PDA

مشاهدة نسخة كاملة : رسائل الأحزان في فلسفة الجمال والحب


السـ عبدالله ــاهر
03-01-2002, 17:59
السلام عليكم
ارجوا منكم التمعن والصبر في قراءة هذه السطور لما فيها من فلسفة كتابة رسائل الحب الجميلة وأتمنى من الله ان تنال على اعجابكم
-------------------------------------------

كان لي صديق خلطته بنفسي زمناً طويلاً وكنت أعرفه معرفة الرأي كأنه شئ في عقلي ، ومعرفة القلب كأنه شئ في دمي . ثم وقع فيما شاء الله من أمور دنياه حتى نسيني ، وطار على وجهه حتى غاب عن بصري ، والتفت عليه مذاهبه فما يقع إلى من ناحيته خبر ، وأمتد بيني وبينه حول كامل خلا من شخصه وامتلأ من الفكر فيه .
وطلعت الشمس يوماً في غيم (......) من سنة 1994هـ فأحسست قلبي من الذعر كالطائر ينفض ندى جناحيه في أشعتها ، ولم تكد ترتفع وتتلألأ حتى وافى البريد يحمل إلي خطه وإذا فيه :

ياعزيزي الحبيب !
فقدتني زمناً إن يكن في قلبك منه وخزة ففي قلبي منه كحز السيف ، لم أنسك نسيان الجحود وإن كنت لم أذكر ذكرى الوفاء فأبعث إليك بخبر يترجم عني ،
إذا كنت في سجنٍ وأنا الساعة منطلق منه . لا تجزع ولا تحسبنه سجن الحكومة ..... إن هو إلا سجن عينين ذابلتين كان قلبي المسكين يتمرغ في أشعة الحاظهما كما يكون المقضئ عليه إذا أحاطت به السيوف وجعل بريقها يتخاطف معاني الحياة من روحه قبل أن يخطف هذه الروح . بل سجن فكري الذي ابتليت به وبخياله معاً فلا يزال واحد منهما يبالغ في إدراك الجمال والآخر يبالغ في تقديره حتى تكاد تطلع نفسي من نواحيها لكثرة ما يسرفان عليهما كما يريد الأطفال أن يملأوا القدح ليستفيض لا ليمتلئ ،وليرسل الماء لا ليمسكه ، فلو أنهم صبوا فيه ملء بحرٍ بأمواجه لجرى البحر من حافة قدحٍ صغير .
ماأحسبني قط رأيت أمرأة جميلة كما هي في نفسها وتركتها كما هي في نفسها بل هناك نفسي . وآهٍ من نفسي . وما أسرع ما يمتزج في هذه النفس بعض الأنسانية المحبة ببعض الإنسانية المحبوبة فإذا أنا بشئ إلهي قد خرج لي من الإنسانيتين .
هو هذا الشعر ، هو هذا البلاء ، هو هذا الحب .
فررت منك ومن سواك ياعزيزي مُصيف إلى امرأةٍ كالتي جعلت آدم يفر حتى من الجنة ومن الملائكة ، وقد يكون اتصال رجل واحدٍ بامرأةٍ واحدةٍ كافياً أحياناً لتكوين عالمٍ كاملٍ يسبح في فلكٍ وحده .
عالم مسحور ، في فلكٍ مسحور، لا يخضع إلا لجاذبية السحر ، ولا يعرف إلا تهاويل السحر .
على أنك لم تفقد مني في هذه السنة إلا بضعة كتبٍ وكلاماً كنا نترسل به وليس فيه إلا الحبر ، فسأرد عليك من ذلك كتب سنوات وأعوضك برسائلي كلاماً فيه دمع العين ودم القلب . فقدتني صديقاً يهز يديك بتحية والآن أعود إليك شاعراً يهز قلبك بأنينه . فقدتني شخصاً وسأرجع إليك كتاباً .

