منتديات الصايرة
 

عـودة للخلف   منتديات الصايرة المنتديات الأدبيــة منتدى القصة و الرواية
التسجيل المساعدة القوانين قائمة الأعضاء التقويم تعليم الأقسام كمقروءة


الرد على الموضوع اضف موضوع جديد
 
خيارات الموضوع
  #101  
قديم 09-02-2016, 10:57
أم فرحي أم فرحي غير متصل
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jan 2016
مشاركة: 105
أم فرحي is on a distinguished road
الافتراضي رد : رواية التاج المفقود/ تأليف سعد فهيد العجمي

- "انظروا!"
صاح عليّ وهو يرينا قصاصة جريدة -لا أعرف من أين أتى بها- تناولت نظارتي الطبيّة ووضعتها على عيني؛ لأقرأ مقالة فيها حديث مع سجين خليجيّ، صادف بعض الأسرى الكويتيين في سرداب يقبع تحت مبنى الإذاعة، لكنّ المعلومة الأكثر إثارة أنّ ذلك السجين سار في سرداب سرّي طوله ستة كيلومترات؛ ليصل إلى قرية مجاورة!
قال مصطفى بحماس:
- "فلنذهب إذن؟"
اقترح عليّ:
- "ألا ننتظر بزوغ الفجر؟"
قلت بتصميم:
- "لا يوجد لدينا وقت! فلنذهب يا رفاق!"
لا مفرّ! لم يرغب أحد في مساعدتنا؛ فالكل يقوم بوصمنا بالخيانة.. في تلك القرية قال أحدهم:
- " لم يعد ذلك السرداب سرًا؛ فقد كشفنا أمره بعد سقوط نظام صدّام!"
سألته:
- "وماذا عمَّن بداخله من أسرى؟"
قدّم الرجل الكريم الشاي لنا، وهو يقول:
- " لم نرَ أحدًا!"
لم يكن لدينا صبر للتوقّف، ولا لتناول أيّ شيء، هرعنا جميعًا إلى داخل السرداب.. لهفتنا تسبق أقدامنا، وأشواقنا تسابق دموعنا.. لم نكن نعلم أهي دموع فرحة أم دموع ألم انتظار، وعذابات أشهر طويلة! كانت رائحة العطن تملأ المكان، ونحن نهبط عبر سلّم قديم ضيّق.. تخفق القلوب، ويتسارع النبض متواترًا بلا رحمة.. هنا أحبتنا يقبعون في هذه الظلمات!
تباطأ مصطفى من رهبة الموقف؛ لابد أنّه خائف من رؤية والده في الأغلال! سرقتنا أحلام اليقظة ونحن نتقدم، حتى وصلنا السرداب القابع تحت مستوى الأرض إلا قليلًا.. الظلام يسود المكان، وإلى أن اعتادت أعيننا العتمة.. بدأنا نميز ما فيه.. لم يكن هناك أحد!
فقط الوحشة والظلمة.. وجدران قديمة قاتمة؛ امتلأت بخربشات آلامهم.. بحبر من دمائهم!
سيطر الخوف الممزوج بالغضب والصدمة علينا!
- "لقد خدعنا هاشم مجددًا"
قالها مصطفى بغضب عارم؛ وهو يضرب قبضته في الجدار، كنتُ أتأمّل المكان ببطء:
- "كان هناك أناس منذ زمن قريب!"
قلتها وأنا أتفحص المكان..

( للعذاب رائحة تنغمس في الصميم؛ لا يدرك طعمها إلا من عاناه!)
ثمّة ثقوب في الجدران؛ تتسلّل منها بخجل بقايا أشعة الشمس، ومن بين بقع الدماء والألم، وأثار التعذيب الملطّخة على الجدران، بدت خيوط الشمس كنجوم تتراقص في سماء بعيدة؛ تنير لهم طريق الحرية التي انتظروها طويلًا، وهي تنساب من خلال الثقوب الصغيرة؛ كجواهر تتلألأ فتمزّق ستائر العتمة، وتخفّف قليلًا من وحشة الصدور الغارقة في أحزانها الطويلة!

