَها، فالغُرَفَ المُعْتِمَةَ الصغيرةَ ذواتِ البابينِ و الثلاثةِ أبوابٍ، فالأدراجَ الصاعِدَةَ و الهابطَةَ، فالمسالكَ الضّيّقَةَ الحاويةَ على الشَمْعَداناتِ، و عِشتُ مجدّداً حالةَ الضياعِ و الفَزَعِ عبرَ متاهاتٍ لا يُعْرَفُ لها آخِرٌ و بعد ذلك أنتهي دائماً، و بشكلٍ مُخيفٍ، إلى ساحةٍ باردةٍ ترابُها عَفِنٌ تملؤها الرماسُ البائدةُ و النباتاتُ الميّتَةُ. لقد صرتُ في مقبرةٍ لا أستوعبُ شكلَها و إنّ الحادِثَةَ لَتَقَعُ من جديدٍ حتى لَأتساءَلَ إنْ كانَ هذا كلّهُ ينتمي ببساطةٍ لِكابوسٍ مُتَجَدِّدٍ باستمرار. توقّفَتْ روحُ أختي فجأةً و راحتْ تبحثُ بعينينِ ملائِكيّتينِ بين الأجداثِ و اخْتَبأتُ خلفَ قبرٍ عليه حجرة، أراقِبُها بِعَيني المخبولِ الفَرِح. ألقتِ الروحُ نظرةً على جدثٍ عن يميني فجعلَ الجدثُ ينفتحُ شيئاً فشيئاً فَزَحَفْتُ من هلَعي و بحثتُ لي عن مكانٍ آمنٍ بعيداً عن ذاكَ الرّمْسِ، دونَ أنْ أحَوّلَ نظري عنهُ. ظهرَ بخارٌ أزرقُ بدأ بالتصاعُدِ و التكاثُفِ ثم بدأ يَشِفّ ُ حتى ابْيَضّ َو اتّخَذَ هيئَةَ روحِ شابّ. رقص الروحانِ بِعَصَبِيّةٍ ثم تمايلا بلُطْفٍ و اقتربا من بعضِهما البعضِ، يتناظرانِ في هِيامٍ حيناً و يَذرِفانِ دُموعاً مِنْ ذَهَبٍ و عَقيقٍ حيناً آخَرَ. و بِحَركاتٍ من اللسانِ المُفَضّضِّ و العينِ الزَبَرْجَدِيّةِ يُعَبِّرانِ عن سُخْطٍ و فَرَحٍ و حُزْنٍ و ضِيقٍ في آن ثم كأنّهُما يسْرَحانِ لِبِضْعِ دَقائِقٍ بِأفكارِهما بعيداً و كأنّ الأفكارَ تَسْتَغْرِقْهُما لِيَرْجِعا إلى لهْوِهِما في طَرْفَةِ عَيْن ثم يَخْتِمانِ رَقْصَتَهُما بِلَثْمَةٍ عنيفة. اِشْتَدّ وجيبُ قلبي حتى خِلْتُهُ قَرْعَ نواقيسٍ و ازْدادَ جُحُوظُ عَيْنَيّ َ حتى أوشكَ حشوُ رأسي من أعصابٍ ونحوِها أنْ يفارِقَ الجُمْجُمَةَ. عَرَفْتُ أنّها اللحظةُ التي سَتقَعُ نَظَرَاتُهُما عليّ، فَزَحَفْتُ نحوَ ما ظَنَنْتُ أنّهُ المَخْرَجُ فصِرْتُ مُجَدّداً في الدّوّامةِ و جريتُ عَلَى غَيْرِ هُدىً و اجْتَزْتُ سراديبَ فأقْبيَةً فسراديبَ فأقْبيَةً فسراديبَ أتَخَبّطُ في ظلامٍ حالِكٍ رُبّما دقائقاً أو ساعاتٍ أو أياماً أو شُهوراًً ثمّ لَفَظَتْني فجأةً الكنيسةُ فَوَجَدْتُني أفْتَرِشُ أسْفَلتَ الشارعِ العام. لقدْ جُنِنْتُ تماماً فقُمْتُ في غَثَيانٍ و مشيتُ مُتَرَنّحاً هائِماً على وجهي ثُمّ اخْتَفَيْتُ في الظلامِ الحالك.
الرد باقتباس
وصلات دعم الموقع
الرد على الموضوع


خيارات الموضوع

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة موضوع جديد
لا يمكنك الرد على المواضيع
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

كود vB متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML مغلق
إنتقل إلى


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة. الساعة الآن » 16:24.


خرید کریو
Powered by vBulletin® Version 3.6.8 COMBO
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Copyright ©1999 - 2011, Alsayra.Com
جميع الآراء والتعليقات المطروحة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي للصايرة بل تمثل وجهة نظر كاتبها

المنتدى محمي بواسطة ابعاد المعلومات

هذا المنتدى يستخدم الكمبو المطوّر