أما أنت فأكتب لي رجع كل رسالةٍ من قلبي واذكر لي موقعها من نفسك وكيف كان دبيبها أو طيرانها عندك ، فإني راميك بأسهم لا قاصرات عن قلبك تنزل دونه ولا زائداتٍ تمر عليه وتتجاوزه ، بل مسدداتٍ يقعن فيه .
وأرجو ، عافاك الله ، أن لا تتطلع في قلمي بنقدٍ أو أعتراضٍ أو تعقيب بل دعني وما أكتبه فإن لكل شئٍ طرفين وإن طرفي الجمال هما الحب والبغض ، ورسائلي هذه ستأتيك بالجمال من طرفيه ، فلقد والله أحببت حتى أبغضت ، ولقد والله يضجر العمل السامي إذا أصاب غير موضعه كما يضجر العمل السافل إذا نزل في موضعه .
ومتى انقطع هذا المدد المتلاحق من كتبي فاجمع الرسائل وقدم لها كلمة بقلمك وسمها (( رسائل الأحزان )) ، إنها كانت عواطف ثارت وقتاً ما ليحدث منها تاريخ وسكنت بعد ذلك ليحدث منها شعر وكتابة .
فإن نجتمع بعد نظرنا فيها معاً وقرأتها عيناك لقلبي ، وإن ارتاح الله لي برحمته رفت عليها روحي فأسمع صوتك في الغيب سرسل إلى هذه الروح تحية من أنغام قلبها الميت .
صديقك...........)

السـ عبدالله ــاهر
03-01-2002, 18:04
تابع


وجعلت رسائل الصديق تترادف إلي مسهبةً ضافية ، تقطر فيها نفسه كما ترسل السحابة المنتشرة قطرات انعقدت وانحلت . ثم جعلت نفسه تنطوي على نأي حبيبته وأشتد عليه أمرها ثم أسهل وانقاد ، واعتادها عنها بعد أن ملأت نفسه.
أما هذا الصديق فأعرفه أسلوباً من الكبر ولكن على نفسه ، ومن الشذوذ ولكن في نفسه ، كأنما فتحت أفواه عروقه جنيناً ولأتها الوراثة من دم ملك كان في أجداده . مستصعب شديد المراس فهو أبداً في حياته كالملك الذي حالت السيوف والأسنة والقوانين بينه وبين تاجه ، فجعلت له حياتين يفصل الموت بينهما ، اجتمع من تاريخه إنسان بلغ الزمن تحت عينيه نيفاً وأربعين سنة ، فهو تاريخ أحزانٍ قد استفاضت مسائله في فصول وأبواب جف القلم منها على نيف وأربعين جزءاً ، كلماتها في حوادثها ، وأن السطر منها ليرعد في صحيفته من الغيظ ، وأن الكلمة لتبكي بكاءً يرى ، وأن الحرف ليءن أنياً يُسمع ، وأن تاريخه كله لينتفض لأنه مصيبة ملكية مصورة في ملك .
لقد سبق الكتاب وجف القلم الأزلي على علم الله ، فما أتينا إلى هذه الدنيا إلا ليمثل كل واحدٍ منا فصلاً من معاني الشقاء الإنساني في تلك الثياب التي هي ملك لصاحب المسرح ، لا نخلعها ونلبسها بل يخلعنا بعضُها ليلبسنا بعضها الآخر . فلسنا نبتدع ولكن يلقى علينا ، وما نحن بمخترعين ولكننا نحتذي ، والرواية موضوعة تامة قبل ممثليها . وصعها ذلك القلم الأعلى الذي كتب مقادير كل شئ كان أو يكون حتى تمحى من صفحة الأرض هذه الأحرف السوداء المتحركة والساكنة .......
والمشكلة الأنسانية الكبرى أن كل إنسان يريد أن يكون بطل الرواية ومثلها البكر ، حتى ذلك الشخص الذي جي لتنزل عليه اللعنة في سياقها . غير أن الرواية مفصلة من قبل ، ويأتي فصل اللعنة كما هو بأطرافه وحواشيه وأسبابه ونتائجه فينصب على ممثله جملة واحدة على وجه لا يحس ولا يرى ولا يدفع كما يلبسه النوم ، فإذا هههو يفتل فيه فتلاً ، وإذا رجل على أعين الناس باللعنة حال وباللعنة مرتحل .