كما لو كانت.. جواهر من نور!
***
الرد باقتباس
وصلات دعم الموقع
  #102  
قديم 10-02-2016, 14:13
أم فرحي أم فرحي غير متصل
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jan 2016
مشاركة: 105
أم فرحي is on a distinguished road
الافتراضي رد : رواية التاج المفقود/ تأليف سعد فهيد العجمي

غادرنا المكان بحزن يرهق كواهلنا؛ جلسنا متجاورين في صفّ واحد، أنظارنا تعانق الأفق البعيد، ووجع الخيبة يجثم على صدورنا؛ فجأة أجهش مصطفى بالبكاء وهو يردّد:
- "أين أنت يا أبي؟!".
بعد الفجر بدأنا نجمع معلومات عن حقيقة السرداب، وإن كان أحد يعرف حقيقة ما جرى هناك، وفى نهاية المطاف وصلنا لحارس سابق للسجن.. رجل يجلس إلى جدار قديم بملابس رثّة، ويحدّق بين الفينة والأخرى إلى السماء بشكل غريب، قال وهو يشير إلى تلّة قريبة:
- "رأيتهم والقوات العراقية تقودهم لأعلى التل، ثم ...."
سأله مصطفى بلهفة:
- "ثمّ ماذا؟"
أجابه الرجل:
- "ثمّ تقوم بإعدامهم!"
- "هل أنت متأكد؟"
- "لقد كنتُ حارسًا لذلك الجحيم؛ ورأيتهم بعيني"
اعتصرت قلبي قبضة ألم خانقة! إنّها النهاية التي كنتُ أتوقعها؛ منذ شممتُ رائحة الموت والحزن في السرداب!
فجأة! شرع الرجل في البكاء بهستيريا:
- "لم أكن قاتلهم؛ لكني ساعدتُ على قتلهم بصمتي وجبني"
انتبه مصطفى فقال بلهفة:
- "لكن هل أنت متأكد من كونهم من نقصد؟"
رمقنا بعينين مليئتين بالدموع:
- "لا أعرف إن كانوا هم أم لا.. أيًا كانوا فدمهم في رقبتي!"
ربتُّ على كتفه لأمنحه بعض الهدوء:
- "صف لي ما حدث؟"
- "كانت أيديهم مقيّدة من الخلف، ووجّهوا أسلحتهم لمؤخرات أعناقهم! رصاصة واحدة؛ كانت كافية لقتل كلّ واحد منهم!"
جذبه مصطفى من ذراعه، وهو يخرج من جيبه صورة لأبيه:
- "هل رأيت هذا الرجل من قبل؟ أخبرني!"
حذا عليّ حذوه؛ فأخرج صورة لأخيه راشد، وقرّبها من عيني الرجل:
- "وهذا الشاب أيضًا، هل رأيته من قبل؟ أرجوك تذكر!"
بدت الحيرة على وجه الحارس، وقال:
- "لا أذكر! لستُ متأكدًا"
ارتسم الإحباط من جديد على وجه مصطفى وعليّ! وصلت أمّ الرجل فجأة؛ وسحبته من ذراعه بعيدًا وهي تقول:
- "اتركونا في حالنا! لقد فقد ابني عقله في ذلك الجحيم! دعونا وشأننا!"
***
الرد باقتباس
  #103  
قديم 10-02-2016, 14:15
أم فرحي أم فرحي غير متصل
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jan 2016
مشاركة: 105
أم فرحي is on a distinguished road
الافتراضي رد : رواية التاج المفقود/ تأليف سعد فهيد العجمي