النوم والقدر والموت كالشئ الواحد أو ثلاثتها أجزاء لشئ واحد ، فالنوم غفلة تخرج الحي هنيهة من الحياة وهو فيها على حالةٍ أخرى ، والموت غفلة تخرجه من الحياة كلها إلى حالة أخرى ، والقدر منزلة بين المنزلتين يقع هيناً على أهل السعادة بأسلوب النوم ، ويجئ لأهل الشقاء عنيفاً في أسلوب الموت ، ولن يجلب شيئاً أو يدفع عن نفسه شيئاً من هذه الثلاثة إلا الذي لم يخلق على الأرض . ذلك الذي يستطيع أن يفتح عينيه على الليل والنهار فلا ينام ، أو يحفظ نفسه على الصغر والكبر فلا يموت ، أو يضرب بيديه على مدار الفلك فيمسكه ماشاء أو يرسله .
جئنا إلى هذه الحياة غير مخيرين ونذهب غير مخيرين أن طوعاً وإن كرهاً ، فمد يدك بالرضا والمتابعة للأقدار أو انزعها إن شئت فإنك على الطاعة ما أنت على الكره ، وعلى الرضا ماأنت على الغضب ، ولن تعرف في مذاهب القدر إذا أنت أقبلت أو أدبرت أي وجهيك هو الوجه ، فقد تكون مقبلاً والمنفعة من ورائك أو مدبراً والمنفعة أمامك ، والقدر مع ذلك يرمي بك في الجهتين أيهما شاء .
وحري بمن يوقن أنه لم يولد بذاته أن لا يشك في أنه لم يولد لذاته ، وإنما هي الغاية المقدورة المتعينة ، فلا الخلق يتركونك لنفسك ، ولا الخالق تارك نفسك لك.
كذلك كان صديقي وما هو إلا إنسان من الناس ، وقد بلغ من العمر أربعة عقود ولكنه يحس منذ الصغر أنه رجل هرم أو كما يقول بعض الفلاسفة في تعليل ذكاء الأذكياء أنهم يتذكرون ما يرونهولا يتعلمونه لأن فيهم نفوساً خرجت من الدنيا كاملة ثم رجعت لتزداد كمالاً . وتلك خرافة ، ولكن من نقص هذا الإنسان أنه لا يستطيع التعبير عن أكبر الحقائق وأدقها إلا بأسلوب خرافي .......
قال لي هذا الصديق يوماً : إني بلغت أربعة عقود ولكنها فيما عانيت كأنما تضاعفت إلى أربعين عقداً ، وقد انتهيت من دهري إلى السن التي ينقلب فيها الآدمي من وفرة القوة ليثاً ويرجع من قوة الحكمة نبياً ، ويعود من تمام العقل إنساناً . غير أن هذه الأربعين بما تعاورت على قد هدم في بعضها بعضاً ، فإن أكن بناءً فذلك صرح ممرد عمل فيه أربعون معولاً فما أبقت حجراً على حجر ،
وإن أكن حومة فقد اعترك فيها للأقدار أربعون جيشاً فما تؤرخ بنصر ولا هزيمة . ياويلتا من هذه الدنيا . إن مصيبة كل رجل فيها حين يصير رجلاً أنه كان فيها طفلاً وما علم أنه كان طفلاً .
تلك حياة الصديق وكانت ليلاً طويلاً انبسط عليه فنن من الظلام كأنه مورق بالسحب والغمائم السوداء لا ينقشع بعضها عن بعض حتى كأن صباحه مات فيها أربعين سنة ثم أنبعث آخر من وجه فتاةٍ أحبها فأشرق له من غرتها واستضاء عليه في وجهها وطلعت شمس حبه من خد يها حمراء في لون الورد إذا امتزجت أشعتها بظلماته .
ويؤخذ من رسائله أن صاحبته كانت من قوة الجاذبية كأنها كوكب جذب منه كوكباً آخر ، ومن فتنة الحسن كأنها رسالة إلهية إلى هذه الأرض بل إليه وحده في هذه الأرض . أدارتها هذه الحياة وأدارتها ليجئ موضعه إلى جانبها فكأنما أدارت منه فلكاً عاتياً لا يتزحز إلا بعد أربعين سنة كاملة .....

السـ عبدالله ــاهر
03-01-2002, 18:08
الأخيرة

رجل وأمرأة كأنما كانا ذرتين متجاورتين في طينة الخلق الأزلية ، وخرجتا من يد الله معاً . هي بروعتها ودلالها وسحرها وهو بأحزانه وقوته وفلسفته ، فكان منهما شئ إلى شئ كما توضع زجاجة الحبر الأسود إلى جانب يتيمة من الألماس أجيد نحتها وصقلها ، وتكسر على جوانبها شعاع الشمس فإذا هي من كل جهة ثغر يتلألأ ، وإذا بالزجاجة ، ولو على المجاز (( الماس أسود )) .
كانا في الحب جزءين من تاريخ واحدٍ نشر منه مانشر ، وطوى ماطواه ، على أنها كانت له فيما أرى كملك الوحي للأنبياء ورأى في وجهها من النور والصفاء ما جعلها بين عينيه وبين فلك المعاني السامية كمرآة المرصد السماوي ، فكل مافي رسائله من البييان والإشراق هو نفسها ، وكل ما فيها من ظلمات الحزن هو نفسه .
هدمت الأقدار هذا الصديق حتى انحط كل مافيه من العزم والقوة ، فجاءت (( هي )) تبنيه وتشد منه ، وترمم بعض نواحيه المتداعية ، وتقيمه بسحرها بناءً جديداً ، وتحفت به عنايتها زمناً حتى صلح على ذلك شيئاً ، فأيسرت روحه من فقرها إلى الجمال والحب . ويقول صديقي : (( إنه ليس على الأرض من يشعر كيف ولدته أمه ، ولكني رأيت بنفسي كيف ولدت تلك الحبيبة نفسي ، مرت بيدها على أركاني المتهدمة وأعانتها الأقدار على إقامتي وبنائي ، غير أن هذه الأقدار لم تدعها تبنيني إلا لتعود هي نفسها بعد ذلك فتهدمني مرة أخرى )).
يصف حبيبته في هذه الرسائل كأنه مسحور بها فيجئ بكلام علوي مشرق كتسبيح الملائكة ، يمازحه أحياناً شئ يحار فيه الفهم لأن احدنا إنما يرسل فكره وراء قلمه ، أما هو فيرسل نفسه وراء فكره ، ويستمد قلمه منهما . فمنزلته أن يكتب ثلاث كلمات ومنزلتنا أن نفهم كلمتين ، والأنسان منا كاتب مفكر ، أما هو فقد زاد بصاحبته فكان كاتباً مفكراً وملهماً .
ومما لا كاد أفهمه أنه يكتب كتابة محب أياه الحب ، ومبغض قتله البغض ، فإني لأعلم أن كل شئ حبيب ممن نحبه حتى البغض إذا كان يدل على حبه ولو دلالة خفيفة . بيد أن صاحبي يجفو جفاءٍ ، والجفاء إلى غيظ ، والغيظ إلى مقيت ، وأنما المقيت أول البغض وآخره .
ياصديقي المسكين ، لا يحزنك فإن آخر الحب آخر لأشياء كثيرة ..... وإن من بين النساء نساءً أولهن كالشباب وآخرهن من أشياء كالهرم والضجر والضعف والموت .
وياجمال النساء إن كان في الأشياء ما هو أحسن وأجمل ، فإن في الأشياء ما هو أنفع وأجدى ، وقد تكون الجدوى والمنفعة من الجمال في بغضه أحياناً أكثر مما تكون في حبه .
ويا رحمة الله من فوق سبع سمواته ، لقد علمتنا بما نجده فيسرنا ، وما ننساه فلا يضرنا ، أن لا نيأس منك أبداً ولو كنا من الهم تحت سبع أراضيه .
==================
اخوكم / السـ عبدالله ــاهر

ابن العلا
03-01-2002, 23:32
مشاركه فعلا جميله ..حس ادبي رفيع وان كنت اصغر من ان احكم على مشاركاتك الادبيه


دمت لمن احبك

اخيك محمد

rassam
05-01-2002, 00:24
الاخ عبد الله

قرات مشاركتك واشكرك على ماابدعت

وننتظر قادم اجمل من المشاركات


اخوك / رسام

السـ عبدالله ــاهر
09-01-2002, 15:13
السلام عليكم

عزيزي الغالي ابن العلا
اشكرك على ردك الجميل والله لا يحرمني من كلامك الجميل

اخوك الصغير عبدالله

السـ عبدالله ــاهر
09-01-2002, 15:19
السلام عليكم

إلى المبدع rassam
احب ان اشكرك على قرائتك لموضوعي .. وعلى ردك المشجع الذي تعودنا عليه فأنت قدوتنا ولاتحرمنا من جمال كتاباتك ..

اخوك عبدالله

sameer.m
14-01-2002, 21:55
اخونا في الله السـ عبدالله ــاهر
عليك دائما األا تفترض غباء القاريء ..
و ما اقدمت عليه يدل على قلم مفلس يريد ان تسلط عليه الأضواء بأي طريقة ..
وهذه النصوص الثلاثة التي تزعم انها لك هي للأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي ( 1880 - 1937 ) و هي تحديدا مقدمة كتابه ( رسائل الأحزان ) ..
كان عليك ان تشير الى انها للأديب الراحل ..
ولكن يبدو انك تعمدت السطو على هذه المقدمة بدليل قيامك بتغيير التاريخ في عبارة :
وطلعت الشمس يوماً في غيم (......) من سنة 1994هـ
وهي في الأصل كما كتبها الرافعي هكذا :
وطلعت الشمس يوماً في غيم يناير من سنة 1924
يا عزيزي ..
اترك قلمك يكتب ما يريد بصدق و عفوية .. و سيحصد النجاح ان كنت تملك الموهبة ..
اما بهذه الطريقة .. فعذرا ..