وصلتنا الأخبار بأن الجيش الأمريكي قبض على الإرهابيين، ومشّط السرداب بالكامل ولم يجد أحدًا!
فجأة ظهر رجل مقطوع اليدين وقال:
- "اتبعوني"
تبعناه بلهفة وهو يصعد التلة، وقف عند نقطة معينة، وقال وهو يشير للأرض:
- "إنّهم هنا! تحت الأرض!"
تذكرتُ قول هاشم الوغد؛ عندما قال بأن الأسرى ليسوا في حاجة إلينا! الآن فهمت قصده!
حقًا ما عادوا بحاجة إلى البشر الأحياء؛ فقد قضوا!
كان من الممكن أن يخبرنا بالحقيقة، لكنه لم يفعل ولم أفهم قصده، ربما كان يشعر بالخجل من جرائمه، أو ربما قصد إتعابنا و إصابتنا بالحيرة، والتلاعب بنا! قلت بصوت مخنوق بين الحزن والتعب:
- "أعتقد أنّ المهمة قد انتهت!"
قال مصطفى معترضًا:
- "هل ستصدّق هذا المجنون؟"
قلت باستسلام:
- "اثنان يؤكدان بأنّ ثمة من أُعدم!"
- "ومن أدرانا أنّهم هم المقصودون؟"
قلت بعد تردّد:
- "أشعر أنّهم هم!"
رمقني مصطفى باستغراب؛ فقلت:
- "لقد اكتشفوا مقبرة جماعية في السماوة!"
هوى مصطفى على ركبتيه يائسًا، وكأنّ قدميه ما عادتا تحملانه! بدا الإعياء عليه حقًا؛ بعد ساعات طويلة من الصبر والعناد والتصميم.. هالني انهياره المفاجئ.. ولم أعد أطيق صبرًا؛ فتركتُ العنان لدموعي أخيرًا.
الرد باقتباس
  #104  
قديم 10-02-2016, 14:18
أم فرحي أم فرحي غير متصل
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jan 2016
مشاركة: 105
أم فرحي is on a distinguished road
الافتراضي رد : رواية التاج المفقود/ تأليف سعد فهيد العجمي

كانت الشمس قد بدأت تميل للرحيل عنا.. قرصها الأحمر يذكرني بلون الدّم في السرداب، وتغوص في أعماقي تلك الصور الكئيبة.
بدأنا نتهيأ للعودة ونحن نجرجر أذيال الخيبة.. اتّجهوا إلى السيارات، كلٌّ يحمل وجعه بين جنبيه، الغريب في الأمر وما أزعجني حقًا؛ أنّ عليّا لم يهتزّ له جفن، بعد ذلك الحماس وتلك اللهفة للتوصل لمعرفة مصير أخيه راشد، بل قال فجأة وهو يقلب شفته السفلى:
- "حزن مصطفى مصطنع ومبالغ فيه جدًا! لا أفهم علامَ كلّ هذا العويل؟!"
ذهلت! كنت لا أزال متوترًا مما حدث فلم أصدّق ما أسمع! صحت بغضب وأنا أحملق فيه بشدّة:
- " كفاك جحودًا! لم تنزل منك دمعة واحدة؛ لمنظر مآسٍ تهتزّ لها الرجال!"
انقلبت ملامحه فجأة؛ اختفت سمة الحزن، وببرود قاتل تساءل:
-" رويدك لم كل هذا الانفعال!؟ فعلت ما بوسعي ولم أفلح في شيء، كل إنسان ينال نصيبه من هذه الدنيا، وراشد قد شبع منها!"
بدأ نبضي يزداد وأنفاسي تتسارع، تداخلت في مسامعي أوركسترا الدخول الى الجنة؛ لتصف ما يجيش بقلبي، تسمّرت حدقتا عيني وأنا أصرخ فيه بجنون:
-"ماذا؟! ماذا أسمع؟ أتشمت في أخيك؟"
تعالت أصوات الكورال مع صوت علي؛ وهو يبتعد بظهره إلى الوراء، ويردّد:
- "لم أصدّق أني ارتحت من تأنيب الضمير! أتريدني أن أحاسب نفسي كلّ العمر عن غيابه؟"
أغمضت عيني، ورفعت رأسي عاليًا الى السماء؛ أتنسّم أنغامًا تطفئ غيظي:
- "أيّها المأفون! أيؤنّبك ضميرك حقًا؟ هل تملك هذا الضمير!؟"
توقّف بغتة، كانت النيران تخرج من فِيهِ وتشتعل حولي، وهو يصرخ بنبرات حاقدة:
- "لا، ولا أريد له أن يعذّبني؛ كما عذّبني الجميع؛ فليذهب راشد بلا عودة! لن أفني عمري لإرضائكم؛ اذهبوا جميعًا إلى الجحيم! ليتك قُتلت في انفجار ذلك اللغم!"
ملأني كلامه قهرًا! أيقنت أنّه هو الذي كان يشي بنا طوال الرحلة! لحقت به بلا وعي؛ أَودُّ الأخذ بتلابيبه:
- "أيّها الوغد الجبان! تتمنّى موتنا ونحن في مهمّة إنسانية؟"
فجأة توقف! وراح يدور حولي في دائرة واسعة؛ مثيرًا الغبار والأتربة حوله، وهو يصيح بتشفٍّ:
- "أتمنى لو قضوا عليكم جميعًا! كان غباء منهم ألا يحدّدوا التوقيت المناسب؛ مع أنّي أخبرتهم بدقّة!"
- "أوقعتَ بنا أيّها التعس!"
خالط صوت الكورال المتحمّس صوت عليّ، وتوالت اعترافات أذهلتني؛ وهو يصرخ بشكل هستيري:
- "راشد كان غبيًا.. صدّقني وذهب لينقذني.. فأخذوه! طلبته في الهاتف.. صرخت بخوف: أنقذني يا راشد أنا في ورطة .. حضر بسرعة.. إنّه غبي فهو دائمًا يصدقني! انسحبت أنا ووقع هو.. أخذوه معهم!"
قهقه بأعلى صوته:
- ذهب راشد؛ وبقي والدي وحيدًا!"
كان يواصل دورانه حولي، بدأت الدنيا تدور بي؛ والدماء تصعد إلى رأسي بقوة:
- "لا أصدّق ما أسمع!"
صاح بصوت أعلى.. تعالت الأصوات وهو يدور، ويكمل تفاصيل مكيدته:
- "وخالد كان أشدّ غباءً.. أحبَّ الفتاة الجميلة أميرة.. كنتُ أولى بها منه، أنا من ساعده في زواجه.. أتسمع؟ أنا ساعدته.. وأنا حرمته منها.. قتلتها الصور!"
عجزت حتى عن الكلام! كان بودي لو أمسك بخناقه، لكنّي لم أنَل منه.. سارع بالجري رافعًا ذراعيه باتجاه قرص الشمس الأحمر؛ والنيران تزداد توهجًا، وهو يقهقه بجنون:
- "كلّكم عاجزون! أنا فقط .. أنا أفعل ما أريد!"
ظلّ يجري.. ويجري أمامي باتجاه الشمس، وبقايا أشعتها الباهتة تحيط به وتسحبه إليها؛ حتى اختفى بين ثناياها!

(يا إلهي! أجئتُ في رحلة البحث عن الأسرى حاملاً معي حقيبة الكراهية هذه؟!)

بدأت أعصابي تتآكل قهرًا! سقطت على الأرض أمام نيران عليّ.. وهي تتفجّر في السماء!

خلف الأفق.. هناك.. حيث غابت شمس ذلك اليوم، كما غاب عليّ.. انهارت كل أحلامي!
***
الرد باقتباس
  #105  
قديم 10-02-2016, 14:26
أم فرحي أم فرحي غير متصل
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jan 2016
مشاركة: 105
أم فرحي is on a distinguished road
الافتراضي رد : رواية التاج المفقود/ تأليف سعد فهيد العجمي

(( الأعزّاء الراحلون: سامحونا!
لكم من قلبي كل محبّة وسلام، إلى أن نلتقي مرة أخرى في العالم الآخر!))
***
أمضيت سنوات شبابي محاولًا جمع جواهر تاج أكلّل به هامتي.
في مطلع شبابي بدأت مشواري مع مستورة المشعوذة.
وتابعته مع ياسر الانتهازي، ثمّ مع الصحافة الموجهة.
وأكملت رحلة الهروب مع كويتنا الحبيب في أزمته العصيبة.
وركنت إلى التدين بكل مظاهره؛ حين اضطرتني مصلحتي إليه.
وأخيرًا ..
كدت ألمس النجوم؛ بتحقيق أعظم مهمة إنسانية يمكن لإنسان أن يساهم فيها..
ولكن ...
كان ينفرط عقد تاجي في كل محاولة.. قبل أن أتقلّده!

"جاسم سلطان غريب ".

***
تمت بحمد الله

Ω"م. سعد فهيد العجمي"Ω
الكويت 2015
الرد باقتباس
الرد على الموضوع


خيارات الموضوع

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة موضوع جديد
لا يمكنك الرد على المواضيع
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

كود vB متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML مغلق
إنتقل إلى


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة. الساعة الآن » 08:12.


خرید کریو
Powered by vBulletin® Version 3.6.8 COMBO
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Copyright ©1999 - 2011, Alsayra.Com
جميع الآراء والتعليقات المطروحة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي للصايرة بل تمثل وجهة نظر كاتبها

المنتدى محمي بواسطة ابعاد المعلومات

هذا المنتدى يستخدم الكمبو المطوّر